كيف نستعيد سكينة الروح في عصر الضجيج الرقمي؟

لعلنا نحتاج بين الفينة والأخرى إلى أن نتوقف قليلًا، لا عن العمل فحسب، بل عن الهرولة نحو ما يسميه البعض «اللحاق بالركب». نحتاج إلى أن نجلس على حافة نافذة قديمة، نراقب الغيوم وهي تمر كالرُّسل بين الأفق والأفق، دون أن نرفع الهاتف لالتقاط صورة، ودون أن نبحث عن «فلتر» يلائم المشهد.

استعادة سكينة الروح تتحقق عبر التوقف الواعي عن ضجيج الشاشات، وممارسة العزلة الاختيارية، وإتاحة مساحة للصمت ليهدأ العقل وتصفو الرؤية.

حكمة الصحراء: كيف تتسع الروح حين يزول غبار السرعة؟

العربي القديم كان يعرف قيمة الصمت أكثر منا. كان يسير في الصحراء أيامًا لا يلتقي فيها أحدًا، فيحدث نفسه، فيصغي إلى صوت الرمل تحت قدميه، فيردد أبياتًا من الشعر لا يحفظها أحد سواه. وفي تلك العزلة المخيمة على الرمال، كانت الروح تتسع كما يتسع الأفق حين يزول الغبار.

أما نحن اليوم، فقد استبدلنا العزلة الاختيارية بضجيج ارتدائي. نستيقظ على صفير الإشعارات، وننام وأعيننا تركض على الشاشات الزرقاء، وكأننا لا نخشى أن نفقد شيئًا لو هدأت عقولنا لحظة واحدة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العقل كالبئر: لا يعطي العذب إلا إذا هدأت مياهه.

مفارقة التواصل: حين تسرقنا الرموز التعبيرية من الابتسامات الحقيقية

إن من أعظم المفارقات أن نمتلك أدوات التواصل كلها، ونفقد في الوقت عينه لغة الحديث الحقيقي. نتحدث كثيرًا، ونقول قليلًا. نحصي الإعجابات، وننسى الابتسامات. نرسل الرموز التعبيرية بكثرة، ونهمل تعابير الوجوه التي لا تُكتب.

ولكن الأمل لا يزال قائمًا. ففي كل بيت عربي لا يزال يوجد رجل عجوز يجلس على المصطبة مساءً، يتأمل السماء ويعد النجوم كما يفعل آباؤه. ولا تزال توجد امرأة تحفظ قصائد لم تُدرَّس في المدارس، تنشدها لأحفادها قبل النوم. ولا يزال يوجد شاب يفضل حمل الكتاب الورقي على حمل الجهاز اللوحي، لأن رائحة الورق جزء لا يتجزأ من المتعة.

في كل بيت عربي لا يزال يوجد رجل عجوز يجلس على المصطبة مساءً، يتأمل السماء ويعد النجوم

إن الحضارة ليست في السرعة دائمًا، بل هي أحيانًا في أن تبطئ الخُطا لتقرأ ما بين السطور، ولترى ما وراء المظاهر. الحضارة أن تحافظ على لغتك وأنت تتعلم لغات الآخرين، وأن تمسك بيد جدك وأنت تبني المستقبل.

لنعد اكتشاف فن الاستماع، ولنصغِ إلى الريح حين تمر بالأشجار، ولنصغِ إلى صمت المساجد والكنائس حين تخلو من المصلين؛ ففي ذلك الصمت يكمن سر الحكمة، ومن تلك الهمسات تولد المعاني الحقيقية. والزمن، مهما تسارع، سيظل يصغي إلى من يصغي إليه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة