فلسفة مونتيسوري في التربية والتعليم

ماريا مونتيسوري مربية وفيلسوفة وطبيبة وعالمة ومـُثـَقـّفة ومتطوعة، ولدت ماريا مونتيسوري في إيطاليا عام 1870، وكانت أعمالها المهمة الأولى مع الأطفال المعاقين عقليًا، استفادت في عملها هذا بما اكتسبته من أعمال الطبيبين جان إيتارد وإدوارد سيجوان، وفوق ذلك تأثرت بأعمال جان جاك روسو ويوهان هاينرتش بستلوتزي وفريديك فروبل، وقد كان منهجها التعليمي مميزًا، ولقد توفيت عام 1952.

اقرأ أيضًا: منهج التربية الإيحائية وتأثيرها في أولادك

تبنت مونتيسوري فلسفة أن لكل طفل يحمل داخله الشخص الذي يريده أن يكون في المستقبل؛ لذلك اعتمدت في عمليتها التربوية على تنمية شخصية الطفل تنمية تكاملية، وذلك بالاهتمام بالنواحي النفسية والعقلية والروحية والجسدية، فلا يطغى جانب على آخر، وذلك للوصول إلى طفل إيجابي حتى تكبر معه هذه التربية الإيجابية الشاملة في المستقبل؛ ليكون نافعًا لنفسه وللآخرين لا ضارًا.

وهذه التربية ومنهجية التعليم مبنية على شعار طالما رفعته، ألا وهو: (ساعدني كي أقوم بنفسي) أو (كي أساعد نفسي)، وتبنّت أيضًا ترك الاختيار للطفل، وأنه لا يحق للمعلم التدخل في ذلك، فالطفل عليه أن يتعلم، فلا يقلد.

كان منهجها عمومًا قائمًا على العقل بما يكتسبه من ملاحظات ونتائج بواسطة حواسه، وعلى توظيف النتائج العقلية في المجال العملي، ليكون الاثنان مزيجًا متوازنًا من غير أن يطغى أحدهما على الآخر.

أما معنى شعارها هو أن يقتصر دور الكبار على تقديم ما يحتاج إليه الطفل في التعليم، أما التعلم فهو سعي الطفل بنفسه مستعينًا بوسائل تعليمية خاصة إلى ذلك، ومنطلقًا من رغبته الذاتية فيه دون الحاجة إلى تحفيز أو عقاب.

إذن، الشعار يعني ساعدني بالوسائل التعليمية والبيئة المناسبة؛ لذلك سأتعلم وأعمل بنفسي، وخلصت مونتيسوري إلى أن هذه التربية الذاتية هي أساس لكل وسائل التدريس، ومنهجها هذا يطور مهارات الطفل الأكاديمية، ويطور مهاراته الاجتماعية، ما يجعله عضوًا فعالًا في المجتمع ولو كان معاقًا أو مريضًا نفسيًا، ورأت أنه لتحقيق هذا المنهج يمكن أن يُبدأ بتعليم الجزيئيات ثم الكليات، كأن يتعلم الطفل الحروف، ثم الكلمات، ثم الجمل.

الطفل من نعومة أظفاره وهو يحب أن يفعل بنفسه أشياء كثيرة كاللبس والأكل وحمل الأشياء وتناولها وغسل اليدين وتشغيل الكهرباء... إلخ؛ أي إن هذه غريزة فيه، فإن نمّى الأبوان هذه الغريزة بعدم منعه من ذلك، بل بتنشيطه على العمل الذاتي وترك الاختيار له في انتقاء الأشياء، نشأ الطفل سليمًا غير اتكالي في المستقبل، وإن كبح الأبوان هذه الغريزة سيكون الطفل اتكاليًا وكسولًا يرمي مسؤولياته على غيره، ولا يستطيع اتخاذ قرارات حياته، وهذا ما يجعله مكبوت الحرية والرأي عصبيًا على ذاته؛ لذا هي تعني حب الطفل الاستقلالية؛ أي قدرته على إدارة ذاته بنفسه.

اقرأ أيضًا: كيف تؤثر التربية السليمة في صحة وتطور الأفراد؟

1. الاستقلالية عند الطفل رغبة ذاتية

في سن مبكرة تقريبًا بعد أن يبلغ عامًا من عمره يبدأ الطفل بالتمييز بين الأشياء، فيتفاعل مع البيئة ويرغب في تعلم ما حوله ويحُب استكشافه، فتراه يلعب بأشياء المنزل جميعها، فيكشف المخبوءات، وبذلك تتولد الاستقلالية عنده ويعرف بأنه يختلف عن غيره، فيسعى إلى تكوين شخصية مستقلة بالاعتماد على نفسه، كذلك فإن حب الطفل لنفسه والإعجاب بها يجعله يسعى إلى ميوله الذاتية وقدراته الشخصية واتخاذ قرارات فردية.

إذن، الطفل يحب الاستقلالية -وهي القدرة على إدارة الذات-، لكن لا نطفئها، بل نقننها على جهة المصلحة ودرء المفسدة، ومثالها في البيئة المدرسية سواء في المدارس التمهيدية أم في المدارس النظامية حيث نستعمل وسائل مونتيسوري التعليمية، وذلك للتنمية الشخصية والبيئية والاجتماعية، وتنمية الحواس الخمس، وتنمية المهارات اللغوية والرياضية والثقافية، وهذه وسائل وتقنيات نستخدمها مع الطفل لتزرع فيه الاستقلالية والاعتماد على النفس، وتنمي فيه ذلك، فلا يكون عالة على أحد لا سيما إذا كان المعلم يتبنى منهج حرية التعلم، فلا يجبره على التقليد الجامد.

2. البيئة المهيأة لاستقلالية الطفل

كثير من الأسر تتعامل مع طفلها الوديع بقوانين صارمة وعادات جامدة قائمة على أساس افعل ولا تفعل، وما ينتج عن ذلك من ضربه وسبه، وهذا يولد في الطفل الإحباط والاتكالية وعدم الثقة والكبت، فيكبر معه كل ذلك فيكون عالة على المجتمع متمردًا عليه، لكن كان على تلك الأسر أن تتعامل معه على أساس الحرية في الاختيار، وعلى أساس احترام رغبته في الاستقلالية التي زرعها الله فيه؛ ليعبر عما في نفسه ويفجر طاقاته حتى ينشأ محبًا لأهله وللآخرين متعاونًا معهم متحملًا مسؤولياته تجاهم وتجاه نفسه، قادرًا على تحمل النتائج مهما كان نوعها وحجمها، مثقفًا مبدعًا عالمًا بما سوف يواجهه من تحديات حاضرة أو مستقبلية.

ولتحقيق ذلك فالأسرة يجب أن توفر له -إضافة إلى بعض التوجيهات البناءة- الوسائل التعليمية والتربوية كالدفتر والقلم والكتاب أو الصابونة والفوطة حتى يستطيع الاستحمام أو غسل اليدين، ويجب أن توفر له الأكل المناسب الذي يحبه، ويجب أن يترك ليأكل وحده، وذلك لتنمية الاستقلالية في الأكل، وتوفير بعض الوسائل التعليمية كالحاسب اليدوي ودفاتر التلوين واللعب؛ كالحصان ولعب الطبيب والمهندس وبعض الوسائل التعليمية الأخرى حتى يتولد من حبه للاستكشاف الثقة بنفسه والشعور بالاستقلالية.

أما المدرس والمربي فعليه ألا يتدخل في حريته، وإنما كل ما عليه أن يعلمه إياه استخدام الوسائل التعليمية، وعليه كذلك ألا يعاقبه كما هو حال معلمي الكتاتيب القديمة، وعلى المدرسة توفير الوسائل التعليمية والتربوية كوسائل مونتيسوري، وهي الوسائل الناجحة على نطاق الأطفال المعاقين، فما بالك بالأطفال الأصحاء.

اقرأ أيضًا: التربية في ظل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي

3. دعم البيئة المهيئة لاستقلالية الطفل

عمومًا تكون تنمية الاستقلالية لدى الطفل بمنحه الثقة والأمان، وتوفير احتياجاته وتقديم إجابات وافية له عن أفعاله وتساؤلاته، ويكون بتشجيعه على مواجهة ما يقابل من مشكلات، ودمجه مع آخرين ليتفاعل معهم ويطمس حالة الخوف من الغرباء عنده، ويكون بإيكال بعض الأعمال المستطاعة إليه ليثق بنفسه، ويعتمد عليها، وعلى الآباء تعويد الطفل على الأكل بنفسه، وعلى الأم تربيته على الانفصال عنها حتى لا يكون عالة عليها في كل شيء.

