عندما يُذكر اسم ليو تولستوي تتبادر إلى الأذهان روائعه الأدبية الخالدة مثل (الحرب والسلام) و(آنا كارنينا). لكن خلف هذا الروائي العظيم، يقف فيلسوف أخلاقي ومصلح ديني قضى النصف الثاني من حياته في تمرد فكري شجاع. لقد كانت فلسفة تولستوي بحثًا مضنيًا عن الحقيقة، ومحاولة لتجريد الدين من شعائره الرسمية للوصول إلى جوهره الأخلاقي.
في هذا المقال، نستكشف أفكار هذا الفيلسوف الروسي العظيم حول الدين والعقل والأخلاق.
من روائي عظيم إلى فيلسوف متمرد.. أزمة تولستوي الروحية
بعد أن وصل إلى قمة المجد الأدبي، مر ليو تولستوي بأزمة روحية عميقة في منتصف عمره، دفعت به إلى التشكيك في كل شيء: الكنيسة، الدولة، الملكية الخاصة، حتى فنه الذي عدَّه ترفًا. هذه الأزمة قادته إلى تطوير فلسفة فريدة تُعرف أحيانًا بـ(المسيحية الأناركية) التي رفض فيها كل أنواع السلطة القهرية (الكنيسة والدولة) لصالح علاقة فردية ومباشرة مع الله، قائمة على وصايا المسيح الأخلاقية. وقد لخص أبرز أفكاره في كتابه الثوري (مملكة الرب بداخلك).

فلسفة الأخلاق عند تولستوي.. الدين الحقيقي مقابل الدين الرسمي
خاض الفيلسوف ليف تولستوي غمار الربط الفلسفي العميق بين الدين والأخلاق في سرياليةٍ وتوليفةٍ عميقتين عمدتا إلى تنقية الدين الحقيقي الذي أتى لخير البشرية، بخلافِ الدينِ الذي تكوَّن في أحضان الوعّاظ ورجال اللاهوت في أسطورته الخالدة «في الدين والعقل والفلسفة» التي نقلها إلى العربية يوسف نبيل.
وكحال العباقرة والمميّزين في الفكر الإنساني، واجه تولستوي الاتهامات بأنه مدافعٌ عن السلطة، كما اتُّهِمَ بأنه من أتباع الوثنية اليونانية القديمة، ولكنه في الحقيقة نَقِمَ على أولئك الذين يفصلون الدين عن الأخلاق.
إذ يرى أن الدين أتى لضبط النفس، كما أن الدين الحقيقي أتى لإشباع غايات إنسانية، ولكن الدين الرسمي الذي تمثله الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في عصره تحوّل إلى أساطير وخرافاتٍ تنافي العقل والمساواة، فبات دينًا فاسدًا.
فيما حمل الدين الحقيقي مبادئ المساواة ووحدانية الله، إلى جانب مناهضة الشرِّ والعنف، وعمل على ضبط الذات، وهو ما تأثّر به الزعيم السياسي المهاتما غاندي الذي قاد الهند نحو الاستقلال وعدَّ كتاب (مملكة الرب بداخلك) مصدر إلهام أساسي لفلسفة عدم العنف.
تولستوي والثورة نقد العنف ومقاومة الشر
عبَّر تولستوي عن وجهة نظره حول الثورة التي يجب أن تقوم على أسس أخلاقية؛ ما يحول دونه الناس الذين يبحثون عن مصالحهم ويخضعون للسلطة الفاسدة تحت تأثير الدين الفاسد الذي تعزّزه الكنيسة.
ولكن تولستوي عبَّر عن رفضه المطلق للثورة العنيفة التي لن تنتج سوى نظامٍ فاسدٍ وعنيف؛ ذلك أن النظام الجديد سيواجه أعداءه بعد نجاح ثورته، وفي حال فشلتْ، سَيُمنَحُ النظامُ القديم دفعةً قويةً في السلطة. هذا الموقف هو جوهر فلسفته في مقاومة الشر باللاعنف، حيث رأى أن العنف لا يولد إلا عنفًا.
ثم إن النظام لن يسمح إلا ضمن حدودٍ معيّنة بالثورة السلمية، إذ من الممكن أن تُحوِّلَ الليبراليين إلى مجرد موظفين في جهازِهِ البيروقراطي لتأمن شرورهم.
العقل والأخلاق وضبط النفس أسس فلسفة تولستوي
يُعد العقل والأخلاق وضبط النفس ركائز أساسية في فلسفة الكاتب والروائي الروسي ليو تولستوي الذي آمن بأن تحقيق السلام الداخلي والخارجي يتوقف على الالتزام بهذه المبادئ.
لقد رأى تولستوي أن العقل ليس أداة للتفكير، بل هو بوصلة أخلاقية تُنير للإنسان طريقه نحو الحق والخير، وتساعده على تمييز ما هو صواب من خطأ. وترتبط هذه الرؤية ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الأخلاق لديه، حيث لا تنبع الفضيلة من القوانين الاجتماعية أو الدينية، بل من إيمان عميق بقيمة التعاطف الإنساني.
العلاقة بين العقل والله
عن العلاقة بين العقل والله، يرى تولستوي أن الله خلق العقل ليُمكِّنَ الإنسانَ من الوصول إلى الحقيقة، ولكن تراكم العادات جعل الحاجة ملحّةً للعقول الرفيعة حتى تسبر غور الحقيقة وتصل إليها كي يفهم الإنسان كنه الحياة.
منبع الأخلاق
حدد تولستوي ثلاثةَ معانٍ للدين، تمثّلت في الوحي والعبادات الخرافية، إلى جانب القوانين التي يضعها الحكماء. فيما يحدِّدُ الدينُ علاقةَ الإنسانِ بالعالم. وتنبع الأخلاق من الفطرة والأسرة والدين، إذ إن تحديد العلاقة بين الإنسان والعالم بواسطة الدين هو الذي ينتج الأخلاق.
ضبط النفس كأساس للخير
يرى تولستوي أن ضبطَ الذاتِ/النفسِ هو منبعُ الخير، إذ إن الإنسان الذي يضبط نفسه سيتمثّل في حزمةٍ من الأخلاق الحميدة التي منها الشهامة والكرم والتضحية والاعتدال؛ أمَّا من يأكل بشراهةٍ فإنه سيكون كسولًا وذا ميولٍ جنسيةٍ منحرفةٍ. ثم إن الصوم يهذّب النفس ويصونها من الشراهة.
تولستوي والعلم.. نقد السلطة المعرفية
أكد تولستوي أن التخلي عن الدين غير ممكن، فالدين ينظّم العلاقة بين الإنسان والله والحياة عمومًا. أخيرًا، لم يغفل تولستوي أن العلماء، كالكهنة، يعتقدون أنهم يملكون مفاتيح الدين والتنوير، ويعدون الدين والعلم حكرًا عليهم. لقد كان نقد تولستوي موجهًا لأي سلطة تدعي احتكار الحقيقة، سواء كانت دينية أم علمية.

إرث من التمرد الأخلاقي عند تولستوي
في النهاية، تمثل فلسفة ليو تولستوي دعوة قوية وشجاعة للعودة إلى جوهر الإنسانية، لقد حارب بكل ما أوتي من فكر ضد ازدواجية المعايير، ورفض الخضوع لسلطة الكنيسة أو الدولة عندما تتعارض مع ضميره. فماذا قال تولستوي عن الدين والكنيسة؟ قال إن الدين الحقيقي هو علاقة أخلاقية مباشرة بالله ومع الآخرين، وليست شعائر فارغة تخدم مصالح السلطة. هذا الإرث الفكري الذي ألهم حركات التحرر السلمي في العالم، يظل شاهدًا على عبقرية روائي عظيم لم يكتفِ بتشخيص أمراض مجتمعه في رواياته، بل حاول أن يقدم علاجًا لها بفلسفته الأخلاقية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.