فن الكلام الفارغ.. كيف تبدو عميقًا دون أن تقول شيئًا مفيدًا؟

«دليل المتفلسف العصري إلى الثرثرة الفاخرة».. هل سبق لك أن حضرت نقاشًا خرجت منه وأنت تشعر أنك سمعت كثيرًا لكنك لم تفهم شيئًا؟

لا تقلق، هذا طبيعي! فالعالم مملوء بأشخاص يتحدثون ساعات عن الفراغ المطلق، ويجعلونك تشعر بأنك الوحيد الذي لم يفهم شيئًا، أما الحقيقة ألا أحد فهم شيئًا على الإطلاق! جرِّب أن تجلس وسط مجموعة من المثقفين وتهزَّ رأسك موافقًا، وستجد نفسك تلقائيًّا جزءًا من هذا الفن العظيم: فن الحديث دون قول أي شيء!.

مدخل فلسفي (أو شيء يشبه ذلك)

يُقال إن الصمت حكمة، لكن ماذا لو أخبرتك أن الكلام الفارغ أكثر حكمة؟ نعم، هذا صحيح. فالإنسان، منذ أن أدرك أن بإمكانه تحريك فمه وإطلاق أصوات، وجد متعةً غريبة في الحديث عن كل شيء دون أن يقول أي شيء على الإطلاق.

وهذا الفن العظيم -فن الكلام الفارغ- تطوّر عبر العصور، حتى صار مهارةً متقنة تُمارَس في الاجتماعات، والمقاهي، وشاشات التلفاز، وفي مجالس المثقفين الذين يناقشون «ما بعد الحداثة» دون أن يفهم أحد ماذا تعني «ما بعد الحداثة» تلك أصلًا!

إذن، كيف تتحدث ساعات دون أن تقدم أي معلومة مفيدة، ومع ذلك تبدو وكأنك مفكر عميق بحجم الفيلسوف أفلاطون -لكن بنكهة وسائل التواصل الاجتماعي-؟ إليك الدليل العملي لكيفية التحول إلى ماكينة فلسفة جوفاء، مع القليل من الغموض والكثير من الهراء المنمق.

الخطوة الأولى: اجعل كلامك يبدو معقدًا (حتى لو كان بسيطًا لدرجة التفاهة)

الأمر بسيط جدًا: كلما زدت من تعقيد جملك؛ بدا كلامك أكثر عمقًا. خذ الجملة التالية مثلًا:

«الحياة معقدة»: هذه جملة عادية جدًا، قد يقولها أي شخص ممل.  

اجعل كلامك يبدو معقدًا

«حينما نُسقط الأبعاد الإدراكية المتقاطعة للحياة على شبكة الزمكان الإدراكي، نكتشف أن التعقيد ذاته مجرد وهم معرفي»؛ هذه جملة لا معنى لها، لكنها تبدو كأنها خرجت من مؤتمر فلسفي دولي.. رائع!  

إذن، بدلًا من أن تقول ببساطة «الناس يعانون من الوحدة»، قل: «في ظل التناقضات المجتمعية والتفاعلات الافتراضية المشحونة بتناقضات الذاتية الكينونية، يطفو الإنسان في فضاء من العزلة الشعورية، حيث يصير الآخر انعكاسًا لانعدام الهوية المتجذرة في صلب الوجود».

هل فهمت شيئًا؟ رائع، أنا أيضًا لم أفهم، وهذا بالضبط ما نريده!

«تخيل أنك في مقهى ثقافي، وأحدهم قال: في ظل التفكيكية، ينهار المعنى قبل أن يتجسد في اللغة».

في هذه اللحظة، سيهز الجميع رؤوسهم موافقين، على الرغم من أنهم لا يعرفون عما يتحدث! جرِّب الآن أن تقول بصوت واثق: «حينما نضع المعرفة في سياق إبستمولوجي متحول، نكتشف أن الخطاب لا يمكن عزله عن السلطة المفاهيمية التي تحكمه» ثم انتظر ردود الفعل. ستجد شخصًا يغمض عينيه مفكرًا، وآخر يدوِّن شيئًا في دفتره، أما الحقيقة أنك لم تقل شيئًا على الإطلاق!  

الخطوة الثانية: استعن بأسماء ضخمة (ولا تقلق إن لم تقرأ لهم أبدًا)

إذا كنت تريد أن تبدو عميقًا، فلا بد أن تستدعي بعض الفلاسفة الكبار، لكن لا تهتم بمحتوى أفكارهم الفعلي، المهم أن تُلقي بأسمائهم في أي سياق. مثلًا: «كما قال هايدغر، الوجود بحد ذاته إشكالية تتطلب مساءلة جذرية».  

«إذا نظرنا للأمر من منظور نيتشه، يمكننا القول إن الحقيقة ليست سوى وهم مقبول اجتماعيًا».  

«إن إسقاطات سبينوزا حول الجوهر الواحد تدفعنا لإعادة التفكير في معنى المعنى».  

طبعًا لا أحد يعرف بالضبط ماذا قصد سبينوزا بـ«إسقاطات الجوهر»، لكن لا أحد سيجرؤ على سؤالك، خشية أن يبدو جاهلًا.

الخطوة الثالثة: استخدم مصطلحات لا تعني شيئًا، لكنها تبدو ثورية

إذا أردت أن ترفع من مستوى «الفراغ العميق» في حديثك، فلا بد من إضافة مصطلحات فاخرة لا يفهمها أحد، لكنها تعطي إيحاءً بأنك شخص عبقري يعاني فرط الذكاء، ويا حبذا لو كنت أنت مخترعها. جرب استخدام عبارات مثل:

  • «التموضع الإدراكي للكينونة في سياق ما بعد البنية الحداثية».  
  • «تفكيك الأنساق المعرفية للخطاب الميتافيزيقي في ظل التناص الفكري».  
  • «التحول من الجدلية التقليدية إلى ديالكتيك الحضور الإشكالي».  

نعم، أنا أيضًا لا أفهم هذه الجمل، لكنك إذا قلتها بنبرة واثقة، سيهز الجميع رؤوسهم احترامًا.

خذ مثلًا بعض ضيوف البرامج الحوارية الذين يستطيعون الحديث ساعات دون أن يقولوا شيئًا ذا قيمة. ستجدهم يرددون عبارات مثل: «يجب أن نعيد التفكير في البنية المجتمعية وفق إطار تفكيكي يعيد إنتاج المعنى في سياق ما بعد الحداثة!»، والمذيع يهز رأسه بإعجاب، على الرغم من أن أحدًا لم يفهم شيئًا!

طريقة الضيوف في البرامج

أو أولئك المؤثرين الذين يصيغون منشورات بعبارات معقدة مثل: «الحياة ليست ما نعيشها، بل ما تعيشه تصوراتنا عنها في ضوء إدراكنا المشروط بحدود وعينا القابل للتجاوز!». لا أحد يعرف ماذا يعني هذا، لكنه يبدو عميقًا!

الخطوة الرابعة: لا تعطِ إجابات مباشرة أبدًا

الشخص العادي يجيب عن الأسئلة، أما المتفلسف الفارغ، فهو يطرح سؤالًا مقابل كل سؤال. مثلًا، إذا سألك أحدهم: «ما رأيك في أزمة الاقتصاد العالمي؟».

لا تقل: «الاقتصاد في أزمة بسبب التضخم والركود.» هذا كلام واضح جدًا، وربما مفيد، لذا فهو مرفوض. بدلًا من ذلك، قل: «لكن، هل يمكننا فعلًا الحديث عن أزمة، أم أن مفهوم الأزمة ذاته ما هو إلا بناء اجتماعي يعتمد على منظومة التصورات النفعية المتأصلة في الموروث الحداثي؟».

طبعًا، لا أحد يعرف ما الذي قلته للتو، لكنك ستبدو كأنك قدمت رؤية فلسفية ثورية!

الخطوة الخامسة: انتقد كل شيء، ولا تقدم حلولًا أبدًا

أهم قاعدة في فن الكلام الفارغ: لا تحاول تقديم حلول، بل اكتفِ بالنقد العميق الذي يوحي أنك تفهم المشكلات أكثر من الجميع. مثلًا:

  • «النظام التعليمي فاشل تمامًا».
  • «المجتمع في أزمة قيمية خانقة».
  • «الإنسان المعاصر غارق في دوامة من العدمية المفرغة».

لكن، هل لديك أي حلول؟ طبعًا لا! تقديم الحلول يجعلك شخصًا عمليًّا، والثرثرة الفارغة تحتاج إلى أشخاص منظِّرين فقط، لا أشخاص يحلون المشكلات!

الخطوة الأخيرة: اختم كلامك بجملة غامضة تبدو حكيمة

عند إنهاء أي نقاش، لا تقل ببساطة: «هذا رأيي.» بل استخدم عبارات تبدو كأنها استنتاج عميق، مثل:

  • «وفي النهاية، قد تكون الحقيقة مجرد نتيجة مشوّهة للواقع غير المتحقق».
  • «وهكذا، يظل السؤال مفتوحًا، بلا إجابة واضحة.. وربما هذا هو بيت القصيد».
  • «لكن، من نحن حتى نزعم أننا نفهم؟ أليس الفهم ذاته مجرد وهم؟».

بعد هذه الجمل، سيشعر الجميع أنهم في حضرة فيلسوف عصري، وسينتهي النقاش وأنت ما زلت تُبهرهم بلا شيء يُذكر.

هل تعلم؟ حتى بعض الفلاسفة الكبار مارسوا هذا الفن ببراعة!

إذا كنت تظن أن الكلام الفارغ مهارة حديثة وُلدت في زمن «الهبد» الإلكتروني، ففكِّر مرة أخرى. بعض الفلاسفة الذين نراهم اليوم كأعمدة الحكمة والتأمل العميق، كانوا خبراء في الحديث الغامض الذي يجعلك تعتقد أنهم قالوا شيئًا ثوريًّا، في حين أنهم في الحقيقة لم يقولوا أي شيء محدد!

خذ فريدريش نيتشه مثلًا. هذا الرجل كتب مجلدات عن القوة والإرادة والأخلاق، لكنه في كثير من الأحيان كان يتحدث بعبارات فضفاضة تصلح لأن تُطبع على ظهور «التكاتك» في مصر أكثر مما تصلح كنظريات فلسفية محكمة. مثلًا، حين قال: «إذا حدّقت طويلًا في الهاوية، فإن الهاوية ستحدّق فيك أيضًا».

فريدريك نيتشه

ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ هل يقصد أننا يجب أن نكون حذرين من التفكير الزائد؟ أم أنه مجرد تحذير من التحديق في حفرة مظلمة؟ لا أحد يعرف، لكنه يبدو عميقًا بدرجة مزعجة.

كثير من الفلاسفة قالوا إنه كان يتعمّد استخدام مصطلحات وعبارات غير مفهومة؛ حتى يبدو عميقًا!

ثم لدينا مارتن هايدغر، الفيلسوف الذي جعل من التعقيد قيمة بحد ذاته. كان بإمكانه أن يقول ببساطة: «الإنسان كائن يعيش ويفكر ويموت» لكنه فضّل أن يقول: «الدازاين هو كينونة-في-العالم، حيث تتجلى الإمكانية القصوى للفناء بكونها لحظة الاستباق الوجودي».

ماذا؟! لم نفهم شيئًا، لكن لا بأس، سنهز رؤوسنا احترامًا ونبدو مثقفين.

أما جان بودريار، فكان سيد «الغموض المصطنع»، إذ بنى فلسفته حول «المحاكاة والواقع الفائق»، ما جعل الناس يتساءلون ما إذا كان يقصد شيئًا حقيقيًا، أم أنه فقط يستمتع بتعقيد الأمور، فقد قال يومًا: «الحقيقة لم تعد موجودة، بل أصبحت سلسلة من التمثيلات التي تسبق الواقع ذاته».

