تسكننا تساؤلات مؤلمة حين يطرق الجفاء أبواب أرواحنا: هل يموت الحب بالابتعاد؟ وهل العطاء المادي يُجزي عن حُلو الكلام؟ إن تحوُّل المشاعر الإنسانية بين ليلة وضُحاها يشبه دوران الفصول، لكنه يترك في النفس ندوبًا من خيبة الأمل حين يرتفع سقف التوقعات تجاه من نحب.
في هذا المقال، نبحر في عمق العلاقات الاجتماعية؛ لنفهم لماذا تبرد حرارة اللقاء، وكيف يحمينا النضج العاطفي من السقوط في فخ التعلق المفرط، مستلهمين من الحكمة التراثية سبل الحفاظ على عزة النفس واتزان القلب.
هل يموت الحب بالابتعاد؟ وهل العطاء المادي يُجزي عن حُلو الكلام؟
لي صديقة كان يجمعني بها اتصال روحي، تُبعدنا الأماكن ولكن كان القلب موصولًا بدفء المواقف، وفجأة وجدت الجفاء يدب في أوصال تلك الصداقة، فتذكرت دوران الأرض وتغيرها بين صيف وشتاء. فهل المشاعر الإنسانية تحتاج لمقياس يتابع ذبذباتها بين صعود وهبوط؟
كانت رغبتي في الحفاظ على ذكريات تلك السنوات التي قضيناها معًا، هي الدافع لاتصالي بها، ولكني استشعرت ببرودة الكلمات، وموت النبض في سلام يائس لا يوحي بأي رغبة في الحديث، فهل الإنسان حين يفرط في الحب، ويمنح الآخر سلطة غير محدودة على قلبه، يهوي بعزة نفسه إلى القاع؟
نعم.. للأسف، عندما ترفع سقف توقعاتك تجاه إنسان، ظنًا منك بوجود رصيد لك من المشاعر والأحاسيس، يُصبح قلبك عرضة للانكسار عند أول خذلان. إن الطبيعة المتحولة صفة أصيلة في الإنسان، وقد عبَّر الإمام علي بن أبي طالب بعمق عن هذه الحقيقة حين نصح بألا نحب الحب كله، ولا نبغض البُغض كله، أي أن «نجعل الباب موصودًا»؛ لضرورة التوازن في المشاعر وعدم الإفراط في الانفتاح أو الانغلاق.
فلا ترفع سقف توقعاتك تجاه شخص بعينه مهما كانت قوة صلتك به، فقد تُحب شخصًا بصدق، وتظن أن هذا الحب أبدي، لكنه مع الأيام يتغير، إما بالنضج أو بالخذلان أو حتى بتبدل الأولويات، وكذلك الكره الذي قد يبدو راسخًا في لحظة غضب، يتلاشى حين تهدأ النفوس وتنكشف الحقائق، هذه الحركة المستمرة للمشاعر تؤكد أن الإنسان لا يمكن أن يُحبس في قالب واحد أو شعور دائم.
لا أنكر رغبتي في العتاب، ولا دهشتي من ذلك التحول المفاجئ الذي تسلل إلى ملامح العلاقة حتى أثقلها بالجفاء، لكن يبقى في داخلي سؤال يتردد بصمتٍ مؤلم: هل كان البُعد مجرد مسافة بين مكانين، أم كان بداية مسافةٍ أعمق بين قلبين؟ أم أن المسافات لا تُغيِّر من يحب بصدق، بل تكشف فقط من كان حضوره عابرًا منذ البداية؟
أيًا ما كانت الأسباب، فالعلاقات التي تقوم على التوازن والوعي بطبيعة النفس تكون أكثر قدرة على الاستمرار، أما تلك التي تُبنى على التعلق المفرط أو الكراهية العمياء، فهي غالبًا ما تنهار تحت وطأة التوقعات غير الواقعية. إن إدراك أن المشاعر تتغير يمنحنا مرونة في التعامل مع الآخرين، ويجعلنا أكثر تسامحًا مع أخطائهم، وأقل قسوة على أنفسنا.
ولا يعني هذا الدعوة إلى البرود أو اللامبالاة، بل إلى النضج العاطفي. فالنضج لا يعني أن لا نحب، بل أن نحب بوعي، ولا يعني ألَّا نغضب، بل أن نغضب دون أن نؤذي، هو أن نُبقي الباب موصودًا، لا مفتوحًا بلا حدود، ولا مغلقًا بلا رحمة، هو أن نمنح الآخرين فرصة، لكن دون أن نفقد أنفسنا.
يمكن تطبيق هذه الفلسفة في سياق الحياة اليومية في أبسط المواقف؛ في العمل، في الصداقات، في العلاقات العائلية، فكم من خلاف بسيط تحوَّل إلى قطيعة دائمة بسبب تضخيم مشاعر الغضب، وكم من علاقة جميلة انتهت بسبب التعلق الزائد أو التوقعات المبالغ فيها. إن الاعتدال في المشاعر يمنح الإنسان قدرة على التكيف، ويجعله أكثر اتزانًا في مواجهة تقلبات الحياة.
كما أن هذه الرؤية تساعد الإنسان على التصالح مع ذاته، فبدلًا من الشعور بالذنب لتغير مشاعره، يدرك أن هذا التغير طبيعي، وأن المهم هو كيفية إدارته لهذه المشاعر، فلا يسمح لها بأن تقوده، بل يقودها هو بعقله ووعيه، هنا يكمن الفرق بين الإنسان الناضج والإنسان الذي تسيطر عليه انفعالاته.
وفي النهاية... لا تُفرط في الحب، ولا تُفرط في الكره، وكن «بين – بين»، فالباب الموصود ليس تعبيرًا عن القسوة، بل عن الحكمة؛ هو باب يُفتح بحذر، ويُغلق عند الحاجة، دون أن يُهدم أو يُلغى المشاعر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.