وتوجد أنشطة لدعم استقلالية الطفل كالتالي:

- الاستقلالية الجسدية: تتحقق بالتمارين الرياضية والأنشطة البدنية بما فيها من تنافس ومغامرة.

- الاستقلالية العاطفية والعلائقية؛ وينمو بـ: أنشطة الاستقبال ومرحلة التكيف، والأنشطة الرياضية والبدنية، والأنشطة التعبيرية واللغوية، وأنشطة المواطنة.

- الاستقلالية الفكرية؛ وتتحقق بأنشطة حب الاستكشاف المعرفي والتجريبي، ومطالعة الثقافات الأخرى والتمثيل المسرحي، والتشجيع على الملاحظة وإبداء الرأي.

وهذه أنشطة تجرى بواسطة وسائل تعليمية وتربوية، وهي ناجحة في إيتاء ثمارها إن شاء الله.

4. تجربة خاصة

قالت إحدى الأخوات عندي ثلاثة أطفال صغار؛ بنتان وابن، ربيتهم من نعومة أظفارهم على إعطائهم الحرية في تناول المأكولات والمشروبات وسلوكيات النوم والتكلم والتصرفات الأخرى في الغالب، إضافة إلى أنني علمتهم كيف يتكلمون، وكيف يتعاملون مع غيرهم؟ وكيف يستقبلون الضيوف؟ وكيف يتقون المشكلات ويعالجونها؟ ما ولّد عندهم شخصية إيجابية محبة لي ولأبيهم وللآخرين مستقلة عن التبعية والتقليد الأعمى، واختفى منهم الخوف والخجل الزائد والانطواء على النفس والتوحد، فجعل من البنت الكبرى التي أرسلتها بدايةً إلى الروضة لتلقي العلوم الابتدائية متفوقة في دراستها متفوقة على زملائها، وكذا الحال لابنتي الصغرى وابني، والحمد لله.

إضافة إلى أني أعمل في مركز الوفاء لتأهيل الأطفال المعاقين الكائن في إحدى الولايات حيث ندرب الأطفال المعاقين على استخدام بعض الوسائل التعليمية التي يوافرها لهم المركز، ونمنحهم الثقة والاعتماد على الذات في كثير من أمورهم وسلوكياتهم، وقد نجح المكتب في هذا المجال، فلقد خفف الإعاقة البدنية عليهم بتقوية الاستقلالية المعنوية، واستطاعوا اكتساب كثير من المعارف العلمية والاجتماعية والثقافية والرياضية والحركية، ولقد صدقت العالمة ماريا مونتيسور التي بينت أن وسائلها التعليمية والتربوية نجحت مع الأطفال المعاقين، فكيف الحال إن كانوا أصحاء؟ لا شك سيكون نجاحًا أكبر وأكبر.

اقرأ أيضًا: أهمية التعليم المبكر ودوره في تطوير عقلية الطفل

5. الخاتمة

الطفل إنسان وليس بهيمة، لكن قدراته ومهاراته بحاجة إلى التطور والتكامل، وذلك يتحقق بدور الوالدين والأسرة والمجتمع، لكن عليهم تربيته بالتي هي أحسن حتى لا ينقلب الأمر إلى ضده، ويستشري فيه الفساد؛ لأن أخذ الطفل بالقوة يصادم رغبته وغريزته في الاستقلالية، وهذا ما نادت به العالمة مونتيسوري، وأصبح له أصداء وإيقاع.

إن الإسلام يحترم رغبات الطفل ويلبيها ويشبعها، فلم يشرع تكليفه، بل أعطاه الحرية، وأعذره من الأخطاء حتى يبلغ ويكتمل عقله، ويصبح قادرًا على التكاليف الشرعية، ويعد ضرب الطفل مرحلة أخيرة حين لا تجدي كل الوسائل الأخرى معه، ويجب أن يكون الضرب غير مبرح، ولا يعد ذلك إهانة له، بل تقويمًا لذاته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة