كيف تحرر عقلك من التحيز المعرفي؟ خطوات عملية لرؤية العالم بوضوح

إذا كان الميزان سليمًا، فليس بالضرورة أن يكون من يستخدمه سليمًا. إنها مفارقة قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف تعقيد الإنسان، فالمقولة التي نحن بصددها الآن تُعد عدسة لنرى ما إذا كان الميزان حقيقيًا، وكيف يمكن أن يكون سليمًا، فحين نقول: «الميزان سليم»، فنحن نفترض وجود معيار موضوعي، واقعي مثل: حق، عدل، منطق، علم، أو حتى دين. لكن حين نضيف: «ليس بالضرورة أن يكون من يستخدمه سليمًا»، فإننا ننقل النقاش من صحة المعيار إلى سلامة الذات.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقة؛ لأن الإنسان، وكما تُجمع عليه مدارس علم النفس ونظرات الفلاسفة «لا يتعامل مع الحقيقة كما هي، بل كما يراها، ويشعر بها، ويحتاجها نفسيًا». فالعقل ليس حياديًا كما نتصوره، بل كثيرًا ما يتحيز.

التحيزات المعرفية والتضاد النفسي تجعل الإنسان يُحرّف استخدام المعيار الصحيح رغم سلامته ليوافق رغباته وقناعاته.

فخ التحيز: لماذا نرى العالم بعيونٍ غير محايدة؟

في إطار علم النفس المعرفي، أثبتت عشرات الدراسات أن الإنسان يعاني مما يُعرف بالتحيزات المعرفية، وهي انحرافات منهجية في التفكير، تجعلنا نستخدم «الميزان الصحيح» بطريقة غير صحيحة، وهذا ما يُسمى بتحيز التأكيد، حيث يبحث الإنسان فقط عما يؤكد رأيه، أو معتقده، ويتجاهل ما يخالفه.

الإنسان يعاني مما يُعرف بالتحيزات المعرفية، وهي انحرافات منهجية في التفكير، تجعلنا نستخدم «الميزان الصحيح» بطريقة غير صحيحة

وقد أظهرت دراسات مثل أعمال دانيال كانيمان، أن الإنسان يميل لا شعوريًا لتجنب المعلومات التي تهدد قناعاته، وهو الاستدلال العاطفي، «أنا أشعر أنه صحيح… إذن هو صحيح»، رغم أن الشعور ليس دليلًا معرفيًا. وأيضًا التعميم المفرط وهو تجربة واحدة تتحول إلى قانون عام، مثل إذا خانني صديق فكل الأصدقاء مثله.

الخلاصة هنا أن الميزان (المنطق والدليل) موجود، لكن طريقة استخدامه ربما تكون منحازة من الداخل.

نظارة العقل: كيف تشوه التفسيرات واقعنا اليومي؟

وهناك أيضًا ما يسمى بنظرية التشوهات المعرفية، أي حين يعيد العقل تشكيل الحقيقة. في مدرسة العلاج المعرفي السلوكي التي أسسها آرون بيك، تم توثيق ما يسمى بـ«التشوهات المعرفية»، وهي أنماط تفكير غير دقيقة، تجعل الإنسان يفسر الواقع بشكل مشوَّه ويستخدم الأدلة بشكل انتقائي اختياري، ليصل لنتائج خاطئة رغم استخدام «مقدمات صحيحة» وأدوات دقيقة.

ومن أمثلتها التفكير بأنماط الأبيض والأسود، وقراءة النوايا والتهويل أو التهوين. يقول بيك في أحد أشهر اقتباساته إن «الناس لا ينزعجون من الأحداث، بل من تفسيرهم لها»، وهذا يعني أنه حتى لو كان «الحدث» واضحًا (ميزان سليم) فإن التفسير (المستخدم) قد يفسده بالكامل.

موازين القوة: عن التعامي الأخلاقي والانحياز للجماعة

لا يقتصر خلل استخدام الميزان على الحالة الفردية، بل يمتد إلى موازين القوة داخل المجتمع. ففي كثير من الأحيان، يستخدم الشخص «الميزان السليم» ليقيس به أخطاء الآخرين بدقة متناهيةٍ، بينما يضع عصابة على عينيه حين يتعلق الأمر بخطئه الشخصي أو خطأ جماعته.

في كثير من الأحيان، يستخدم الشخص «الميزان السليم» ليقيس به أخطاء الآخرين بدقة متناهيةٍ، بينما يضع عصابة على عينيه حين يتعلق الأمر بخطئه الشخصي

هذا ما يسمى «التعامي الأخلاقي»، حيث يصبح الميزان أداة للسيطرة لا للإصلاح، والإنسان هنا لا يكسر الميزان، بل يغير «وحدة القياس» حسب الشخص الواقف عليه، مما يجعل العدل مجرد كلمة براقةً تُستخدم لتبرير الانحيازات الطبقية أو الفكرية، وهو ما يفسد جوهر المعيار السليم تماماً.

حيل نفسية: كيف نبرر أخطاءنا لنشعر بالراحة؟

وأيضًا من طرق استخدام الميزان السليم بطرق غير سليمة هي التضاد المعرفي، وهو حين نُعدل الميزان لنحمي أنفسنا، فقد يعتقد البعض أن الخطأ في الجهل فقط، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، ووفقًا لنظرية التضاد المعرفي تلك التي قدمها ليون فستنجر، فعندما يتعارض سلوك الإنسان مع قناعاته، فإنه لا يغيِّر سلوكه، بل يغير تفسيره للقناعات نفسها. فالشخص يعلم أن سلوكه خاطئ (الميزان سليم)، لكنه يُعيد تفسير الخطأ ليبدو صحيحًا.

على سبيل المثال مدخن يعلم ضرر التدخين، لكنه يقول: «الجميع يموت في النهاية»، «أنا تحت ضغط». هنا لم يختل الميزان، بل تم التلاعب به نفسيًا لحماية الذات.

الدافع الخفي: هل العدل أداة للحق أم للسيطرة؟

وأيضًا من أساليب استخدام الميزان بطرق غير سليمة هو البعد الأخلاقي الذي لا يمكن أن ننساه. والسؤال هنا: هل تكفي معرفة الصواب؟ في الفلسفة الأخلاقية، خاصة عند إيمانويل كانط، يوجد تمييز حاد بين الفعل الصحيح والنية الأخلاقية. ويقول كانط فيما معناه: «القيمة الأخلاقية للفعل لا تُقاس بنتيجته، بل بالدافع وراءه». وهذا يعني أنه قد يستخدم الإنسان «ميزان العدل» لكن بدافع الانتقام أو إثبات الذات، أو السيطرة، فيبدو عادلًا ظاهريًا لكنه على العكس.

دستورية القسط: العدل كقيمة داخلية وضبط للنفس

ونصل هنا الى البعد الديني والعدل بوصفه تكليفًا داخليًا لا مجرد أداة. في القرآن الكريم مثلًا، نجده لا يُقدِّم العدل بوصفه أداة فقط، بل بوصفه حالة داخلية من التقوى والانضباط.

فمثلًا في الآية 135 من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...﴾. نجد الإشارة واضحة. المشكلة ليست في معرفة القسط (الميزان) بل في القدرة على تطبيقه على النفس. وقال أيضًا في سورة المائدة الآية 8: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تعدلوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ...﴾، فحتى الكراهية (حالة نفسية) يمكن أن تُفسد استخدام الميزان.

ممارسة الوعي: كيف نحول العدل إلى تمرين يومي؟

إن الخروج من فخ الانحياز يتطلب ما يسميه علماء النفس «ما وراء المعرفة» (Metacognition)، أي أن يراقب الإنسان تفكيره وهو يفكر. لكي يكون المستخدم سليمًا كالميزان، عليه أن يمارس «الشك المنهجي» في مشاعره أولًا؛ فإذا وجد نفسه يميل لتصديق معلومة تصديقًا مطلقًا لأنها تريح كبرياءه، فهذا هو الوقت المناسب ليتهم نزاهته.

إن الخروج من فخ الانحياز يتطلب ما يسميه علماء النفس «ما وراء المعرفة» (Metacognition)، أي أن يراقب الإنسان تفكيره وهو يفكر

إن تقويم اليد التي تمسك الميزان يبدأ من الاعتراف بوجود «الهوى النفسي»، وتحويل العدل من شعار خارجي إلى «تمرين يومي» على قول الحق ولو كان مرًا، وبذلك يتحول الإنسان من مجرد حامل للميزان إلى مرآة صافيةً تعكس الحقيقة كما هي.

الخلاصة هنا في العبارة التي بدأت بها ليست مجرد حكمة، بل قاعدة لفهم الإنسان. الإنسان لا يُخطئ فقط لأنه لا يعرف، بل لأنه يعرف، ويُعيد تشكيل ما يعرفه بما يناسبه، إعادة صياغة فلسفية مكثفة، وليس الخلل دائمًا في المعايير، بل في النفس التي تمسك بها.

فالميزان قد يكون دقيقًا، لكن اليد قد تميل، والحقيقة قد تكون واضحة، لكن القلب قد يرفضها. ولذلك، لم يكن العدل يومًا مسألة معرفة، بل مسألة نزاهة داخلية؛ فليس كل ما نعرفه هو الحقيقة، وليس كل ما نفعله هو الحق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.