هل لفتت انتباهك في مرة كنت تقرأ فيها قصة قصيرة كلمة تكررت مرارًا، حتى شعرت أنها فقدت معناها، ثم فجأة اكتسبت معنى جديدًا؟ هل لاحظت كيف أن هذا التكرار وعلى الرغم من بساطته يمكن أن يحمل وجعًا أو توترًا أو لحظة يقين؟
عندما ننظر إلى القصة العمانية القصيرة، نلاحظ تفشي تلك الظاهرة، ولكنها أثبتت لنا أن كل تكرار ليس عبثًا، وليس كل استرجاع للفظ مجرد صدى لما قبله، بل إن التكرار حين يحسن استخدامه، يتحول إلى أداة فنية تنقل القارئ من السطح إلى العمق، ومن الحكاية إلى التجربة.
نتناول في هذا المقال ظاهرة التكرار التي ظهرت في نماذج من القصص العمانية القصيرة، لنعرف كيف يتحول هذا الأسلوب إلى عنصر من عناصر التجريب في الأدب.
ظاهرة التكرار من الإيقاع إلى بنية النص
ترى نازك الملائكة في تعريفها لظاهرة التكرار أنه وسيلة قادرة على بلوغ مراتب عالية من الجمال والخصوصية، بشرط أن يكون هذا التكرار مرتبطًا بالسياق العام للنص، لا نافرًا عنه ولا مثيرًا للضيق السمعي، وحين ندخل إلى النصوص الأدبية، يتجاوز التكرار حدوده اللغوية إلى منطقة التأثير، حيث يصبح عنصرًا تكوينيًا يسهم بدرجة كبيرة في بناء النص نفسه، لا في تزيينه.
فالتكرار في حد ذاته لا يستخدم لمجرد التكرار، بل يعيد ترتيب الشعور ويجبرك على التوقّف، فهو يضع الكلمة تحت المجهر حتى يراها القارئ بكل أبعادها الممكنة.
وقد عبر عدد من النقاد العرب عن التكرار بوصفه (أساس الإيقاع)، فهو موجود في الشعر والموسيقى كما في النثر الفني، وفي القصة الحديث يتجاوز وظيفته التقليدية ليصبح أداة توتر وتدوير للمعنى.
أنماط التكرار إحدى أدوات التجريب في القصة العمانية
في القصة العمانية القصيرة، تبرز ظاهرة التكرار إحدى أهم وسائل التجريب الأدبي الذي لا يعني الانفصال عن الواقع أو الإغراق في التعقيد، بل هو محاولة لاكتشاف لغة قادرة على أن توازي التجربة الإنسانية المتشابكة والمعقدة التي يحياها الإنسان العماني.

ولا تخلو معظم القصص القصيرة الحديثة من استخدام للتكرار بطريقة واعية، سواء على مستوى الحرف أو الكلمة أو العبارة، وقد يكون التكرار عفويًا، تدفع إليه لحظة شعورية مكثفة، وقد يكون مقصودًا بدقة، يخدم غرضًا دلاليًا أو إيقاعيًا أو نفسيًا.
وهنا يصبح التكرار أداة بوح ونافذة على قلق داخلي أو رغبة في التثبيت أو التبرير، ويصبح كذلك تمهيدًا للتصعيد أو نوعًا من التحكم بإيقاع القراءة، وفي ما يلي نتناول تكرار الحرف والكلمة والعبارة.
1. تكرار الحرف النحت بالنفي والإصرار
وإن كان يبدو وحدة صغيرة إلا أن الحرف يمكن أن يحدث فرقًا حين يكرر، وقد ظهر ذلك في قصة (استراق)، حيث وجدنا فيها تكرارًا كثيرًا لحرف (لا) في فقرة واحدة، حيث تكررت هذه الأداة النافية 24 مرة، تصف سكون امرأة في غرفة انتظار في المستشفى، هذا السكون لم يتم التعبير عنه بالوصف، بل بحذف كل ما يدل على الحياة.. (لا تتحرك، لا تتكلم، لا تستجيب).
والحرف هنا لا ينفي الأفعال فقط، بل يخلق صورة ثابتة صامتة غريبة عن العالم، فالحرف (لا) أصبح حجرًا تسد به كل نافذة ممكنة للفهم، كما تحولت المرأة إلى لغز بصري.
وفي قصة (مواء قط لا يشبهني) نجد تكرارًا لحرف (لم) في بدايات الجمل، ليعبر عن رفض داخلي عميق من الساردة للقطط، فكل شيء في حياتها محاط بالإنكار.. (لم تحب، لم تهتم، لم تنظر)، والتكرار هنا يبني رفضًا يتكثف مع كل (لم)، ويصنع إيقاعًا سرديًا يضع القارئ في جو نفسي خاص.
مثلما يظهر تكرار الحرف (ثم) في قصة (حين يصبح الأمر عاديًا جدًا)، ليصف كيف تتحول الاستجابات القوية إلى لا مبالاة متدرجة، والتكرار هنا لا يصف فقط، بل يمثل الزمن النفسي والانحدار الشعوري.
2. تكرار الكلمة التكثيف الدلالي
الكلمة حين تكرر لا تعود هي نفسها دائمًا، فالتكرار يمنحها امتدادًا ويكشف جوانب خفية منها، ففي قصة (تداعيات لم تفقد نكهتها) نلاحظ تكرارًا للفعل (تأتي) 7 مرات في بداية جمل متتابعة، وهذا التكرار لا يعبر فقط عن تكرار الأحداث، بل عن زخم داخلي يضغط على الشخصية، وكلمة (تأتي) لا تصف فقط، بل تقتحم وتملأ الحيز وتجعل المتلقي يلهث وراء سيل من التفاصيل الضاغطة.
أما في قصة (درويش) فنجد تكرارًا للفعل (كان)، ليحمل معه حنينًا وتذكرًا لما لم يعد، والفعل هنا لا يعني فقط الماضي، بل استدعاءه بقوة ومحاولة فهمه من جديد في ضوء الحاضر.
وفي قصة (خشب) نجد تكرارًا لكلمة (عام) 4 مرات، ليحدد الزمن بدقة، ويبرز للقارئ هشاشة الحياة وسرعة مرورها، فالزوج الذي عرف الحب متأخرًا يشعر أن كل شيء قد انقضى بسرعة خاطفة، حتى إن تكرار كلمة (عام) يصبح جرسًا خافتًا ينذره بالنهاية.
3. تكرار العبارة اللازمة السردية والبوصلة الموضوعاتية
العبارة حين تتكرر لا تتكرر لمجرد التأكيد فقط، بل لتخلق طقسًا خاصًا داخل القصة، فهو تكرار دلالي ونغمي يعيدنا إلى نقطة البدء، ونلاحظ ذلك جليًا في قصة (زهرة حمراء ولهب أحمر)، حيث تكررت عبارة (تسارع ألمك إلى سجادتها النورانية، تتوسدها بخفة كائن، وتبحر نحو الله) مرة في البداية وكذلك مرة في النهاية، وما يحدث بين التكرارين ليس سوى تفصيل للجوهر الذي حملته الجملة الأولى، فهي ليست مجرد جملة، بل بوابة روحية تحيط التجربة الإنسانية في القصة، وتربط بين الألم والسكينة، وبين الموت والتسليم.
كذلك في قصة (عالم صغير بدا في تمزيق أشيائه الجميلة)، تكررت عبارة (أخبرني الفقير بأن…) لتؤسس إيقاعًا سرديًا متواترًا، وتعيد التذكير بأن ما يقال ليس مجرد حكاية، بل شهادة إنسانية موجعة، تنقل على لسان من لا يملكون شيئًا سوى صوتهم.
ها قد وصلنا إلى النهاية، لنعترف أن التكرار في القصة العمانية ليس عرضًا لغويًا، بل اختيار فني يحمل في طياته حساسية مبدع وجرأة تجربة وذكاء في التعامل مع اللغة ككائن حي، لا كأداة محايدة، فهو ذلك الخيط الرفيع الذي يشد القارئ من بين الكلمات، يجعله يصغي أكثر ويتأمل أعمق، ويتوقف حين يظن أن كل شيء قد قيل.
ولعل فن القصة القصيرة لا يملك المساحة التي تأخذها الرواية، لكنها تمتلك ما هو أثمن أحيانًا، ألا وهو القدرة على توليد الصدمة من أبسط التراكيب، وفي هذا السياق، تظل ظاهرة التكرار إحدى أدوات الحفر في اللغة وفي القارئ معًا.
محتوى جميل ومفيد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.