يُمثل كل من محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن نموذجين متميزين في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وقد انطلق كل منهما من سؤال النهضة، لكنها سلكا مسارين مختلفين بل ومتناقضين في مقاربة قضايا العقل، التراث، والحداثة. وعلى الرغم من أن كليهما عبّر عن أزمة الفكر العربي وسعى إلى بلورة مشروع تجديدي، فإن اختلاف المنطلقات والمنهجيات أفضى إلى تباين عميق في النتائج والتصورات.
الخلفيات الفكرية لكل من الجابري وطه عبد الرحمن
ينطلق محمد عابد الجابري من خلفية إبستمولوجية متأثرة بالفكر الغربي الحديث، لا سيما مع غاستون باشلار وفوكو، ويقوم مشروعه على نقد العقل العربي من الداخل عبر آليات تفكيكية وتحليلية، مستخدمًا مفاهيم مثل «العقل البياني» و«العقل العرفاني» و«العقل البرهاني».
ويُعلي الجابري من شأن العقل البرهاني الذي يربطه بابن رشد والفكر الأندلسي، ويرى فيه إمكانية تأسيس حداثة عقلانية عربية. في المقابل، يعد أن العقل المشرقي وقع في فخ العرفان والتصوف، ما أدى إلى تعطيل فاعلية العقل وانسداد آفاق التجديد.

أما طه عبد الرحمن، فمشروعه يتأسس على رؤية ميتافيزيقية وروحية تنبع من صميم التراث الإسلامي، وخصوصًا التصوف والحكمة العملية.
يرى طه أن النهضة لا يمكن أن تتحقق بتقليد النموذج الغربي في العقلانية والحداثة؛ لأنها مفصولة عن الأخلاق والروح، وتقوم على مبدأ الهيمنة المادية. وبدلًا من ذلك، يقترح ما يسميه «الحداثة الأصيلة» أو «الحداثة الإيمانية»، إذ يكون العقل متخلّقًا بالإيمان، ومنفتحًا على الغيب، ومشدودًا إلى القيم الروحية.
مقاربة التراث.. نقد أم تجديد من الداخل؟
فيما يتعلق بالتراث، يتعامل الجابري معه بمقاربة إبستمولوجية، تهدف إلى فرزه وتصنيفه، مستبعدًا العناصر التي يعدها لا عقلانية، وعلى رأسها التصوف والفكر الغنوصي. وهو يرى أن الإصلاح يبدأ من إعادة بناء العقل العربي وفق أسس برهانية مستمدة من الفكر الرشدي.
بينما يتبنى طه عبد الرحمن موقفًا تكامليًا من التراث، لا يفصل فيه بين العقل والنقل، بل يسعى إلى تجديده من الداخل عبر فهم المقاصد وتفعيل البعد الروحي والخلقي، معتبرًا أن العرفان الإسلامي ليس عائقًا بل هو مصدر للمعنى والحكمة.
ومن ناحية المنهج، يميل الجابري إلى التحليل البنيوي والتاريخي، ويتبنى رؤية علمانية للفكر، تفصل بين العقل والوحي، في حين يستخدم طه عبد الرحمن التحليل المنطقي واللغوي، ويؤكد وحدة العقل والوحي، معتبرًا أن العقل الذي لا يستضيء بالوحي عرضة للزيغ والانحراف.
الحداثة بين التوطين العقلاني والبديل الإيماني
يختلف المفكران أيضًا في موقفهما من الحداثة، فالجابري لا يرى مشكلة جوهرية في الاستفادة من النموذج الغربي، بل يدعو إلى عقلنة الحداثة وتوطينها ضمن السياق العربي، شريطة أن تكون باستئناف عقلاني للتراث.
أما طه عبد الرحمن، فيرفض الحداثة الغربية بعدِّها مفصولة عن الأخلاق، ويطرح بديلًا نهضويًّا مستمدًا من القيم الإسلامية، يؤسس فيه لحداثة بمرجعية أخلاقية وروحية.
في المحصلة، يمثل الجابري صوتًا عقلانيًّا يدعو إلى نقد التراث من أجل التحديث، فيما يُجسّد طه عبد الرحمن صوتًا روحانيًا يسعى إلى تجديد التراث من أجل التزكية. مشروع الجابري يقوم على تحكيم العقل البرهاني، أما مشروع طه عبد الرحمن يؤمن بسمو العقل المؤيَّد بالإيمان.
الجابري أقرب إلى خطاب عقلاني علماني، في حين أن طه عبد الرحمن يقدّم خطابًا أخلاقيًا إيمانيًّا يسعى إلى تأسيس فلسفة إسلامية حديثة تُوازن بين العقل والوحي، وبين الروح والمادة.
أي مستقبل للفكر العربي: عقل برهاني أم عقل إيماني؟
بهذا، يتجلى أمامنا مشهد فكري مزدوج، تتوزعه رؤية تفكيكية عقلانية يمثلها الجابري، ورؤية تأصيلية روحانية يمثلها طه عبد الرحمن، ولكل من المشروعين وجاهته الفكرية وأثره في ساحة النقاش الفلسفي العربي، غير أن الخيار بينهما يبقى مرهونًا بما إذا كانت النهضة تُبنى على أساس العقل وحده أم على لقاء متجدد بين العقل والإيمان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.