التّحدّي في الحياة هو صراع بين قوّتين أحدهما تريد أن تطمس الحياة والأخرى تصمم على أن تنصر الحياة... وهذه القوّة المعاكسة غير محدّدة المعالم، كما أن القوّة الدّاعمة عديدة العناصر بعضها محدّد علميًا والآخر مستشعر به إحساسيًا... لذا لا يمكن أن نطلق على الإدارة هذا السياق كلمة علم بل كلمة فنّ طالما أن الإحساس يشكل ركنًا هامًا من أركان قوى مواجهة التّحدّي.
يتوقف رد فعلنا وسرعة هذا الفعل على التحديات بمقدار ما تسببه هذه التحديات من تهديد قويّ أو مفاجئ لوجودنا... فمثلًا إذا شب حريق في مكان قريب يهدّد حياتنا؛ فإننا نترك كل مشاغلنا ونبدأ إمّا في مواجهة التّحدّي إذا كانت لنا القدرة على ذلك أو الهروب... وكلا الفعلين هما للمحافظة على الحياة أو الوجود وكأننا قد تعاهدنا على الحفاظ على هذه الحياة... وهذا الخطر المفاجئ هو ما يحفز الكائنات الأخرى لرد الفعل التلقائيّ السريع للحفاظ على الكيان والوجود والحياة... وفي هذا النوع من التّحدّي لا يمنحنا الزمن رفاهية التفكر أو التأمل أو وضع خطط... ولكن ذاكرة الإنسان تستوعب هذه الأخطار وتعيد التفكير فيها وتضع لها خطط المواجهة في المستقبل حتى لا تتكرّر ونحن في غير وضع الاستعداد...
وما يوضّحه مثال الحريق ينطبق على أخطار أخرى مثل اقتحام لص لمكانك أو عدوان دولة على دولتك، أو تعدي أيّ شخص عليك بطريقة مفاجئة... ففي جميع هذه احوال يكون رد فعلنا سريع وتلقائيّ ولا يسمح بالانتظار أو التفكير... وفي هذه اللّحظات لا يمكننا القول إننا أدرنا معركة التّحدّي... ولكن يمكننا على الأقل إدخال نصيب معقول مسبق من المدخل الفكريّ، بحيث لا يجعل فعلنا مجرّد رد فعل عشوائيّ أعمى، ولكن يمكن على الأقل التفكير في الموقف بسرعة ومحاولة السيطرة بنسبة ما على سياق الأحداث أو حتى على رد الفعل الانفعاليّ بحيث يكون هناك دائمًا تواجد للمدخل الفكريّ...
لكن كثير من التحديات لا تأتي بهذه السرعة أو بهذه الصورة المفاجئة ممّا يسمح لنا بإدارة قوى التّحدّي في رؤوسنا وفي أيدينا وفي حياتنا... فبعيدًا عن هذه التحديات الطارئة المفاجئة... يمكننا دائمًا إدارة التّحدّي بطريقة عقلانية تضمن لنا سلامة الوصول لأهدافنا دون ضياع كثير من مقومات وأسس حياتنا... فمثلًا إذا كان هناك تحدي أن شخصًا معرّض لفقدان وظيفته فليس من الحنكة في هذا الوقت أن أدير معركة التّحدّي بالانفعال والثورة... أن أنفعل أو أثور وأدخل معركة صراع ثيران حتى أحافظ على وظيفتي... بل يجب هنا أن أبحث عن فن إدارة التّحدّي حتى أخرج من هذا التّحدّي سليمًا منتصرًا...
مهدّدات الوجود وتأمين الوجود
في الحياة العادية يؤمن الإنسان وجوده بقوّته وقدرته على العمل حتى يكفي احتياجات معيشته وسكنه. ولكن الإنسان قد يتعرّض لتقلبات الزّمن من مكسب وخسارة أو موت أو أحداث غير متوقعة؛ لذا جاءت شركات التأمين كي ترد على هذا الاحتياج الضروريّ في حياة الإنسان، وقبل وبعد شركات التأمين كانت هناك سلوكيات وأفعال أو وسائل حياتية لتأمين الوجود، وكانت هذه الوسائل تثير مزيدًا من المشاكل الوجودية.
فنرى في الأفلام القديمة كيف كانت تحرص بعض الزوجات على دفع زوجها كيف يكتب بعض العقارات باسمهما تأمينا لوجودها... وهذا ربما يكون حقًا ولكن تجاوز هذا الحقّ بأن تكون الزوجة مالكة لكلّ شيء يهدّد أيضًا الوجود الماديّ والمعنويّ للزوج؛ لذا فإن تأمين وجود الشريكين هو بكل تأكيد حقّ للطرفين ولكن بدون أن يطغو حقّ طرف على طرف آخر، فتتحول القضية من تأمين وجود طرف إلى تهديد وجود الطرف... فتضخم وجود أحد الطرفين يؤدّي بلا شكّ إلى تهديد وجود الآخر؛ لذا أحيانًا إذا لم يكن الزوجان على درجة عالية من الفهم والتوافق أن يمثّل نجاح أحدهما تهديدًا للآخر لإحساسه بالتضاؤل النسبيّ فينعكس هذا على إحساسه الداخلي وقد يدفعه أن يعيق مسيرة الطرف الناجح بسلوكيات ظاهرة أو خفية... والعلاج الأكبر لهذه المشكلة أن يسعى الطرفان في نفس الوقت للنجاح ويساعدا بعضهما عليه ألا يحاربا في كليهما الآخر.
الإدارة الذكية لقوّة الإرادة
يمكن إدارة قوّة التّحدّي بطريقة ذكية لا تمكن فقط من درء الخطر والتهديد بل كوسيلة للنجاح والتفوق. ويكمن هنا الآليات السيكولوجية التي تستخدم في تحفيز المتنافسين على التفوق والنجاح... وتستخدم عادة محفزات إيجابية مثل المكافآت المالية أو التقدير المعنويّ في حالة النصر، أو محفزات سلبية مثل العقاب واللوم في حالة الهزيمة، لكن الثواب والعقاب ربما لا يكفي في المسابقات المصيرية؛ لذا ينجح المدربون عندما يربطون بين التّحدّي ووجود اللاعب ذاته سواء وجوده كفرد في الفريق أو وجوده كممثل وطني لفريق وطني، وعندما يصل إحساس المنافس أن هذا الحدث يمكن أن يمثّل تهديدًا لوجوده الماديّ أو المعنويّ سيتحول الأمر إلى مسألة حياة أو موت، وهنا تستثار غريزة التّحدّي والتي تكون الحافز والمولد لتوليد طاقات لا نهائية وإزالة الخوف من نفسية المنافس، فلا شيء هناك بعد مسألة حياة أو موت. ويتوقف حسن الإدارة على الاستخدام المتوازن لغريزة التّحدّي بحيث لا يتمّ تجسم الخطر بطريقة تؤثّر على ثقة المنافس في قدرته على الفوز. ربما يكون هذا مثالًا واضحًا لاستخدام قوّة التّحدّي في قهر المنافسين. لكن في الحياة العامّة يجب ألّا يكون جلّ همّنا قهر من ينافسوننا بل قهر التّحدّي نفسه.
فقد يرتبط وجود المنافسين بتحدي مثلا أنهم أعلى سلطة منا... فلا يجب أن يكون الهدف هو قهر هذا المنافس وإزاحته عن السلطة حتى لو أساء استخدامها... ولكن الهدف الأسمى يجب أن يكون تغيير إدارة السلطة إلى شكل حضاريّ يسمح للمتنافسين مقارنة أعمالهم دون النفي أو المحو المتبادل لكل منهما الآخر. فلو كان الهدف هو الشخص وبقاء النظام كما هو فلن يحدث إصلاحًا رئيسيًا، وسيعود غالبًا الأمر كما كان مع تغيير أسماء الأشخاص أو توجهاتهم، ولكن الحل الأسمى أن نصل لمعادلة راقية تسمح للكفاءات وقوّة الفعل أن تتبارى وتتحاور وتتنافس من أجل مصلحة الجميع: الخاسر والكسبان ومن يخسر اليوم لا بد أن يكسب غدًا.
ومع تزايد وعي الإنسان وتسامي رقيه وإدراكه أن التواجد المتوازن أو المشارك هو أفضل كثيرًا من الاستئصال تحت أي مسمى وطني، أو قومي، أو عرقي، أو عقائدي... ربما يدرك الإنسان أخيرًا حقيقة صرخة التّحدّي والتي لا تعدو أن تكون إشارة للإحساس بتهديد الوجود الماديّ أو المعنويّ للفرد أو الجماعة.
قوّة إرادة التّحدّي يمكن أن تكون قوّة شرعية حميدة للدفاع عن الوجود وهي حقّ لكل إنسان، وقد تتحول إلى قوّة عمياء غشيمة لقتل وإبادة من نحسّ أو نعتقد أو نتصور أنه اعتدى على وجودنا وقد يكون كل ما فعله هذا الآخر هو مجرّد كلمة سواء أصابت أم خابت.
إستراتيجية الإدارة الذكية للتحدي
في كلّ اللّحظات نحن في تحدي فكلّ لحظة تستمرّ الحياة فيها هي انتصار على خطر الموت... ولكن موجة التّحدّي قد ترتفع أحيانًا وقد تنخفض أو تخبو قليلًا، ولكنها لا تنعدم أبدًا... فبداية إذن هي الوعي بالتّحدّي أو التحديات... لذا فإن نقطة الصفر في إستراتيجية الإدارة الذكية تبدأ بتشخيص التّحدّي، ولكن الخطوة الأولى تبدأ بتحديد أهداف معركة التّحدّي، ثم وضع آليات للدخول في هذه المعركة... ولا تنجح أيّ إدارة إلّا بسلامة تحديد الموارد التي في حوزتنا والتي تعيننا على إدارة التّحدّي... وأهم هذه الموارد على المستوى الشخصيّ هو ممتلكاتنا الفكرية والمعرفية، ويأتي بعدها بنصيب أقل ممتلكاتنا المادية... وتوظيف هذه الموارد لتحقيق الهدف من معركة التّحدّي هو موضوع الإدارة الذكية... لكن لو حدّدنا خطتنا بناءً فقط على ممتلكاتنا الفكرية والمادية لما كانت الإدارة سليمة فأهم عامل يحدّد نجاح خطة إستراتيجية هو عامل الزمن... ويمكننا أن نعتبر الزمن أحد الموارد التي نستخدمها في إدارة الخطة الإستراتيجية أو نعتبره الإطار الحاكم الذي تتمّ بين أضلعه تنفيذ الخطة الإستراتيجية بنظام محكم... إدارة الوقت خلال التنفيذ مهمّة حاسمة لنجاح الخطة... ورغم أن الوقت كم محدّد من الزمن إلّا أنه يمكن التعامل فيه بالإسراع أو الإبطاء وشراءه أو بيعه عن طريق استئجار أو بيع وقت الآخرين... أيّ وقت عمل الآخرين..
إذا استخدم المدخل أو المورد الفكريّ والمورد الماديّ والزمن بطريقة حسابية بسيطة أمكن إنجاح الخطة الإستراتيجية... وهناك مدخل آخر هام قد لا يلتفت إليه الكثيرين عند عمل خطة إستراتيجية وهو المدخل الوجداني أو العاطفي أو الإحساسي... فهذا المدخل هو أكثر التصاقًا بما يهدّد الوجود، وعليه فهو يستشعر التهديدات ويحفّز الفكر لإيجاد حلول لمواجهة التّحدّي... حسن استغلال هذا المدخل أو المورد بطريقة ذكية يضمن نجاح الخطة التنفيذية لكنه لا يغني أبدًا عن الموارد الفكرية، بل يؤججها ويزيد من اضطرامها وفعاليتها...
علينا إذن أن نتأكّد دائمًا من كفاية مواردنا وخاصّة الفكرية لمواجهة التحديات فهي الأساس الأكبر في الإدارة الذكية، وهي التي تستطيع خلق الموارد المادية... لكن الموارد المادية لا تخلق أبدًا الموارد الفكرية... ثم احترام حكم الزمن والاستغلال الذكيّ للمورد الوجدانيّ في إذكاء حركة إنتاج وتفاعل وإدارة الموارد الفكرية...
تنويه: هذه المقالة هي استكمال لمقالة سابقة بعنوان (لغز التّحدّي)
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.