فنّان الشّعب المغربيّ المرحوم الحسين السلاوي في ذكرى رحيله السبعينيّة

لا يخفى على أحد أن المغرب الجميل أنجب ماضيّا وحاضرّا، ولا زال ينجب مستقبلًا للكثير من الفنانين الكبار المبدعين، الّذين استطاعوا بأعمالهم الخالدة ربط جسور الحوار البنّاء، و التّلاحق الفنيّ مع العديد من الحضارات بمختلف الألسن والدّيانات السّماوية، ونستحضر في هذا العدد الجديد من موقع (جوّك) الإلكترونيّ فنانًا مغربيًّا شعبيًّا كبيرًا، يرجع له الفضل في غناء الميدان الموسيقيّ بالمملكة المغربيّة الشّريفة، وذلك خلال سنوات الثلاثينيّات والأربعينيّات بجمال إبداعاته الاجتماعيّة السّاخرة المرحة، وألحانه المستمدّة من عمق الواقع المغربيّ الشّعبيّ الأصيل.

وكما هو معلوم فإنّ جميع أغانيه الرّاقية لازالت تروّج في مختلف الإذاعات الوطنيّة الرّسميّة والخاصّة إلى أيامنا هذه، كما أنّها لا زالت تتردّد على الألسن في كل مكان وزمان، وتلقى بدورها نفس الإعجاب الكبير في الأوساط الشعبيّة وغير الشعبيّة، بل أكثر من ذلك أصبحت تسمع من جديد،  كأنّها سجّلت لأوّل مرّة نظرًا للقيمة الفنيّة الّتي تمتاز بتأليفها الفريد من نوعه، لأنّه قدّم من خلالها صورًا للحيل والمناورات الّتي برزت في ذلك الوقت نتيجة الحرب العالميّة الثّانية الّتي ابتدأت يوم الفاتح من شهر شتنبر من سنة 1939 ميلاديّة، وانتهت يوم الثّاني من  شهر شتنبر سنة 1945 ميلاديّة، إضافة إلى ظروف القهر الاستعماريّ، الّذي كان يعاني منه بلد المغرب آنذاك، والّتي تضافرت على خلقها الوضعيّة السّياسيّة والاقتصاديّة، الّتي كانت تعيشها البلاد والعالم كله؛ حيث شكّل إنزال القوات الأمريكيّة على سواحل وطن المغرب في يوم الثّامن من شهر نونبر سنة 1942م، وتزامنًا مع قرب انتهاء الحرب العالميّة الثّانية مناسبة غنّى عنها، وغنّى كذلك عن الإغراءات الكثيرة، الّتي جاءت بها هذه القوّات، وفصّل في السّلوكيّات الّتي رافقت انتشار القوّات الأمريكيّة.

إنّه فنان الشّعب المغربيّ الأصيل المرحوم (الحسين بن بوشعيب)الملقّب والمعروف فنيًّا بالسلاوي، الّذي رأى النّور يوم 4 من شهر أبريل سنة 1921م بحومة بطويل بمدينة سلا الأثريّة المغربيّة، وهو في الأصل ينحدر من مدينة مرّاكش الحمراء، كانت أمّه المرحومة السّيّدة مباركة مسؤولة عن إدارة حمّام الوليّ الصّالح (سيدي التّركي)، قضى طفولته الأولى متنقلا بين الكتّاب القرآنيّ الّذي كان يقوم بتحفيظ القرآن الكريم للأطفال الصّغار، وكان يتعلّم في نفس الوقت الصّناعة التّقليديّة المألوفة في ذلك الزّمن الجميل، لكنّ معلمه في الحياكة اكتشف مرّة أنّ خيوط البرشمة أخذت تتناقص يومًا بعد يوم، حيث كان يستعملها الفنّان (الحسين السلاوي) في صناعة آلته الموسيقيّة البسيطة المعدّة من قنّينة قصديريّة وعصًا، وكان يخبئ في الوليّ الصّالح المسمّى (سيدي أبي حاجة) سرًّا بعيدًا عن أنظار أمّه، الّتي كانت ترفض هذا المسار بدعوى أنّها ترى أنّ ممارسته للفنّ لن تدرّ على الأسرة ربحًا ماديًّا، يسهّل لها العيش والتّغلب على مصاريف الزّمن، ولم تكن تتكهّن لمستقبله الفنّيّ النّاجح، وقد دفعه ولعه بالغناء والفرجة إلى محاولة إقامة حلقته الشّعبيّة الفريدة من نوعها وشكلها في فضاء ساحة باب فاس، والمعروف حاليًّا بباب الخميس، الواقع شرق المدينة العتيقة، وكذلك منطقة باب سبتة شمالها، حيث كان يدور به الكثير من عشّاقه كبارًا وصغارًا رجالًا ونساءً من أجل سماع  أهازيجه الممتعة وتعليقاته الكاريكاتوريّة السّاخرة، والّتي قلّ مثيلها في ذلك الوقت، إذ كان من عادته الحسنة وهو يشتغل خيّاطًا في أحد الدّكاكين بالمدينة أن ينهي عمله عندما يقترب أذان صلاة العصر من كلّ يوم، وينصرف بسرعة ليتفرغ في اللّيل الطّويل برفقة زمرة معيّنة من أصدقائه الفنّانين والمولعين الصّغار .

وأثناء رحلته من مدينة سلا إلى مدينة الدّار البيضاء المغربيّة، وبرفقة صديقه الوفي المرحوم(جعيبة الجعيدي)، صادفا ما يبهرهما في حلقة الحلايقي المرحوم (أبي جمعة الفروج)، الّتي كان يقيمها في ساحة المدينة القديمة، وحديقة ساحة (سيدي محمد بن عبد الله) شاهدة على العديد من المحطّات المهمّة بتاريخ المغرب، كما كان فضاؤها يحتضن الحلايقية والفنّانين، وعلى رأسهم الرّاحل الحسين السلاوي، الّذي كان يحطّ بها الرّحال مند أواسط الثلاثينات رفقة صديقه (بوجمعة الفروج)، ومن جملة الّذين أثّروا فيه واستفاد كثيرًا من تجاربهم السّابقة أحد الحلايقيين يدعى (مولاي بيه) رحمه الله، الّذي كان يذكر اسمه جلّ روّاد الحلقة المهنيّين في مدينتي (سلا والرّباط) خلال سنوات الثلاثينيّات لجودة غنائه الكاريكاتوريّ الصّريح، وكذلك مستملحاته الرّاقية النّاقدة، الّتي قلّ نظيرها في ذلك الزّمن.

وفي سنة 1930م وبعد أن تجاوز العشرين من عمره، ولمّا تأكّد من مهاراته الجيّدة في العزف والأداء معًا، سافر إلى العاصمة الفرنسيّة باريس، ومارس هناك من جديد هوايته المفضّلة الّتي تتمثّل في الغناء والإضحاك في مختلف المقاهي الكبيرة والعلب اللّيليّة المشهورة لفائدة الجالية المغربيّة والعربيّة القليلة العدد آنذاك، الّتي تتردّد بين الفينة والأخرى على مدينتي(مونبارناس و بفال)، وغيرهما من المدن الفرنسيّة الّتي تتوفّر على أماكن خاصّة بسهر اللّيالي، ولحسن حظّه أسعدته الظّروف وحظي بالأمل الكبير حيث وجد من شجّعه على تسجيل أغانيه في الأسطوانات من فئة 45 دورة في الشّركة العالميّة آنذاك، كانت تسمّى (باطي ماركوني) ورحّبت بإنتاجه الرّائع المتكامل مضمونًا وشكلًا، وعملت على ترويجها ترويجًا ناجحًا ممّا دفعه إلى عالم النّجوميّة والشّهرة عن جدارة واستحقاق كبيرين لا مثيل لهما، وفي هذه المدينة أتيحت له الفرصة الكاملة للالتقاء بالمغنيّة الشّاميّة المرحومة (بهيّة فرح) تونسيّة الأصل، وارتبط بها عاطفيًّا وفنيًّا ضمن جوق موسيقي شعبي ملأ الدنيا وأقعدها، وشغل بال النّاس بأغانيه المتميّزة و (عيوطه) الشعبيّة، وتحت الطّلب الملح لمواطنيه قدّم بعض أغانيه باللّغة الفرنسيّة على سبيل إشراك جمهور البلد المضيف في تذوّق فنّه الرّاقي، وكذلك تعرّفهم على الفنّ المغربيّ المتميّز .

وبعد عودته إلى بلده المغرب، واصل مشواره الفنّي في الغناء والطّرب النّظيف، وبدا يتجوّل في مختلف السّاحات العموميّة بالمغرب مع جوقه الفتيّ، الّذي كان يضمّ كلّ من الفنّانين العازفين: (جعيبة الجعيدي، عينين المرنة، وعازف الكمان المدعو ماركان، كما كان يشغل معه المرحوم إبراهيم صدر الملقب بولد ما)، الّذي بدأ معه كضابط إيقاع على آلة الدّربوكة، وهي آلة موسيقيّة إيقاعيّة عربيّة، وانتهى بلاعب كبير في كرة القدم.

قام مرة أخرى الفنّان الحسين السلاوي بتسجيل مجموعة جديدة من الأغاني على الأسطوانات عند شركة (بودورة)، الّتي كانت توجد في درب السّلطان بمدينة الدّار البيضاء المغربيّة، وقد زاد هذا العمل في شعبيّته وتألّقه، وخاصّة مع انتشار الإذاعة في أوساط ساكنة المدينة، الّتي رأت فيه معبّرًا حقيقًا عن أمالها وأحلامها في رجوع الحريّة والاستقلال والانعتاق.

ظلّ مخلصًا لمسقط رأسه مدينة سلا العتيقة المجاهدة، مدينة المقاومين والمثقّفين والأدباء والعلماء وكبار المؤرّخين والصحفيّين والفنّانين وأصحاب الصناعات التّقليديّة المختلفة وغيرهم، الّتي أحبّها منذ نعومة أظافره حبًّا عميقًا لا يتصوّر. وكان ينشدها في أغانيه، حيث كان يطلق عليها (السلوانيّة) إمعانًا في تمجيدها والاعتزاز بمولده في أحضانها البهيّة.     

 أصيب في حياته القصيرة الّتي لم تتجاوز الثّلاثين سنة 30 سنة بمرض داء السّل، حيث توفّي صباح يوم الاثنين 16 من شهر أبريل سنة 1951م، وهو لا يزال في ريعان شبابه مبدعًا متميّزًا، ودفن بمقبرة الوالي الصّالح سيدي بلعباس بمدينة ولادته المذكورة سابقًا، بحضور الكثير من المعجبين موكب جنازته.

 لكن ابنه الوحيد الفنّان محمد السلاوي رحمه الله، كان يصرّح قيد حياته، كلّما حاورته الصّحافة الوطنيّة أو الأجنبيّة، قبل أن يغادرنا بدوره يوم الجمعة 6 من شهر دجنبر سنة 2013، أنّ والده الفنّان الكبير الحسين السلاوي، عانى كثيرًا من الحسد والحقد وضغينة مشاهير الأغنية العربيّة المقيمين في مدينة باريس بالجمهوريّة الفرنسيّة، ومن بينهم: سليم عزاز وسامي الهلاليّ وسامي اليهوديّ، الّذين سرق منهم الأضواء بتسجيله 45 أغنية مع الشّركة العالميّة (باطي ماركوني) محققًّا بذلك رقمًا قياسيًّا لم يسبق إلى تحقيقه أيّ فنان عربيّ أو فنّانة عربيّة، ممّا جعل كل واحد منهم يفكّر في طريقة التّخلّص منه، إضافة إلى العشيقات الثّلاثة وهنّ: السّيّدة الفرنسيّة ومنيرة الهلاليّ وبهيّة فرح الشّامية، الّتي أنظمت إلى مجموعة الكورال الخاصّة بالفرقة الموسيقيّة، الّتي كان يترأسها، وقد لحن لها أكثر من عشرين عملًا غنائيًّا، اللّواتي كنّ بدورهنّ يرغبن في الانتقام منه، لأنّه أحبّ امرأة أخرى غيرهن، ولهذه الأسباب مجتمعة تمّ تسميمه، ولمّا تدهورت حالته الصّحيّة، قررّ العودة إلى بلده العزيز رغبة منه في أن يتمّ دفنه بالقرب من عائلته، وهذا بالفعل ما وقع.

 ترك ثروة لا تقدّر بثمن من الأغاني الغنيّة بفنونها الرّاقية المتنوّعة السّابقة لأوانها والرّائدة في عهدها رغم أنّه لم يكن يتوفّر على فرقة موسيقيّة كبيرة كاملة المعدّات، ولا على الوسائل الضروريّة لذلك، كان ينظّم كلمات أغانيه ويلحّنها، ويعزف على " هجهوج عادي " جيّدًا بإتقان، ويحفظ زميله "جعيبة" بالسّماع فقط "لم تكن آنذاك آلات التّسجيل والاستديوهات، الّتي يتوفّر عليها الفنّانون الآن موجودة في عصره، ومع ذلك كلّه عاشت أغانيه الّتي تبلغ أكثر من خمسة وأربعين أغنية، تتوفّر خزانة كاتب هذا المقال على ثمانية عشر منها، وهي: "ها هو ثاني" وهي أوّل أغنية سجّلها وبعدها سجّل الكثير من الأغاني منها: (أحض رأسك) (الزين والعين الزرقة)، (يا الكحلة)، (يا سيدي يا)، (سيدي الحبيب)، (محلا النّزاهة)، (ها الكاس حلو)، (السانية والبئر )، (أيا منة)، (أللايلالي)، (مولاي يعقوب)، (سمرا  وسمورية)، (الله الله ألسمر)، (أبا سيدي أبا)، (يا موجة غني)، (حميدو)، (يا غريب ليك الله)، (سيدي حبيبي)، (يا غريب ليك الله)، وهي الأغنية الأخيرة الّتي غناها وهو في أيّامه الأخيرة حيث أصرّ أنّ يغني وهو على فراش المرض في عزلة تامّة، ليجسد معاناته على المستوى النّفسيّ وهو يعلم أنّ وفاته الوشيكة ستعرّض أفراد أسرته الصّغيرة للشّتات والتّشرّد.

وحتّى بعد رحيله لا تزال هذه الأغاني الخالدة الّتي صوّر بواسطتها حالة البلاد عائشة إلى يومنا هذا، تحظى بنفس الاهتمام  والتّقدير، وبنفس الشّهرة الواسعة في الأوساط الشّعبيّة الّتي كانت تجد نفسها في كلماتها البريئة الشّفافة الّتي تنفد مباشرة إلى القلوب المكتومة بهموم ومآسي الحياة القاسية، وستبقى عائشة بدون شك.

مستقبلًا لأنّها منبثقة من صميم وأصالة الشّعب المغربيّ الحرّ، ولن يتعرّف العديد على قيمتها الجماليّة السّامية إلّا سنوات كثيرة بعد رحيله، وقد أثبت لجميع الأجيال أنّ الأغنية الواقعيّة النّابعة من روح والوجدان، هي الّتي تعيش على مدى العصور والأزمان، بينما الأغنية الجديدة المزيّفة الّتي ينتجها حاليًّا فنّانو آخر زمان، تموت بسرعة خاطفة بعد الانتهاء من تسجيلها في الاستوديو، الّذي يتوفّر على آخر جميع التّقنيات المتطوّرة المطلوبة لذلك.

أطال الله تبارك وتعالى أعمار أحفاده الفنّانين: حاتم ونوفل، الّذين ورثا بدورهما فنّه الهادف وحافظا عليه بعد أبيهما محمّد الّذي حاول في فترة السبعينيّات أن يعيد الاعتبار بطريقة أو بأخرى إلى أغاني أبيه الّتي لاحظ أنّ النّسيان بدأ يغمرها، لكنّ مجهداته لم تفلح كثيرًا حيث أنّ الصّعاب والعراقيل من مختلف الأنواع والأحجام، كانت في نهاية المطاف أقوى من إرادته وطموحاته المشروعة، وأدّت موجة الإحباط الماديّة والمعنويّة الّتي كان يتعرّض لها باستمرار إلى ابتعاده عن الميدان والرّحيل إلى الدّيار الفرنسيّة لمواصلة مشواره الفنّي هناك، وممّا يجهله جلّ الباحثين الفنيّين المختصين وكذلك الجمهور هو أنّ محمد السلاوي قام بتسجيل جميع أغاني أبيه بصوته للشّركة الوطنيّة للإذاعة والتّلفزة المغربيّة بمدينة الرّباط.

إنّه فنّان كبير أعطى الكثير لفنّه ولجمهوره العريض خاصّة في فترة الأربعينات من خلال العديد من أغانيه الاجتماعيّة المعبّرة عن نضال الشّعب المغربيّ. رغم أنّه شخصيًّا كان محرومًا من كل شيء، سوى أن تفضل الصّحفي والفنّان الكبير الدّكتور عبد المجيد فنيش المغربيّ، الّذي قام بتأليف وإخراج مسرحيّة بعنوان (ديما معانا) تحكي محطّات بارزة من مسيرة حياة هذا الفنّان المبدع الخالد، أنتجتها القناة الثّانية المغربيّة الدوزيم، الّتي يوجد مقرّها بمدينة الدّار البيضاء العاصمة الاقتصاديّة بالمغرب، وقدّمتها للمشاهدين أوّل مرة على شاشتها يوم 15 أبريل سنة 2005، و خلال السّنوات الماضية أطلقت السّلطات المغربيّة اسم هذا الفنان الكبير على إحدى مؤسساتها التّعليميّة بنفس المدينة الّتي ولد في أحضانها، وحظي بمكانة كبيرة في قلوب ساكنتها بصفة خاصّة وجميع المغاربة بصفة عامّة.

رحم الله تبارك وتعالى الفنان المغربيّ الكبير الحسين السلاوي، الّذي نخلّد يوم 16 من شهر أبريل سنة 2021 ذكرى رحيله السّبعين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.