فوضى الموضة

الأناقة هي لبسُ أبهى الثياب وأجملها، والظهور أمام الناس بالمظهرِ الحسنِ والجميلِ بحلّةٍ زاهيةٍ تعكسُ شخصية مرتديها، ومدى نضوجه وتعطي لمحة إيجابية لكل من يراه سواءً أكان بالأعيادِ الدينيةِ، أو المناسباتِ الخاصةِ: كحفلات الزواج، أو الخروج لزيارةِ الأهلِ والأصدقاءِ والتنزه معهم، أو حتى الذهاب إلى المسجد لصلاةِ الجمعةِ. 

فمنذ الأزل عرفَ الإنسانُ البدائي الملابسَ، فقد كان يصنعها على هيئة قطعًا من جلدِ، أو فراءِ الحيواناتِ التي يصطادها ويقتاتُ عليها، ومع تطورهِ عرفَ مصادرَ أخرى يستفيدُ منها في صناعةِ ملابسه، فمن الحشراتِ: كدودةِ القزِّ التي يحصلُ منها على الحريرِ، وكذلك النباتات: كشجرةِ القطنِ، وصباغتها بأصباغٍ مختلفةِ الألوانِ ومبهرةِ لمشتريها وحياكتها ونسجها بمتانةِ؛ حتى تصمدُ أطولَ فترةٍ ممكنةٍ من الزمنِ ولا تتهرأ أو تتقطعَ بسهولةِ.

ومع بزوغِ فجرِ الإسلامِ حثَ الرسولُ-صلَّى الله عليه وسلم-على ارتداءِ الثيابِ النظيفةِ فقد كان هو بعينهِ يلبسُ الثيابَ المتواضعةَ، ويتطيبُ بالطيبِ، والسواك في فمه، ويخرجُ ليقابلَ الناس وهو متوجهًا إلى المسجدِ، وعندما يُسأل عن آدابِ اللباسِ كان يقولُ عليه أفضلُ الصلاةِ وأزكى التسليم :( ... إن الله جميلٌ يحبُ الجمالَ...) وكانوا الصحابة والتابعين يمتثلوا لسنُّته بكل ما جاء فيها.

وفي أيامنا هذه ومع وجودِ التقنيات والمصانعِ والشركاتِ سهّلتْ على الإنسانِ الكثير من الجهدِ والتعبِ والمشقةِ ووفّرت عليه ساعاتِ العملِ المضنيةِ عما كان يواجه في السابق عند الصناعةِ والإنتاجِ، ووجود خبراء وأشخاص متخصصين في تصميم وابتكار ملابس تواكبُ عصرنا الحالي ومجاراة أحدث صيحاتِ الموضة وانتقادها على صعيد المظهر الجمالي ليختارَ الإنسانُ ما يناسبه ويتفادى ما لا يليقُ به على هذا النحو. 

ولقد تضمّنت الموضة آراءً كثيرة ومتنوعة، فمنها أن الموضةَ هي حرية شخصية والرأي الآخر أن تأكلَ ما يعجبك وتلبسَ ما يعجب الناس تاركين لنا المجال للبحثِ والتفاوضِ والخوضِ في نقاشٍ عميقٍ ودؤوبٍ يختصُ بهذا الجانبِ الفكري.  

ولنبدأ متحمسين بدراسة الرأي الأول وهو (الموضة حرية شخصية) ولنقل إن كانت كذلك فهل من المرجّح أن تخرج تمشي في الشوارعِ والأسواقِ وأنت نصف عارٍ وأنك لن تهتمَ لما يقوله الناس عليك أو أنك ستجده كم هو غريبٌ هذا الفعل من تجربتك الأولى وأنت على هذا الحال! إذن تعال لنشدَ الرحال ونستنتجَ ونعرف ما هو رأي الناس بك. فما إن يروك سيظنونك بنصفِ عقل، أو أنك كنت تعملً بالحقلِ، أو أنك كنت حمارًا للنقلِ، ولنكن محقين لديك مواهبَ وفوائدَ كثيرة ولكن ينقصك الترويض والصقل، أو إن خرجت وأنت ترتدي ملابسَ من العصرِ البيزنطي أو الروماني، ما سيكون ظن الناس فيك؟ إما سيخالونك تائهًا من القسطنطينية أو زائرًا عبر الزمن من صقليةِ أو محاربًا من البربريةِ، لكن دعنا من تلك الظنون التعصبية فهي ليست بسويةِ. والآن هل ما زلت تظن أن الموضة حرية شخصية؛ لأنها ستبقى دومًا حالة عصيّة.

فإذا كنا قد تجاوزنا تلك المرحلة العصيبة فدعونا نرى ما يخبئه لنا الرأي الأخر وهو (كلْ ما تريد وألبسْ ما يريده الناس) وهنا يُطرح سؤال بغاية الغرابة باعتقادك ما هي أنواع الملابس التي تعجب الناس؟ رؤيتك وأنت ترتدي الثياب الزنقة (الضيقة) أو الزلقة أو ما بين هذا وذاك، فهل تصدق يا فتى أنه لا أحد يريد مشاهدتك بتلك الصورة! فالاهتمام يا عزيزي بآراء الناس وأقوالهم هو ضرب من الضياع ولا يؤدي إلى فائدة أبدًا. 

وبالمناسبة نجدُ هذه الأيام أن الفوضى تحت مسمى (الموضة) تستفحلُ بين الشباب والشابات وحتى الأطفال منهم, فنراهم يلبسون الثياب الزنقة، فالمنزلقة بالنسبة للشباب أما الثياب الزنقة ( الضيقة ) بالنسبة للبنات وخصوصًا السراويل فتارة تجدُ سروالًا سوستته (سحّابه) صغيرة وتارة ذو سوستتين أمامية وخلفية وحتى أن منظره يشمئزُ منه ناظره وحين أخر تجدُ سروالًا مقطّع بفتحاتٍ بشكلِ خطوطٍ عرضيةٍ بل والأبشعُ من ذلك عندما ترى سروالًا يترجى صاحبه أن يرفعه إلى مكانه المناسب ولكن مالكه عديم الرحمة والشفقة لا يأبه بذلك سواء أنه يمشي بالطريق متبجحًا وشكله بغاية السخف، فلا تعلم أتضحك أم تبكي من هولِ المنظر؟ فهل تعلم أن في الدول الأجنبية أن مَنْ يلبس مثل هذه السراويل يُغرّم بمبلغ مالي تصلُ قيمته إلى 5 ألف دولار؛ حتى لا يكرّر فعلته مرة أخرى، وكذلك القمصان التي صارت تغطي نصف الجسم فتغوي بذلك الشيطان أعاذنا الله منه، فكيف الناس؟ عزيزي الشاب لا أحد سيمنعك من التأنق والتألق لكن فقط كن متناسقًا وأنيقًا وأنت تمشي بالطريق حتى لا تتسبب بالحريق لا أنت عارضة أزياء ولا ملكة جمال الهراء.

وبالحديث عن ذلك نجدُ أن الفتيات لهن حصة من هذا الكلام ليس لإطالة الموضوع ولكن لمصلحتهن ولو أطلنا وتعمقنا بمواضيعهن فسنجد أنفسنا ببحر بلا مرسى. هذا ونحن فقط نتحدثُ عن الملابسِ ولم ندخلْ في خضمِ مواضيعٍ أخرى مثل: التبرُّج الجاهلي المُبَالغ فيه أو العطور الفوّاحة أو تسريحات وقصّات الشعر الغريبة التي لم تقتصرْ على الفتيات بل والفتيان أيضاً نجده عاملًا لشعره هضاب وسهول، أو طرقٍ منحدرة، أو مضمار لسباق السيارات، أو ريش الطاؤوس ويضعُ الكثير من الشحوم، وقد جاء عن أبن عمر أن النبي نهى عن القزع. وأما الفتاة تحملُ فوق رأسها برج بيزا المائل، أو إذ أنها أرادت أن تخلطَ شيء فأخذت كأس الخلاط المنزلي، فاختلط عليها الأمر فجأة، ووضعته بشعرها وكل ذلك تحت ما يُدعى بالموضة، أيضا قد نهى النبي عن ذلك بقوله: (وَنِسَاءٌ ..... مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا).

ألا تعلمون أن كل ذلك تقليدٌ أعمى لما تروه من التلفاز عند مشاهدة الأفلام أو البرامج الأجنبية إضافة إلى ذلك أن الدول التي تغرّم مواطنيها هي التي تصدّر مثل تلك الملابس إلى البلدانِ الأخرى لنشرِ الفسادِ الأخلاقي ومع عدم وجود الرقابة والتفتيش في بلداننا يقعُ ضحيتها شبابنا وفتياتنا والسبب تقليدهم بغير علم أو دراية بما تسببه لهم من مشاكل صحية على المدى الطويل, فقد حذّر الأطباء من ارتداء الملابس الضيقة وما تنجم عنها من أضرار خطيرة وفي الغالب بالمناطق الحساسة لكلا الجنسين، و لأن الله ميّز الإنسانَ وأعطى له عقلاً ليتفكرَ به ويتدبرَ ويفرّقَ به بين الصواب والخطأ فوجبَ عليه معرفة ما ينفعه وما يضره بحياته . 

ورُبَّ كلمةٍ تفتحُ طريقًا للشباب إذا وعوها وعملوا بها إن بادرَ أحدٌ بكلمةٍ طيبةٍ أو توعيةٍ هادفةٍ بالتي هي أحسن سواءً عن طريق رجالِ الدين، والفقهاءِ، وخطباءِ المساجدِ بأي وسيلةِ من وسائلِ الإعلامِ أو الوالدين أو الأهل إن لم يرهقوا أنفسهم بتقديمِ النصحِ والإرشادِ أو حتى من الأصدقاء الأخيار فهم لا يريدونك أن ترى شخصًا يلبسُ ثيابًا ما وبدا جميلًا فتعمل مثله وأنت لا تعلم ماهيته أساسًاً، فكم من شخصٍ حلو المظهرِ وخالي الجوهرِ وكم منِ شخصٍ عادي المظهرِ ووافرِ الجوهرِ .ولكن إذا كانت ملابسك دليل شخصيتك فكن أنت وسيم المظهرِ ووافرِ الجوهرِ دائمًا.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب