يوجد في الغرب فن اسمه (بارودي parody)؛ أي المحاكاة التهكمية الساخرة سواء أكان هذا الفن أغاني أم أفلامًا أم قصائد، وقد انتقل إلينا هذا الفن، لكن ذلك الفن وُجد قديمًا عندنا من زمن المماليك في مصر، فقد كانوا يأخذون القصيدة ويغيرونها إلى موضوعات الطعام والشراب.
ومع انتشار فن السينما في العصر الحديث نرى إسماعيل ياسين يسخر من الأغنياء في فيلم المليونير، ويسخر من أغاني محمد عبد الوهاب الذي كان يحبه ويقلده، وقدم تلك الأغاني الساخرة التب قلد فيها عبد الوهاب في زمن الإذاعات الأهلية في أواخر العشرينيات، وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، فأغنية عبد الوهاب الشهيرة (يا وردة الحب الصافي) تصبح عند إسماعيل ياسين (يا حلة العدس الدافي).
ثم نأتي إلى الكوميديان الراحل سمير غانم الذي يسخر من المطربين في كثير من أعماله، لا سيما المطربون الجدد ممن كان صيتهم ذائعًا في التسعينيات، ولم يسلم منه أيضًا المطربون الذين يغنون اللون الشعبي، والسخرية تكون بمحاكاة كلمات الأغاني أو الزي الذي يرتديه المطرب.
نأتي إلى عصر اليوتيوب والتيك توك الذي يبلغ عبرهما عدد مشاهدة الأغاني ملايين المشاهدات.
اقرأ ايضاً أشهر الممثلات اللاتي قدَّمن أدوار رجال في السينما العربية
أشهر محاكاة في التاريخ
أظن أشهر محاكاة في التاريخ محاكاة الممثل شارلي شابلن لأدولف هتلر في فيلم الديكتاتور العظيم، فقد وصلت فيه تلك المحاكاة إلى حد الهجاء، وليس السخرية فقط، ولقد قدم شابلن ذلك الفيلم في قمة صعود هتلر، فمثل ونفّذ السيناريو والإخراج أيضًا مقدمًا لوحة سينمائية خالدة ناطقة هذه المرة، وليست صامتة مثل محاكاة شابلن السابقة.
تنفس وتنفيس
وهذا الفن يلقى قبول كثير من الناس، فهو مدعاة للتنفس والثورة على المعتاد، والتنفيس من واقع صعب ومعقد في ظل مدنية مادية لا ترحم أحدًا.
تطفل ظريف
وانطلاقًا من استخدام ذلك الفن الذي يعتمد على التطفل الظريف على أعمال الآخرين، ومن ناحية أخرى وجود أزمة اقتصادية خانقة في العالم كله، فإن السخرية منها مفيدة وواجبة، وذلك يحققه فن المحاكاة، لا سيما عند الشعب المصري الذي يحب النكتة والمحاكاة الساخرة، ويألفها، ويرددها في محاولة للتسرية عن نفسه لدفع الهموم بعيدًا عنه، وكذلك للتخفيف من آثار موضوعات في قمة الجدية ولا تحتمل السخرية، ونحن نعلم أن السخرية في حقيقتها اعتداء لفظي قد يصل إلى حد التنمر.
اقرأ ايضاً أفضل 100 فيلم ناقش قضايا المرأة
السينما والمحاكاة الساخرة
قدمت السينما ذلك التوع من المحاكاة الساخرة في كثير من الأفلام، وذلك للسخرية من الواقع أو من السخرية من أفلام قدمت قبل ذلك.
المحاكاة الساخرة والأدب
إن قصائد الشعر العامي نالت النصيب الأكبر من التهكم والسخرية، وذلك لسهولة تقليدها على الوزن والقافية نفسهما، فقصائد بيرم التونسي وصلاح جاهين وفؤاد حداد سهلة المحاكاة.
شباب البارودي في مصر
ظهرت من سنوات قليلة فرقة (TMT)، وبلغ عدد مشاهدتها ملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها تقدم لون المحاكاة الساخرة سواء من الأغاني الأجنبية أم من الأغاني العربية تقديمًا مميزًا بوجود الآلات الغربية ما يكسب ذلك اللون نوعًا من العصرية إلى جانب حس الفكاهة العالي.
أخيرًا، لا بأس من الاستماع إلى ذلك اللون من الفن لما يشيعه في النفس من بهجة ومرح مطلوب لهزيمة هموم الحياة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.