باروخ سبينوزا: فيلسوف العقل والطبيعة والحرية

يُعد باروخ سبينوزا أحد أعمدة الفكر الفلسفي الحديث، ومن أبرز رواد عصر التنوير الذين واجهوا سطوة التقاليد بسلطة العقل. وُلد سبينوزا في أمستردام لأسرة يهودية، لكنه سرعان ما تحول من دراسة التلمود إلى العلوم الإنسانية؛ ما جعله عُرضة للطرد والإقصاء من مجتمعه.

في هذا المقال، نسلط الضوء على فلسفة سبينوزا، وكيف فسَّر العلاقة بين الله والطبيعة، إضافة إلى استعراض أهم مؤلفاته مثل كتاب الأخلاق، ورسالة في اللاهوت والسياسة، لنفهم لماذا لُقب بـ «القديس المدني»، وكيف أثرت أفكاره في تشكيل الوعي السياسي والديني المعاصر.

من هو باروخ سبينوزا؟

باروخ سيبنوزا فيلسوف هولندى، يُعد من أهم فلاسفة التنوير. وُلد سبينوزا بأمستردام من أسرة يهودية، كان والده يريده أن يصبح رجل دين يهودى؛ فتعلَّم في صغره اللغة العبرية والتوراة والتلمود والفلسفة اليهودية للعصر الوسيط وصناعة صقل زجاج النظارات.

ديانة سبينوزا

على الرغم من نشأة سبينوزا في أسرة يهودية؛ فإنه تشكك في الدين؛ فعدل عن مشروعه وتحوَّل إلى العلوم الإنسانية، وأخذ يتردد على الأوساط البروتستانتية، فلقي فيها طبيبًا تيوصوفيًا من القائلين بوحدة الوجود. ووحدة الوجود هي عقيدة تقول إن الله حلَّ في العالم ولقَّنه الطبيعة والهندسة والفلسفة الديكارتية.

ثم قرأ لعدد من فلاسفة عصره ابتعادًا عن اليهودية. ورأى رجال الدين اليهودي أن يستبقوه في حظيرتها، وعرضوا عليه مرتبًا فرفضه، واعتدى عليه رجل متعصب وجرحه بخنجر، وأعلن رجال الدين اليهودي ردته عن اليهودية، وحصلوا من السلطة المدنية على أمر بإقصائه عن المدينة.

وكان البروتستانت أيضًا يعدونه رجلًا خطرًا، فأقام عند صديق في إحدى الضواحي ومكث هناك 5 سنين يكسب رزقه بصقل زجاج النظارات، فكان أصدقاؤه يأتون من المدينة فيحملون الزجاج ويبيعونه فيها.

وفي تلك المدة شرع يؤلف كتبًا، وكان يكتب بلغة اللاتيتية، ثم أخذ يتنقل في هولاندا، وكان أينما حلَّ يلقى أصدقاء معجبين به معتنقين مذهبه.

ومن المعجبين به القائد الفرنسي كوندي Conde، فقد عرض عليه أن يقيم بفرنسا ويتناول معاشًا فرفض، وكذلك أمير ألماني عرض عليه في السنة نفسها منصبًا بجامعة هيدلبرج فرفض كذلك مخافة ألا تتوافر له الحرية في التعليم. وكان مرضه من جهة، والفلسفة من جهة أخرى، يحملانه على المعيشة الهادئة الوادعة؛ فلُقِّب بالقديس المدني.

كتب باروخ سبينوزا 

تتركز أهم مؤلفات باروخ سبينوزا في الفلسفة الأخلاقية والسياسية والميتافيزيقيا، وأشهرها كتبه هي:

  • مبادئ الفلسفة الديكارتية: كان أول ما كتب سبينوزا رسالة في مبادئ فلسفة ديكارت مبرهنة على الطريقة الهندسية وتمهيدًا ومدخلًا للفلسفة الخاصة.
  • رسالة في إصلاح العقل: وهي رسالة تبحث في قيمة المعرفة، غير أن سبينوزا ترك الرسالة ناقصة فنُشرت كما هي بعد وفاته.
  • رسالة في اللاهوت والسياسة: وكان فى عصره الجدل شديدًا حول مسائل الوحي والنبوءة والمعجزات وحرية الاعتقاد، فدوَّن في ذلك الرسالة اللاهوتية السياسية، التي نُشرت سنة 1670 التي غفلت عن اسمه وعدَّها رجال الدين في عهده خلاصة الكفر.
  • كتاب الأخلاق: وكان من أهم كتب سيبنوزا الذي كان يعمل على تنقحيه، ولم يُنشر إلا بعد وفاته، وهذا الكتاب يُعد ملخصًا للكتب السابقة التي كتبها، وقسَّمه إلى خمس مقالات، كتب مقالين فقط في مبحث الأخلاق، ولكن سمَّاه باسم الأخلاق لأنها هي اتجاهه الأساسي.  

أشهر كتب سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة

أشهر كتب سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة

كان أحد أكثر الكتب إثارة للجدل في المرحلة الأولى من حياته، وكان دفاعًا استباقيًا عن كتابه «الأخلاق» الذي تأخر نشره إلى ما بعد موته.

أوضح سبينوزا في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة» أن الإيمان والفلسفة منفصلان، وأن العقل ليس خادمًا للاهوت، ولكلٍّ مجال خاص يختلف عن مجال آخر. فيذهب إلى أن غاية الفلسفة هي الحق وحده أو الحقيقة، وغاية الإيمان هي الطاعة والتقوى وحسب.

ثم إن الأسس التي تقوم عليها الفلسفة هي الأفكار المشتركة -أي المبادئ العامة التي تحكم الأشياء- أو القوانين الثابتة للطبيعة، وهذه نستخلصها من دراستنا للطبيعة وحدها. أما الإيمان فيتأسس على الكتب المقدسة والتسليم بواقعة الوحي. ولأن مجال الفلسفة يختلف عن مجال الإيمان، فإن التفلسف لا يضر الإيمان ولا يمثل خطرًا عليه.

ماذا قال سبينوزا عن الله؟ 

إذا أردنا أن نعرف ما هي نظرية سبينوزا؟ فالله سبحانه وتعالى -عند سيبنوزا- يساوي الطبيعة، فليس الله عنده كما في تصور الأديان السماوية أنه كيان منفصل عن الكون، لا بل عنده الله والطبيعة شيء واحد.

وهو يرى ما نراه من مظاهر لهذه الطبيعة من الأشجار والناس وما إلى ذلك هي تجليات أو أحوال عن الله، وهو يرى أن الله لا يفعل شيئًا لغاية ما أو لمصلحة، بل كل أفعاله تنبثق عنه بالضرورة كتلازم علة ومعلول. 

وتصوره عن الله ليس كتصور اليهود عن الله، له عواطف يغضب ويفرح ويحزن، بل الله عنده منزَّه عن تلك العواطف. والله عند سيبنوزا لا يمكن أن ندرك صفاته؛ لأن صفاته متناهية، ولا يمكن أن ندرك ما ندركه من أنفسنا؛ لأننا تجليات أو أحوال عن الله.

وقد نفى سبينوزا فكرة وجود معجزات؛ لأن المعجزة تعني خرق قوانين الطبيعة، والله عنده هو الطبيعة، فإذن المعجزة تعني أن الله خرق قوانين الطبيعة، وهذا محال عنده.

أبرز أقوال باروخ سبينوزا عن الله

  • الله هو الطبيعة: «الله -أو الطبيعة- هو المبدأ الأساسي، حيث الله هو جوهر الكون وكل شيء جزء منه».
  • الله هو الجوهر الوحيد: «كل ما هو موجود، يوجد في الله، ولا يمكن أن يوجد أو يُصور بدون الله».
  • الله لا يملك صفات بشرية: انتقد سبينوزا تصور الله كإنسان عظيم، واعتبر أن الله هو الوجود المطلق، غير المتغير، وثابت لا يتبدل.
  • عن علاقة الإنسان بالله: «لا أعرف إن كان الله فعلًا قد تكلم، لكنه إن فعل، فما قد يكون قاله لكل مؤمن هو كالآتي: توقف عن الصلاة وعن ضرب صدرك! توقف عن الذهاب إلى معابدي المظلمة والباردة... مسكني في الجبال والأشجار والوديان والبحيرات والأنهار».

الدين والسياسة عند باروخ سبينوزا 

تقوم فلسفة سبينوزا في الدين والسياسة على وحدة متصلة تربط بين العقل والطبيعة والمجتمع، فهو يرى أن الدين الوضعي والكتب المقدسة لم توضع لتخاطب الفلاسفة، بل لتلائم جمهور الناس الذين يعجزون عن إدراك الحقائق بعقولهم المجردة؛ ولذلك استخدم الوحي الصور الحسية والمخيلة القوية للأنبياء بدلًا من البراهين العقلية الصرفة لتوجيههم نحو الطاعة والفضيلة.

ومن هذا المنطلق، يفرق سبينوزا بين الشريعة الطقسية التي تخص الأقوام في سياق تاريخي معين، وبين الشريعة الإلهية الطبيعية التي هي معرفة عقلية كونية تقوم على محبة الله وإدراك نظامه الثابت، وهي معرفة لا تحتاج إلى معجزات؛ لأن المعجزة في نظره خرق لنظام الطبيعة، وخرق النظام يعني تناقض الله مع ذاته وهو أمر مستحيل عقليًا، فكل ما يسمى معجزة هو مجرد جهل بالأسباب الطبيعية الخفية.

ويؤثر هذا التصور في رؤيته للدولة، حيث يعتقد أن الإنسان في حالته الطبيعية يكون محكومًا بشهواته؛ ما يجعل حياته بائسة وغير آمنة، لذا يدفع العقل البشر للاتحاد في مجتمع عبر ميثاق يضمن لهم الأمن المشترك، فتنشأ الدولة سلطة عليا يجب طاعتها؛ لأن في طاعة قوانينها صونًا لمنفعة الأفراد أنفسهم.

ويرى سبينوزا ضرورة خضوع المظاهر الدينية والشعائر لسلطة الدولة منعًا للفتن والتفرق الناتج عن تضارب الآراء الدينية، لكن هذه السلطة تقف عند حدود الأفعال الظاهرة فقط؛ فيظل حق الإنسان في حرية التفكير والاعتقاد حقًا طبيعيًا أصيلًا لا يمكن التنازل عنه أو استلابه.

فالدولة الحقة هي التي تهدف إلى تحرير عقول مواطنيها لا إلى تحويلهم لآلات صماء، طالما أن هذا التفكير لا يتحول إلى تحريض على العنف أو تقويض لأساسات الميثاق الاجتماعي.

وبذلك تكتمل صورته الفلسفية التي تسعى لتحقيق غبطة الإنسان بفهم الضرورة الطبيعية، والعيش في مجتمع يكفل له الأمان وحرية العقل.

صفات باروخ سبينوزا

حسب صورة التي وصلتنا عن باروخ سبينوزا فإنه كان ربع القامة، متوسط الحجم، وسيم الوجه والقسمات يميل لونه إلى السمرة، شعره أسود ومجعد، وحاجباه طويلان سوداوان حيث يدرك من ينظر إليه أنه ينحدر من اسرة يهودية برتغالية، وكان لا يهتم بملابسه.

لقد زاره يومًا أحد أعضاء مجلس الشورى ووجده في روب صباحي مهلهل ولامه على ذلك وعرض عليه ثوبًا آخر فأجاب سبينوزا إن الثوب الجميل لا يزيد في قدر الرجل، وأضاف قائلًا من غير المعقول لف الأشياء الزهيدة بغلاف ثمين. 

كان سبينوزا ربع القامة متوسط الحجم وسيم الوجه والقسمات

وفاة باروخ سبينوزا 

في نهاية فبراير 1677 توفي سبينوزا في مدينة لاهاي بهولندا، وهو في الرابعة والأربعين من عمره، كان المرض (السل) قد نخر رئتيه، ربما بفعل استنشاق غبار الزجاج الناتج عن مهنته. وفي يومه الأخير، وبينما كانت العائلة التي يسكن عندها في الكنيسة، أسلم الروح بهدوء بين يدي طبيبه «باير». 

رحل سبينوزا تاركًا مفتاح مكتبه الصغير لصاحب المنزل ليُرسل مخطوطاته إلى الناشر في أمستردام؛ لأن عددًا من كتبه، مثل كتابه «الأخلاق» الذي لم يتمكن من نشره في حياته مخافة على حياته، واجتمع حول قبره -في مشهد مهيب- رجال من كل المذاهب والأديان، مقدرين لذلك المفكر العظيم الذى رحل عن عالمهم.

في الختام، رحل باروخ سبينوزا في سن الرابعة والأربعين، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا زلزل أركان الفلسفة التقليدية، فقد أثبت أن حرية التفكير هي الغاية الأسمى للدولة. وعلى الرغم من حياته المتواضعة التي قضاها في صقل العدسات؛ فإن عدساته الفلسفية لا تزال حتى اليوم تساعدنا على رؤية العالم بنظرة أكثر عمقًا وتحررًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة