تُعد الملحمة الحمض النووي الأدبي للحضارات، فهي السجل الشعري الخالد الذي تحفظ فيه الأمم أساطير تأسيسها، وقيمها العليا، وبطولات أبطالها المؤسسين. هذا الفن الأدبي الشاهق ليس قصصًا عن الحروب والآلهة، بل هو مرآة تظهر العقل الجمعي للشعوب في مراحل تكوينها الكبرى. في هذه القراءة المقارنة، نسافر عبر الزمان والمكان، من سهول طروادة مع هوميروس، إلى تأسيس روما مع فيرجيل، وصولًا إلى حكمة الهند القديمة وأمجاد فارس الخالدة مع الفردوسي، لنكتشف كيف تشابهت الملاحم الأدبية العالمية في أهدافها واختلفت في أساليبها، وكيف ظل صداها يتردد في آداب العالم حتى يومنا هذا.
الملحمة في الأدب الغربي من الأسطورة إلى المنطق
الملحمة فن من فنون الأدب، سبق إليه الإغريق بإلياذة هوميروس ثم بالأوديسا، ثم الرومان بملحمة (فيرجيل) التي امتازت عن الأوديسا أو الإلياذة بأنها جاءت في أعقاب مرحلة من الحضارة الإغريقية، لترث ما تركته من أثر عميق في الفكر، وفي كثير من قضايا الفن والأدب، ولتظهر هذا الأثر، بما في (أنييد) وهي ملحمة (فيرجيل) من كبح لجماح الخيال الأسطوري، أو الخرافي، وجنوح إلى المنطق في طبيعة الأحداث.

إن موضوع الملحمة عند فيرجيل لم يختلف عن موضوعها وهدفها عند هوميروس، وهو تمجيد البطولة والأبطال، ومن هذا المنطلق ترك هوميروس لخياله أن يضفي على شخصيات ملحمتيه (الإلياذة والأوديسا) ما كان يتفق مع بدائية الفكر الذي لا يعرف قيودًا أو حدودًا، في تصور أعمال خارقة يقوم بها أبطال خرافيون لا سبيل إلى تصور وجودهم التاريخي أو الحقيقي بأي صورة.
وجاء فيرجيل، فلم يختلف عن هوميروس في تمجيد البطولة والأبطال، ولكن بحماس المواطن الروماني، الذي يضفي على التاريخ الروماني، وينسب إليه بطولات يمكن أن تبلغ حد الأسطورة، ولكن بشيء من التحسب، وفي إهاب من التعقل ومسايرة المنطق إلى حد يتفق مع ما وصلت إليه الحضارة في عهده.
صدى الملحمة الكلاسيكية في أوروبا
في القرن الثامن عشر الميلادي، ظلت أوروبا متأثرة، أو تكاد لا ترى غير (أنييد) لفرجيل مصدرًا للإلهام ونموذجًا للملحمة وتراثًا تجد فيه ذخيرتها من فنون البلاغة والبيان. والأرجح أن السبب في ذلك هو أن ظل الحضارة الرومانية لم ينحسر عن شعور القارة، وإن كان قد انحسر سلطانها المباشر في الحكم والسيادة. ويمكن القول إن (الفردوس المفقود) للشاعر الإنجليزي (ملتن) رغم اختلافها عن موضوع الملحمة عند هوميروس وفيرجيل، فإنها تظل متأثرة ببناء الملحمة عندهما، هذا بالإضافة إلى المفردات اللاتينية التي لم يكن مما يعاب على الشاعر أن يستعملها ليتاح له التعبير عن المعاني التي يبدو أن اللغة الإنجليزية كانت تعجز عن التعبير عنها.

الملحمة في آداب الشرق الهند وفارس
أما في الشرق فإن فن الملحمة قد عرفته الهند، في (المهابهارتا) قبل أن يعرفه الإغريق في الإلياذة والأوديسا أو الرومان في (أنييد)، على اختلاف في نوع الأسطورة، وفي نماذج البطولة، وفي الهدف، إذ يغلب على (المهابهارتا) جانب الموعظة والحكمة في إطار المعتقدات الوثنية، التي لا تزال سائدة عند الهندوس حتى اليوم.
ومع أن الأدب العربي قد أثَّر وتأثر إلى حد ما بالتراث الفارسي، بعد الفتح الإسلامي وفي العصر العباسي الأول على الأخص، هذا إلى جانب ما نُقل إلى العربية من اللغة السنسكريتية (الهندية)، فإن مما يستلفت النظر أن الأدب الفارسي -كالأدب العربي- لم يعرف فن الملحمة بمفهومه عند الإغريق أو الرومان أو الهنود إلى القرن العاشر الميلادي أو في القرن الرابع الهجري، عندما ظهر في فارس شاعرها الكبير (أبو القاسم الفردوسي). والقرن الرابع الهجري هو القرن الذي ظهرت فيه الدويلات الإسلامية في مختلف الأصقاع التي كانت تنتمي إلى الخلافة العباسية، مع تمتع كل منها بشخصية سياسية تكاد تكون مستقلة تمام الاستقلال عن غيرها.
الشاهنامة ملحمة فارس الخالدة
ولا بد لنا أن نعلل لظهور (أبي القاسم الفردوسي) بصفته شاعرًا باللغة الفارسية في هذا القرن، بما طرأ على الخلافة العباسية من عوامل التفكك والانحلال، إلى الحد الذي يجعل فارس تلتفت إلى أمجادها القديمة -قبل الفتح الإسلامي- ويجعل أبا القاسم الفردوسي يكتب ملحمته الشهيرة باسم (شاهنامة). وفيها يعيد إلى الأذهان أمجاد الفرس ابتداء من ثلاثة آلاف وستمئة سنة قبل الميلاد، إلى سنة 651 م. ونلاحظ هنا أن السنة التي توقف عندها الفردوسي تقع في القرن نفسه الذي ظهر فيه الإسلام.
وتقع شاهنامة الفردوسي فيما يقرب من ما يزيد على خمسين ألف بيت (مقطع شعري مزدوج)، وتتحدث كلها عن ملوك الفرس. وكلمة (شاهنامة) نفسها معناها (كتاب الملوك). ومع أن الفردوسي قد عُني بتمجيد البطولات، فإنه كان أقرب إلى المؤرخ منه إلى الشاعر. ومن هنا، نجد له التفاتات إلى الأخطاء والعثرات، التي وقع فيها من يتحدث عنهم من الأبطال.

وتاريخ الأدب العالمي يضع أبا القاسم الفردوسي في القمة من عبقرية الشعر في تاريخ الفرس على امتداده، وعلى تعدد الشعراء العظام فيه، أمثال السعدي وعمر الخيام. وليس من شك في أن الفضل في تقديره وبلوغه هذه المكانة في تاريخ الأدب الفارسي يعود إلى الشاهنامة التي تُعد عملًا ضخمًا قلَّ أن وُفق إليه مثله أو غيره من الشعراء.
وأشهر أبطال الشاهنامة رستم، وسهراب. وعقدتها أن الأب (رستم) والابن (سهراب) يحل كل منهما علاقته بالآخر، ويحدث أن تقوم بينهما معارك طاحنة وصراع، ويبدع الفردوسي في تصويره أيما إيداع، وينتهي بمقتل الابن وانتصار الأب.
وبغض النظر عن موضوع الملحمة، وهدفها وما فيها من الخيال الأسطوري، فإن ما امتاز به الفردوسي، هو قدرته الرائعة على التصوير، وبلاغته في أداء الصورة التي يبدعها الفردوسي، بحيث نجد في كثير من المقطوعات هذه القدرة التي تجعل من المقطوعة تحفة فنية لا تملك إزاءها إلا الإعجاب البالغ والتقدير الكبير.
الملاحم العالمية: جدول مقارن لأبرز الخصائص
| الملحمة (Epic) | الشاعر (Poet) | الأصل (Origin) | الموضوع الرئيس (Core Theme) | النزعة (Tone) |
| الإلياذة | هوميروس (Homer) | اليونان (Greece) | غضب أخيل، الصراع، تدخل الآلهة. | أسطورية، خيالية، بدائية. |
| الإنيادة | فيرجيل (Virgil) | روما (Rome) | تأسيس روما، الرحلة، البطولة الرومانية. | عقلانية، وطنية، تمجيد تاريخي. |
| المهابهارتا | غير محدد | الهند (India) | الصراع بين الخير والشر، الحكمة والموعظة. | دينية، تعليمية، فلسفية. |
| الشاهنامة | الفردوسي (Ferdowsi) | فارس (Persia) | تاريخ ملوك الفرس، التفكك والوحدة الوطنية. | تاريخية، ملحمية، أدبية. |
في هذه الرحلة بين ملاحم العالم، يتضح أن الملحمة ليست نمطًا أدبيًّا فقط بل هي ضرورة حضارية. فسواء كانت تروي غضب أخيل في الإلياذة، أو رحلة إينياس في الإنيادة، أو مأساة رستم وسهراب في الشاهنامة، فإنها تظل الوسيلة الأسمى التي تعبر بها الشعوب عن تصوراتها للبطولة والمصير والهوية. لقد أثبت فن الملحمة قدرته الفائقة على عبور اللغات والثقافات، ليؤكد أن السعي الإنساني نحو المجد وفهم الذات هو القصة الكبرى التي لا تزال ترويها البشرية بصور مختلفة ولكن بروح واحدة.
تُعد الملاحم الأدبية العالمية بمثابة سجلات خالدة تمنحنا رؤية فريدة للعقل الجمعي للشعوب. لقد نجحت مقارنة بين ملاحم الشرق والغرب في إظهار أن لكل حضارة طريقتها في التعبير عن ذاتها، فبعض البشر اختار الأسطورة وبعض آخر اختار الحكمة والتاريخ. لكن النتيجة واحدة: الملحمة هي القوة الدافعة لتخليد الأمجاد وتأكيد الهوية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.