التربية، كلمة فضفاضة واسعة تحتمل الكثير من المعاني والافتراضات والفرضيات، فما المقصود بالتربية، وكيف نضمن تربية تأتي بثمار صالحة وتنبت الأبناء نباتا حسنا، وكيف ننشيء جيل واعي مدرك مفكر يحسن التصرف ويمتلك المهارات والقدرات التي تؤهله لمواجهة صعوبات الحياة وتمكنه من الانتصار على التحديات؟
متى وأين وكيف تبدأ التربية؟ وما هي مبررات اختياراتنا التربوية؟ وهل حقا ممارساتنا التربوية ستكون ناجحة بالدرجة التي تكفي لتحقيق ما نطمح للوصول اليه وتحقيقه مع الجيل الذي يفترض أنه سيقود المستقبل؟
هل اذا علمنا أبناءنا القران وجعلناهم يحفظونه وعلمناهم الصلاة والصيام والزكاة والصدقة والصدق وحب الخير وغرسنا في نفوسهم كره الغش والخداع واحترام الناس وعلمناهم ان لكل شخص مساحة من الخصوصية لا بد من احترامها، ثم علمناهم في المدارس والجامعات والمراكز بتخصصات متميزة ولم نبخل عليهم في التعليم بالفكر ولا بالوقت ولا بالمال ولا بالوسائل، هل ستكون المخرجات عالية الجودة بما أن المدخلات عالية الجودة، فما هي المخرجات التي نحلم بها؟ جيل واع يقدر المسئولية وقادر على قيادة المرحلة والنهوض بالأمة والارتقاء بها، جيل يعرف حق الوالدين ويعرف حدوده ويقوم بواجباته ويطيع ربه ولا يخشى في الله لومة لائم، لكنه في الطليعة يخطط ويرتقي ويعمل ويطور ويتقدم بعزة وشموخ.
لماذا تكون التربية مسؤولة بشكل كامل عن كل ما يحمله الجيل من درجات الوعي والادراك والهموم والمسؤوليات؟؟؟ يعني التربية مسئولة بشكل كامل عن المخرجات بسلبياتها وإيجابياتها، هل هذا منصف بشكل كافي؟؟
نعم التربية حقا مسئولة بشكل كامل عن المخرجات بكل ما تحمله من محاسن وعيوب لأنها تبدأ من النقطة صفر، والنقطة صفر لا يقصد بها لحظة الولادة بل يقصد بها لحظة تشكل الجنين في بطن أمه ويبدأ عملية السير قدما على نظام يشبه إلى حد بعيد ما يعرف بالمستوى الديكارتي ، وهو عبارة عن نظام من الاحداثيات ينتج عن تقاطع خطي أعداد متعامدين , الخط الافقي و يسمى محور السينات ، و الخط الرأسي و يسمى محور الصادات، و تسمى نقطة تقاطع الخطين بنقطة الأصل .
المقصود أن الله يخلق الانسان في رحم أمه وتلك نقطة الأصل، وهناك مرحلة ما قبل الولادة يرافق فيها الجنين والدته منتميا لكل ثانية تمر بها سواء كانت سعيدة أم شقية مرتاحة أو متعبة مريضة أو صحيحة يتأثر بما تأكل وما تشرب وما تتنفس وما تشعر وما تحياه من مشكلات ومواقف ويستمع لما تقرأه وما تحكيه وما يقال لها باختصار هو يحيا ما تحياه أن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، وربما كان خليطا من هذا وذاك، في المحصلة هناك نقطة للأصل وتأثر الجنين بأمه يبدأ برسم مساره في الربع الذي يناسب ما يحياه عند النقطة التي تتناسب مع كل حدث وبدقة متناهية، ويستمر في هذا بعد الولادة ولكن متأثرا بدخول عوامل تجعله أكثر وعيا وادراكا واحساسا بكل ما يدور حوله ما يسمع ويأكل ويشاهد ويعيش معتمدا على الصورة التي يترجمها عقله للاحداث الدائرة في مداره، وهذا يعني تداخل العديد من العوامل التي تتباين في قوتها وتنوعها ومدى تأثيرها بالإضافة الى عامل مهم جدا وهو كيفية ترجمة عقل الفرد لكل ما يشهد وأسلوب تخزينه في العقل الباطن وفي زوايا النفس حيث يكون في مرحلة الملاحظة وتسجيل البيانات وتخزينها بطريقة تشكل وتصقل وتبني وتحدد مساره وسلوكه وتصرفاته، المرحلة الدقيقة الحساسة في حياة الفرد والتي تبني كينونته اللاحقة وتظهره بالصورة التي هو عليها وكلما كبر تتضح البيانات التي تم تخزينها وتظهر حسب المواقف والخبرات والتجارب التي يمر بها الفرد مما يجعله يكتشف ذاته في كل مرة بطريقه قد تدهشه هو شخصيا.
يبدأ الأهل بالتعامل مع الطفل من وجهة نظرهم وحسب ظروفهم فيكيفونه مع طباعهم ورغباتهم وأحلامهم وتطلعاتهم وطموحاتهم والمخزون الكبير جدا لديهم في اللاوعي مع نقطة الالتقاء بين الوالدين ونقاط الخلاف والاختلاف التي قطعاً تخلق صراعات ظاهرة وصراعات غير ظاهرة كل هذا يتفاعل ويتصارع ويتنافس ويتعاون لبناء هذا الطفل عوامل كثيرة ومعقدة ومتباينة ومتنوعة وموجهة ومتجهة كلها تؤثر في المدخلات.
لا يوجد تخطيط مسبق يهتم بعملية التربية بشكل قويم وسليم ولائق من عند نقطة الأصل وهنا تكمن المشكلة في التربية، يتصرف الوالدين على سجيتهما وفق اهواءهما غير عابئين بوجود مخلوق ثالث بينهما له الحق ان يحصل على مدخلات سليمة غير مشوشة، مع الحرص على تنحية واستبعاد العوامل السلبية المؤثرة والتي تسحبه الى مناطق سلبية هو أحوج ما يكون للبعد عنها، وبعد الولادة يبدأ الأهل بعملية التعبئة والتوجيه والغرس وتنظيم حياة ومعتقدات ومفردات وأفكار وكينونة هذا الطفل حسب وجهات نظرهم بكل ما لها وما عليها، والمدهش أن المخرجات قد لا تكون حسب المتوقع من الأهل فيبدأون بالتساؤل لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة رغم أننا أعطينا أفضل ما لدينا؟؟ وصدقاً هم يعطون حرفياً كل ما لديهم سلباً وايجاباً، لكنهم يتناسون أن ما أعطوه قد لا يكون كافي أو أنه ليس الصح أو المناسب في مرحلة ما، وربما المنهج أو الطريقة أو الأسلوب كان غير ملائم سبب خللاً في تخزين البيانات، أو أن الرسالة شوهتها عوامل سلبية من الوسيلة أو قناة الاتصال أو التشويش من البيئة المحيطة.
الاتصال والتواصل لا يصح بنفس الأسلوب ونفس الأدوات في كل زمان ومكان ومع الجميع، قطعا لا، فلكي تأتي الرسالة بنتيجة مناسبة وناجحة حسب التوقعات المطلوبة وطبق المعايير المرتقبة، على اعتبار أنها رسالة ذات محتوى مناسب فلا بد من تطويرها وتغيير صيغتها واستخدام صيغة مناسبة حسب المتلقى، مع الاهتمام بتوفير البيئة المناسبة واختيار الزمان والمكان والظرف الملائم وبضمان عدم وجود أي تشويش من أي عامل محيط، بمعنى أننا لو فرضنا أن الأهل يقومون بإرسال رسالة معينة للابن والرسالة ذات محتوى إيجابي ومرغوب في المحتوى والنوع والكم، فيجب مراعاة كيفية نقل الرسالة وقناة التواصل ونوعية المتلقي وهو الابن وقدرته على فهم الرسالة في تلك المرحلة ومدى استعداده لتلقي الرسالة في لحظة ما وفي مكان ما كل هذا يحدد طريقة ومدى استجابته وأثر الاستجابة وما يخزنه من بيانات حول الرسالة ومحتواها واسلوبها وكل العوامل المحيطة بها، وهذا سيحدد لاحقا ردود أفعاله في مواقف متعددة، مثلا:
انت تريد ان تجعل ولدك يحفظ القران وهذه رسالة ذات محتوى مناسب، وقد يكون سن الطفل مناسب ولكن انت تضربه إن أخطأ في لفظ كلمة أو تعنفه أمام الأخرين أو تسخر من لفظه، أو تسمح للأخرين بالسخرية من أدائه أو تعجز عن تفسير معنى كلمة يطلبها منك أثناء التحفيظ كل هذا يجعل العقل يخزن الرسالة بطريقة سلبية تنعكس عليه لاحقا رغم أنها ذات محتوى مرغوب ومناسب، فهو لن ينسى أنه ضرب رغم أنه يبذل قصارى جهده، أو أنه وضع في موقف محرج سبب له الخزي والشعور بالدونية، لا يدرك الأهل ما يخزنه الطفل في عقله الباطن ومن أي زاوية نظر الطفل للأمر، فالطفل قد يخفي أكثر مما يظهر وهذا أخطر ما في الأمر، وتمر الأيام ويعتقد الأهل أنهم يقدمون أفضل ما لديهم والطفل يحتاج ويستحق الأفضل في الرسالة والمحتوى والطريقة والعوامل المحيطة ووفق الفطرة السليمة وحسب ما قرره الله عز وجل.
بقلم نهلة عبد القادر
يتبع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.