عظيم. إذن، هل شاشة هاتفي موجودة أم أنها مجرد وهم؟

لكن انتبه! هؤلاء الفلاسفة لم يسلموا من النقد، إذ يوجد دائمًا من يُشير إلى أن كثيرًا مما قالوه يمكن تلخيصه في جملة واحدة مفهومة، ولكنها لن تبدو مثيرة للإعجاب مثل العبارات الطويلة الملتوية التي كتبوها. حتى الفيلسوف كارل بوبر -الذي كره الغموض الفارغ- هاجم هؤلاء، مؤكدًا أن الفلسفة يجب أن تكون واضحة، لا لغزًا يُستخدم لخداع الناس.

إذن، إذا كنت تعتقد أنك الوحيد الذي يمارس فن الثرثرة الفاخرة، فأنت في صحبة راقية. والآن، ماذا تنتظر؟ اذهب وقل شيئًا لا معنى له، ولكن بأسلوب يجعل الجميع يظن أنه يحمل سر الكون!

هل كل الفلسفة كلام فارغ؟!

«لكن لنكن منصفين، ليس كل الفلاسفة غارقين في الضبابية. سقراط، مثلًا، كان يسأل أسئلة واضحة تهدف إلى كشف الجهل. كارل بوبر كان يؤمن بأن الفلسفة يجب أن تكون مفهومة للجميع، وليست مجرد ألغاز لغوية كما أشرنا. لذا إن أردت أن تكون فيلسوفًا حقيقيًا، لا تكتفِ باللعب بالكلمات، بل حاول -ولو قليلًا- أن تقول شيئًا ذا معنى... أو لا، انسَ ما قلته، استمتع بالكلام الفارغ، فهو أكثر مرحًا!».

كلمة أخيرة (أو ربما ليست أخيرة، من يدري؟)

فن الكلام الفارغ ليس مجرد تسلية، بل هو مهارة متقدمة في عالم مملوء بالمعلومات، حيث أحيانًا يكون الأهم هو كيف تقول، وليس ماذا تقول. وبالممارسة، يمكنك أن تصبح محترفًا في الحديث لساعات دون تقديم أي فكرة واضحة!

وفي النهاية، كما قال أحدهم ذات يوم (ولا أعرف من هو، لكنه يبدو حكيمًا): «كلما زاد كلامك، كلما بدوت أكثر عمقًا، حتى وإن كان كلامك لا يعني شيئًا على الإطلاق».

«والآن، بعد أن أصبحت خبيرًا في فن الكلام الفارغ، يمكنك بكل ثقة خوض أي نقاش فلسفي، المشاركة في مؤتمرات فكرية، أو حتى... كتابة كتاب عن "تفكيكية ما بعد الحقيقة في سياق الخطاب السيميائي"! لا تقلق، لن يسألك أحد عن المعنى، المهم أن يبدو العنوان عميقًا. وإن لم تجد وظيفة مناسبة، يمكنك دائمًا الترشح لمناصب ثقافية، فالثرثرة الفاخرة مهارة مطلوبة بشدة!».

المصادر (لأني أريد أن أبدو موثوقًا أيضًا!)

  • 1Chomsky, Noam. Manufacturing Consent. Pantheon Books, 1988.
  • 2Heidegger, Martin. Being and Time. Harper & Row, 1962.
  • 3Postman, Neil. Amusing Ourselves to Death. Penguin Books, 1985.
  • 4Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulation. University of Michigan Press, 1994.
  • 5Lakoff, George & Johnson, Mark. Metaphors We Live By. University of Chicago Press, 1980.

 (طبعًا، لم أقتبس منهم حرفيًّا، لكن وجود الأسماء في نهاية المقال يجعل الأمر يبدو أكثر جدية، أليس كذلك؟)

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال مملوء بالمعلومات استفدت منه جدا شكرا لجهودك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة