منذ بداية تحضر البشر وهم يحاولون الوصول إلى طريقة لتسجيل أحداث حياتهم من أجل ترك أثر يجعل ذكراهم موجودة حتى بعد الرحيل، فنجد أن المصريين القدماء أصحاب الحضارة الأشهر والأعظم استخدموا ورق البردى والأحجار والنقوش والرسوم الفرعونية على جدران المعابد التي تحكي لنا قصص الملوك والملكات، وترصد لنا أحداث وقائع هامة في تاريخ تلك الأمم، وتعطينا معلومات عن العلوم التي استطاعوا الوصول إليها في مختلف المجالات من طب ورياضيات وهندسة وفلك وفنون وآداب، وأهمهم علم التحنيط الذي يبحث الجميع عن خباياه وأسراره حتى وقتنا هذا.
وفي العصر الإسلامي بدأ المسلمين يسجلون ويرصدون الفتحات الإسلامية ويكتبون على نوع من الورق وعلى الأحجار وأيضاً ظهر في هذا العصر الطباعة بطريقة بدائية وأيضاً نسخ الكتب عن طريق الكتبة الذين ينسخون الكتب بخطوط متنوعة منها النسخ ومنها الرقعة والكوفي وغيرها من الخطوط العربية، وتتنوع الحضارات وتختلف وتبقى فكرة التسجيل والنقوش والرسوم قائمة لسرد التاريخ، فنجد الحضارة الفينيقية والحضارة الهندية وغيرها نهجوا نفس النهج من أجل التسجيل والتدوين ونقل الحضارة عبر الزمن، ثم يتطور الأمر بظهور المطابع الأميرية وتداول الكتب الورقية، ثم تطور الطباعة وبعدها ظهور الكمبيوتر والانترنت والبرامج التي تسهل الكتابة والطباعة في نفس الوقت وبنفس السهولة وبمنتهى السرعة، وتتوالى التحديثات التكنولوجية الحديثة التي لا حصر لها، حتى وصلنا إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي أو السوشال ميديا التي انتجت لنا التواصل في غضون ثانية دون وجود أي عائق أو حائل، وأتاحت لنا فرصة ذهبية لتسجيل تاريخ جديد وحضارة من نوع خاص.
حضارة تجمع كل الشعوب ومختلف الثقافات وتنوع اللغات والعادات والتقاليد والأعراف، فأصبح متاحاً للجميع تسجيل أدق أحداث حياته وأدق التفاصيل لحظة بلحظة، بالصوت والصورة والكتابة والنشر والتوزيع الفوري وأخذ الصدى بشكل فوري أيضاً، فمنذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي مر العالم بالكثير من الوقائع والأحداث الهامة المتنوعة منها السياسية مثل الثورات العربية وتغير الحكومات وتقسيم بعض الدول واتحاد البعض الآخر، وأيضاً أحداث اقتصادية هامة مثل ارتفاع سعر الدولار إلى أعلى معدلاته في حقبة زمنية قصيرة أو تعويم سعر الجنيه المصري وارتفاع أسعار النفط والغاز وارتفاع سعر المعدن الأصفر ألا وهو الذهب إلى أكثر من 250 جنيه مصري للجرام الواحد في عام 2020م، وغيرها من الأحداث الاقتصادية..
ولكن الحدث الأشهر والأقوى والذي قامت برصدة وتأريخه مواقع التواصل الاجتماعي يتجسد في ظهور فيروس كورونا المستجد، والذي عرف بأنه جائحة وأثر على العالم كله وقمنا جميعاً بالمكوث في المنازل خوفاً وارتجافاً من خطر الموت، واحتراماً لفكرة التباعد من أجل السلامة وتقليل فرص انتشار الفيروس، ولكن هذا التباعد أثر على اقتصاد الدول، فكانت وسائل التواصل الاجتماعي هي طوق النجاة والمركب الذي أبحر بالجميع للوصول بنا إلى بر الأمان، فكانت وسيلة للاطمئنان على عائلاتنا والتواصل معهم، وكانت وسيلة لتداول الأخبار حول فيروس كورونا، وآخر مستجداته وعدد المرضى والوفيات حول العالم كله، ووفرت وسائل التواصل الاجتماعي منصات ومواقع وصفحات للبيع والشراء والإعلانات عن السلع والخدمات والمنتجات المتنوعة حول العالم، وكانت المنقذ والمنفذ الوحيد للكثير من الشركات والمصانع للاطمئنان ومتابعة بضائعهم العالقة في بعض الدول وخاصة بعد توقف كل وسائل المواصلات من بر وبحر وجو وفقد الجميع القدرة على التواصل والاتصال، وقامت أيضاً بتأريخ محاولات الدول من أجل الوصول إلى لقاح آمن يكبح جماح الفيروس ويقلل من إصابة البشر به، ستحكي لنا كيف أن هناك دولاً تبرعت باللقاح من أجل إنقاذ شعوب دول أخرى.
سيقص لنا التاريخ المقروء على صفحات الفيس بوك والتويتات الموجودة على تويتر والفيديوهات التي تنشر على اليوتيوب حول كيف كان تحضر البشر في تلك الحقبة الزمنية سبباً رئيسياً في إنقاذهم من موت محتوم، وليس هذا فقط حيث إن رصد مواقع التواصل الاجتماعي لتفاصيل حياتنا وعاداتنا المتنوعة سوف يجعل العالم في المستقبل يعلم ويتكلم كيف كان البشر يعيشون ويتواصلون في عالم مليء بالسرعة الشديدة والمذهلة، سوف ينقل أشكال وجوهنا وأحجام أجسادنا ولون البشرة والشعر وأنواع المرض المنتشرة بل والملابس والإكسسوارات والمجوهرات والأحذية المستخدمة والمنازل والقصور والمصانع وشكل الشوارع والبنايات وغيرها وأنواع العملة، بل وحتى أنواع المأكولات والمشروبات في تلك الفترة دون الحاجة إلى تحليل أو تنقيب مثل ما حدث في الحضارة الفرعونية مثلاً، فسيكون كل ما عليك فعله أن تفتح الفيس بوك وتبحث عن صفحة أحد أفراد العائلة لتعرف كيف كانوا وماذا كانوا يشاركون مع الأصدقاء، يمكنك أن تعرف شجرة عائلتك من خلال البحث على الفيس بوك وأن ترى صورهم من خلال الانستغرام، وأن تشاهد أفراحهم من خلال فيديوهات اليوتيوب، وأن ترى أفكارهم وانفعالاتهم من خلال تويتر.
هكذا سيكون استدعاءً للتاريخ وسيكون المتحف الكتروني تماماً دون الحاجة إلى الذهاب إلى أي مكان في العالم فقط، حيث أنه بضغطة ونقرة واحدة سوف تتعرف على حياة السابقين وأعمالهم وإنجازاتهم ومدى تطورهم، من متحف فيس بوك سترى بلاييناً من الصفحات الخاصة بأفراد قد رحلوا عن عالمنا، ومن خلال معرض الانستغرام سترى صوراً لأشهر مشاهير تلك الحقبة وصيحات الموضة والجمال وغيرها في مكتبة اليوتيوب، استدعي ما تريد من فيديوهات لتشاهد الأفلام أو الأغاني أو تتعرف على الأخبار المتداولة في تلك الفترة، يمكنك أن تدخل وأن تشاهد وتتعرف على حضارة بطلتها مواقع التواصل الاجتماعي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.