فهم التراث الثقافي لإعادة رسم المستقبل

ما الذي نعنيه اليوم بالتراث الثقافي؟ كثير من القوانين التي شرعتها عدد من الدول، وكثير من التصاريح والأعراف والاتفاقيات والنصائح وكثير من المواثيق الدولية التي أرسوها أساسًا ضمن منظومة أنشطة اليونيسكو التي تساعد على فهم هذا المفهوم.

غير أن الطريق لفهمه يبدو أكثر تعقيدًا فوق ما نقدر على تصوره، إذ إن المفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافات المحلية، وهو إلى ذلك من غير المعقول تعميم تعريف هذا المفهوم في علاقة بالقرارات الخمسة.

اقرأ أيضاً دور الجمعيات النوبية في إحياء التراث النوبي

ماذا تعد المعالم والفنون؟

في الحقيقة كانت المعالم والفنون فقط تعد تراثًا بأتم معنى الكلمة منذ زمن طويل، لكن النتاجات المادية المتأتية من المعالم والإبداعات الفنية كانت منتوج الإبداع الإنساني التي يجب علينا الاعتراف بها موروثًا أوليًّا دون شك.

بل وإعادة تقييمها وتحليلها وجعلها مركزًا لمسيرتنا البحثية، هذا الخلق والإبداع هو ميزة خاصة ضمن مرحلة الطفولة بالمعنى الطبيعي التربوي والتلقائي الذي ينظر بواسطته أطفالنا إلى العالم.

 ويحللون ما يدور حولهم عبر مشاركة مجتمعاتهم الثقافية في إطار الحياة العامة، إنه بالتحديد هذا الإبداع الذي يمثل مكونًا أساسيًّا للتراث الثقافي الذي يهمنا أن نبدأ من منطلقه من جديد من أجل ضبط التعريف الصحيح لكل إرث ثقافي.

ضمن هذا المعنى لمفهوم الإبداع، يتمثل عدد من العناصر المتجذرة داخل التقاليد الموروثة عن الأسلاف التي لا يمكننا ولا يجب علينا الاستغناء عنها أو التقليل من قيمتها، لهذا السبب، يعد مفهوم التراث الثقافي مفهومًا أوسع أفقًا في علاقة بكل ما تعنيه هذه العبارات بصفة عامة.

يعني فهم التراث الثقافي دراسة معرفة بالمجتمعات العرقية وتقييمها، ودراسة تاريخها وعاداتها إلى جانب المشهد الرمزي والجغرافي والتقليدي لكل حضارة والإرث الثقافي الذي تتفرد به.

وبناء على ذلك، تشمل الطريقة الجديدة لقراءة وشرح التراث الثقافي فهم الطبقات الاجتماعية؛ لأن من هذه النقطة يبدأ مسار الإبداع ومن منطلق موضوع الشعوب.

نرى أنه يتحتم علينا البدء في البحث في تراثنا، ومن أهم الوسائل التي بفضلها يظهر الإبداع نفسه بنفسه واضح المعالم بصورة شفافة.

تتمثل في الأساليب التي يعتمدها التدخل الإنساني في التأثير على العناصر الطبيعية وتعديل المجرى الجغرافي طبقًا للرؤى والأفكار إزاء العالم، وثم خلق ورسم مشاهد متنوعة تمثل نتاج قوة التنوع الثقافي.

اقرأ أيضاً التراث الشعبي السوري عبرالحضارة البشرية .

التعليم والتراث الثقافي

خلال هذه العقود الأخيرة، تطور مفهوم التراث الثقافي من منطلق تصورات تركزت أساسًا على الرفاهية الفردية، فهو يثير الحاجة نحو تفكير جديد متفتح في المعنى الحديث للموروث، معنى أكثر عمقًا واختلافًا لكل ما قيل في هذا الموضوع إلى حد الآن.

ضمن المنظور الحديث، يختلف مفهوم التراث الثقافي نوعًا ما من كمِّ الأشياء المختلفة من جهة الطبيعة، وله بعد آخر ذو قيمة اجتماعية تتمثل أصلًا في القدرة على التعبير عن مختلف الهويات الثقافية.

إضافة إلى الدور العملي والتعليمي والاقتصادي الأساسي الذي يتميز به (كامبيل هيرنانديز وتوديلا سانكو 2017)، في عالم يعيش على وقع تغيرات جذرية.

اقرأ أيضاً التراث قضية محورية في بناء هويتنا المستقبلية

بم أسهمت التطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا؟

أسهمت التطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا في تغيير حساسية الإنسان إزاء التاريخ، والطبيعة، والعلاقات الاجتماعية خلال الأعوام الأخيرة.

فقد عزلوا تدريس التراث الثقافي ومادة الثقافة نفسها، وفي مناسبات عدة همَّشوا أهميتها وتواؤمها مع موضوع عملية تدريب وبناء الفرد والمجتمع.

لقد كان ملحوظًا إثبات كل ما صاغوه هنا، وذلك بهدف تقدير قيمة ما هو حاضر في واقع الحياة اليومية للشخص والطفل والمحيط الذي يعيش فيه والواقع المعيش في مجال حياته اليومية بحساسية.

قد استغنوا عنهم جميعًا رغم الآثار النفسية والداخلية التي تسهم فيهم، إذ لا ريب أن موضوع جائحة كورونا قد تسبب في تعطيل العالم، على الرغم من أنه قد مكن الشعوب من التفكر في مختلف نواحي قيمة الحياة.

ما يعني أن في مرحلة تاريخية بهذا التعقيد الكبير، تضع الأولويات الرأسمالية القيم الأخلاقية والعلاقات الإنسانية موضع استفهام مثير، إذ تكمن الحاجة إلى إعادة وضع الشخص وإبداعه ضمن مركز الاهتمام.

من المؤكد تمامًا أن الهشاشة التي تعرضت لها كل الدول على المستوى الثقافي والتعليمي قد مكنت من إرساء التفكرات المحورية لإضفاء "تمركز جديد" على دور الثقافة ضمن التنمية البشرية المستدامة.

حقًّا، فمن دون الثقافة، من الصعب بدرجة كارثية رسم أفكار متطورة على المدى البعيد قادرة على وضع واستخلاص نظم تشاركية وتعاونية غير محكومة بالفردانية المتنامية.

بتحليل حقائق مختلف بلدان العالم، من الشرق الأقصى إلى الغرب الأقصى، نستشعر الحاجة الصرفة نحو تفعيل «إنسانية جديدة»، ما يبدو سببًا كافيًا لضرورة مشاركة الثقافة بكل معالمها وكيانها في كامل عملية تنظيم وعرض التجديد.

بل الاختراع الذي يهمنا أن نركز عليه من الآن فصاعدًا، ولكن، لتحقيق ذلك، فإنه من الضروري البداية بالأجيال الفتية وبعدئذ بوضع أحجار الأساس من أجل عمل طيب تتحقق به نتائج طيبة في المستقبل القريب بفضل أطفال وشباب اليوم الذين يعدون جزءًا مهمًّا من إحداث التغيير الحقيقي، تبعًا لذلك.

كان قد تحتم علينا تصميم مناهج تعليمية قادرة على بناء عالم أفضل عبر بيئة تعليمية يشعر فيها الأطفال بأنهم لاعبوا أدوار بناءة ومهندسو مسارهم التعليمي وواعون بالدور المحوري للمجموعة الاجتماعية في نشر المعرفة ضمن المجال الثقافي والتراثي، لا مجرد أوعية لضخ المعرفة فقط.
إعادة الاتصال بثقافتك
في السياق الراهن الذي تعيشه الإنسانية خلال عام 2020، تتمثل في الأفق حلول مفتوحة نحو التغيير الفعلي، حينما توجد الفرصة أمام المجتمع الإنساني ليكيف العوامل الحياتية في الاتجاه الصحيح ضمن تعاون مع الطبيعة والكائنات الحية التي يحسب من بينها حتى الإنسان نفسه، إذ لغرض تحقيق التغيير الفعلي، إنه لحري بنا فهم الطرف المسؤول عن تسهيل بلورته وفهم ماهية الشعب الذي سيشهد هذا التغيير ويعد لهذا المسار الجديد.

إن التغيير الحقيقي ينتجه الشباب والأطفال وجيل اليوم الذي سيتحمل مسؤولية قيادة بلدان وأمم عالم الغد، إنهم هم من يجب عليه فهم ماهية أسس الحياة الحقة القادرة على بلورة مستقبل مستدام حقيقي وعلى الوقوف أمام تحديات المستقبل.

اقرأ أيضاً التراث الطبيعي ارث انساني

إعادة الاتصال بثقافتك

طبقًا لهذه الرؤى الإيجابية، أرسوا المنهج البيداغوجي العالمي المعروف بـ"إعادة الاتصال بثقافتك" الذي روج له مركز البحوث العالمي لمجمع كليات الهندسة EdA، أو Esempi di Architettura International Research Centre بالتعاون مع جامعة فورام Forum University وتراث اليونسكو UNESCO Heritage.
استهدف هذا المنهج البيداغوجي المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية في أنحاء العالم وأساسًا التلاميذ الذين تراوح أعمارهم بين 5 سنوات و17 سنة، فالأطفال المدعومون بمساعدة مدرسيهم مستحثون على خوض مسار استكشافي ضمن التراث الثقافي لمجموعتهم ومدينتهم وبلادهم لرصد ومشاركة تجربتهم المعرفية ضمن اتصال مع التراث التاريخي والفني والثقافي.

يهدف المشروع العالمي لتحليل مختلف التصورات الثقافية ومختلف أساليب الشرح التي حضَّروا لها ضمن مختلف المجتمعات الثقافية عبر أنحاء العالم لتكوين شبكة تواصل وتيسير تبادل التجارب والمبادرات، ويهدف هذا المشروع أيضًا إلى اعتماد منهج تعليمي جديد لدمج دراسة التاريخ والتراث الثقافي ضمن المدارس والمعاهد والجامعات، ما يستجلي معطيين جوهريين من أجل إرساء عالم تنوعي إثني أفضل.

تمثل الأجندة المرسومة من منظمة اليونسكو سنة 2030 قوام هذا المشروع العالمي، وهي برنامج من أجل تحقيق تنمية مستدامة، من أجل هذه المبادرة، كان التركيز الخاص على النقطة رقم 4 التي تنص على "جودة التعليم"، وترسخت وفق مبادئ الإدماج والتكافؤ.

وتهدف هذه المادة من أجندة 2030 إلى تحقيق تعليم جيد قيم ومتكافئ يكفل فرصة التعلم مدى الحياة للجميع، إذ إن هذا هو سبب استهداف مشروع (إعادة الاتصال بثقافتك) لتلاميذ كل المدارس في كامل أنحاء العالم ومساعيه لإرساء أنشطة مشخصة تتطلب تدعيمات خاصة.

يجب لجودة التعليم الشامل والعادل أن تكون مدعومة برافد ثقافي يتضمن الوعي بوجوب وجود عنصر أساسي ضمن أسس حياة الإنسان الثقافية، ومن منطلقه يجري استشراف مستقبل موجه نحو الانفتاح والعيش الهادف والاحترام بين الناس الذين يعدون جميعهم مفتاحًا جوهريًّا نحو النمو الإنساني الصحيح، بناء على هذا الاقتراح، توجد الضرورة لفهم معنى الثقافة إلى جانب التراث الذي يعد أساسًا فريدًا ومتينًا لتسيير تنمية سوية توفق بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة