في الحياة اليومية، لا تبدأ المسؤولية الأخلاقية دائمًا من فعلٍ واضح المعالم، ولا تنتهي عند حدود حكمٍ يحدد ما هو جائز وما هو ممنوع. فكثير من القرارات التي تبدو بسيطة في لحظة اتخاذها سرعان ما تتسع دوائر آثارها، فتتجاوز صاحبها إلى الآخرين، وتمتد من الحاضر إلى المستقبل، ومن الاختيار الفردي إلى العلاقات والبنى الاجتماعية التي تحيط به. وبين لحظة الحكم ولحظة ظهور الأثر تتشكل مساحة واسعة من الأسئلة الأخلاقية التي لا يمكن اختزالها في مجرد معرفة ما يجوز وما لا يجوز.
ومن هنا تبرز «فلسفة العبور» بوصفها محاولة للنظر إلى الفعل الأخلاقي في حركته من النص إلى الواقع، ومن الحق إلى المسؤولية، ومن القرار إلى نتائجه. فهي لا تسعى إلى إلغاء الحكم أو التقليل من أهميته، وإنما إلى استكماله بالنظر في السياق الذي يمارس فيه، والأطراف التي قد تتأثر به، والآثار التي يمكن توقعها، والضمير الذي يمنح القرار بعده الإنساني. وبهذا تصبح الأخلاق مجالًا لا يكتفي بتحديد حدود الفعل، بل يتابع ما يحدث عندما يعبر الفعل تلك الحدود إلى الحياة.
تمهيد: حين لا يكون السؤال «هل يجوز؟» كافيًا
تبدأ أسئلة الأخلاق، في كثير من الأحيان، من سؤال يبدو حاسمًا في بساطته: هل يجوز هذا الفعل؟ وهو سؤال لا يمكن الاستغناء عنه حين يتعلق الأمر بمجال معياري يحدد حدود الممنوع والمباح، غير أن المشكلة تبدأ عندما نتصور أن الوصول إلى جواب هذا السؤال يعني أننا بلغنا نهاية المسألة الأخلاقية، لأن الفعل الإنساني لا يعيش في المجال الذي صيغ فيه الحكم عليه، ولا يبقى محصورًا في العبارة التي أجازته أو منعته، وإنما يغادرها بمجرد أن ينتقل من النص إلى الواقع، ومن التصور إلى الجسد، ومن الإرادة الفردية إلى شبكة العلاقات التي يتداخل فيها الإنسان مع غيره.
هنا بالضبط تبدأ المسافة التي تهتم بها فلسفة العبور؛ فالحكم لا يبقى حكمًا مجردًا حين يدخل الحياة، كما أن الإنسان لا يبقى ذاتًا منفردة حين يمارس ما يراه حقًا أو مباحًا، إذ إن كل فعل يعبر حدود صاحبه، ويترك أثرًا في أجساد أخرى، وفي علاقات لم تكن جزءًا من لحظة القرار، وفي بنى اجتماعية واقتصادية وثقافية أوسع من نية الفاعل نفسه. ولذلك فإن السؤال الأخلاقي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود مشروعية الفعل، بل ينبغي أن يتابع الفعل في عبوره، وأن يسأل عما يحدث له حين ينتقل من المجال المعياري إلى المجال الواقعي.
ومن هنا يمكن صياغة المسألة على نحو مختلف: ماذا يحدث للحكم عندما يعبر من النص إلى الحياة؟ وماذا يحدث للحق عندما يعبر من صاحبه إلى الآخر؟ ومتى تتحول الإباحة من وصف لمجال الفعل إلى مسؤولية عن آثاره؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن المسافة بين الإباحة والمسؤولية ليست مجرد مسافة إضافية تأتي بعد الحكم، وإنما هي مجال أخلاقي قائم بذاته؛ ففي هذه المسافة تتحول المعرفة المعيارية إلى ممارسة، وتتحول الممارسة إلى علاقة، وتتحول العلاقة إلى أثر، ويتحول الأثر بدوره إلى مسؤولية. ولذلك فإن فلسفة العبور لا تنقض الحكم ولا تستبدله، وإنما ترفض أن يتحول الحكم إلى حد نهائي يغلق التفكير؛ إذ إن الحكم، بمجرد أن يعبر إلى الحياة، يدخل في شبكة جديدة من الشروط والنتائج والعلاقات.
وبهذا المعنى، فإن السؤال «هل يجوز؟» لا يفقد قيمته، لكنه يفقد ادعاءه بأنه السؤال الأخير. فبعده يبدأ سؤال آخر: كيف أعبر بهذا الجواز إلى الواقع؟ ثم سؤال أشد عمقًا: ماذا سيحدث للآخر حين أعبر؟
أولًا: العبور من الحكم إلى الفعل - حين يغادر النص مجاله
ينتمي الحكم المعياري، في أصله، إلى مجال التجريد؛ فهو يتعامل مع فعل أو موضوع ضمن شروط وحدود ومعايير محددة، في حين تنتمي الحياة إلى مجال السيولة والتداخل، حيث لا تظهر الأفعال منفصلة عن سياقاتها، ولا تظهر الذوات منفصلة عن علاقاتها، ولا تظهر النتائج منفصلة عن شروط إنتاجها. ومن هنا فإن الانتقال من الحكم إلى التطبيق ليس انتقالًا ميكانيكيًا، بل هو عبور تأويلي.
فالحكم لا يدخل الواقع بالصورة نفسها التي كان عليها في المجال التجريدي؛ إذ يتعين على الفاعل أولًا أن يحدد الواقعة التي ينطبق عليها الحكم، وأن يتبين شروطها، وموانعها، ومناطها، ثم أن يواجه شبكة من العناصر التي قد لا تظهر في الصياغة المجردة: تفاوت القوة، الإكراه، الضرر، المرض، الخوف، الخيانة، الاعتماد الاقتصادي، المسؤوليات الأسرية، أو النتائج التي يمكن توقعها بصورة معقولة.
وهنا يظهر أحد المبادئ الأساسية في منهج العبور: لا ينتقل المفهوم من مجال إلى آخر دون أن يتغير معنى استعماله. فالحكم حين يعبر من النص إلى الواقعة لا يبقى مجرد صيغة معيارية، وإنما يدخل في بنية اجتماعية وجسدية ونفسية وتاريخية جديدة، ولذلك يصبح تطبيقه فعلًا يحتاج إلى فهم السياق لا مجرد استحضار النص.
إن معرفة الحكم إذن لا تعني بالضرورة معرفة الواقعة التي ينطبق عليها، وأن معرفة الإباحة لا تعني معرفة الكيفية الأخلاقية لممارستها. وبين الأمرين توجد منطقة كاملة من التفكير هي منطقة المناط والسياق والأثر.
ولهذا فإن اختزال الأخلاق في سؤال «هل الفعل مباح؟» قد يؤدي إلى إفقار الحكم نفسه؛ لأن الحكم لا يكتمل بمجرد استخراجه من النص، بل يحتاج إلى عبور مسؤول إلى الواقع.
ثانيًا: العبور من الأخلاق إلى السمعة - حين يصبح المهم ألا ينكشف الفعل
يكشف التفكير الأخلاقي عن مفارقة عميقة حين يصبح اهتمام الإنسان منصبًا على انكشاف الفعل أكثر من اهتمامه بطبيعة الفعل نفسه. ففي بعض البيئات الاجتماعية المحافظة يمكن أن يتحول المحظور تدريجيًا من كونه فعلًا غير مقبول في ذاته إلى كونه فعلًا لا ينبغي أن يظهر إلى العلن، وهنا ينتقل مركز الأخلاق من الفعل إلى صورته الاجتماعية.
في الأخلاق التي يصنعها الضمير، يكون السؤال: ماذا فعلت؟ أما في أخلاق الرقابة الاجتماعية، فقد يصبح السؤال: من عرف ما فعلت؟ والفرق بين السؤالين ليس بسيطًا؛ إنه فرق بين أخلاق تستمد معيارها من علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وأخلاق تستمد معيارها من عين الجماعة. فالضمير يستطيع أن يعمل في العزلة، في حين تحتاج الرقابة الاجتماعية إلى جمهور؛ ولهذا يمكن أن تنشأ أخلاق مزدوجة، واحدة أمام الآخرين وأخرى في غيابهم.
وعند هذه النقطة يصبح «الستر» مفهومًا قابلًا للانقلاب من قيمة أخلاقية إلى آلية لحماية الصورة الاجتماعية، وقد يتحول الحرص على عدم انكشاف الفعل إلى بديل عن مساءلة الفعل نفسه.
إن الخطر الحقيقي هنا ليس في وجود السمعة بوصفها قيمة اجتماعية، وإنما في أن تحل السمعة محل الأخلاق، بحيث يصبح الإنسان مشغولًا بأن يبدو صالحًا أكثر من انشغاله بأن يكون مسؤولًا. وهذا أحد أشكال العبور المنحرف: عبور الإنسان من الضمير إلى الجمهور، ومن القيمة إلى الصورة، ومن المسؤولية إلى إدارة الانطباع.
ثالثًا: العبور من الحق إلى المسؤولية - حين لا تنتهي الأخلاق عند حدود الإباحة
إذا كان الحكم يحدد في بعض الحالات مجال ما يجوز للإنسان أن يفعله، فإن الأخلاق تبدأ في مساءلة الطريقة التي يستخدم بها الإنسان هذا المجال. فالحق لا يوجد في فراغ، والحرية لا تتحقق خارج العلاقات، والإباحة لا تلغي الآخر الذي يمكن أن يتأثر بها. ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مركزية في فلسفة العبور: «كل حق يعبر أثره حدود صاحبه يستدعي مسؤولية تتجاوز مجرد إثبات مشروعية استعماله».
فالإنسان قد يمتلك حقًا، لكن ممارسة الحق تجري داخل عالم يسكنه آخرون؛ وقد يمتلك حرية، لكن الحرية لا تعني غياب النتائج؛ وقد يكون الفعل مباحًا، لكن إباحته لا تمحو آثاره. وهنا ينتقل التفكير من فقه الحق إلى أخلاق المسؤولية.
وليس المقصود بهذا الانتقال إلغاء الحق أو التضييق عليه من خارج منطقه، وإنما إدخاله في مجاله الإنساني الكامل. فالحق لا يُقاس فقط بالسؤال: هل أملكه؟ وإنما أيضًا بالسؤال: كيف أمارسه؟ وعلى من يمتد أثره؟ وهل أستطيع تحمل هذا الأثر؟
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المشروعية والمسؤولية؛ فالمشروعية تحدد المجال الذي يمكن للفعل أن يتحرك داخله، أما المسؤولية فتسأل عن كيفية الحركة داخل ذلك المجال. إنها المسافة التي يغفلها التفكير حين يتحول البحث الأخلاقي إلى مجرد بحث عن «المخرج» الذي يسمح بالفعل، بدل أن يتحول إلى بحث عن الطريقة التي تجعل الفعل أقل ظلمًا وأكثر رعاية للآخر.

رابعًا: الضمير بوصفه جهاز عبور - من الأنا إلى الآخر
في هذا السياق يمكن إعادة التفكير في الضمير بعيدًا عن اختزاله في مجرد صوت داخلي يردد قائمة من الأحكام. فالضمير، في مستواه الأخلاقي الأعمق، ليس جهازًا لتصنيف الأفعال فقط، وإنما قدرة على تجاوز حدود الذات واستحضار وجود الآخر داخل القرار.
ولهذا فإن الضمير لا يكتفي بأن يسأل: هل هذا جائز؟ بل يذهب أبعد من ذلك: ماذا سيحدث للآخر بسببي؟ هنا يصبح الضمير حركة عبور: من الأنا إلى الآخر،
ومن الرغبة إلى العلاقة، ومن الحق إلى المسؤولية، ومن الفعل إلى الأثر، ومن الحاضر إلى المستقبل.
فالذات التي لا ترى إلا رغبتها لا تزال محصورة داخل حدودها، أما الذات الأخلاقية فهي التي تستطيع أن تعبر من حدود رغبتها إلى موقع الآخر، وأن تنظر إلى الفعل من الجهة التي لا تظهر من داخل الأنا. وهذا ما يجعل الضمير، في فلسفة العبور، ليس مجرد محكمة داخلية، وإنما قدرة على الانتقال بين المواقع الأخلاقية.
أنا لا أسأل فقط: ماذا أريد؟ بل أسأل: ماذا يعني ما أريده بالنسبة لمن يقع أثره عليه؟ ولا أسأل فقط: ما حقي؟ بل أسأل: ماذا يحدث عندما أعبر بهذا الحق إلى عالم يسكنه آخرون؟
بهذا المعنى يصبح الضمير بنية حركية لا بنية ساكنة، لأنه لا يتحقق إلا في القدرة على مغادرة المركز الذاتي واستحضار الآخر، وعلى إدخال المستقبل في الحاضر، وعلى رؤية النتيجة قبل أن تصبح واقعة.
خامسًا: من «هل يجوز؟» إلى «ماذا سيحدث؟» - انتقال مركز السؤال الأخلاقي
لا ينبغي استبدال سؤال الجواز بسؤال النتائج على نحو يلغي الأول؛ فذلك سيقود إلى اختزال الأخلاق في نوع من الحساب النفعي الذي يجعل كل حكم تابعًا لما ينتج عنه. لكن المطلوب هو توسيع المجال الأخلاقي بحيث لا يكون الحكم نقطة النهاية. لذلك يمكن بناء سلسلة من الأسئلة المتدرجة: هل يجوز أن أفعل؟ ثم ماذا سيحدث إذا فعلت؟ ثم من سيتأثر بهذا الفعل؟ ثم: ما الذي يمكنني توقعه من آثاره؟ ثم: هل أستطيع تجنب الضرر أو تخفيفه؟ وأخيرًا: هل أقبل أن أكون مسؤولًا عن هذا الأثر؟ إن هذا التدرج لا ينقل الأخلاق من الحكم إلى النتيجة فحسب، وإنما ينقلها من القرار الفردي إلى شبكة العلاقة.
ومع ذلك، فإن المسؤولية عن الأثر لا تعني تحميل الإنسان كل نتيجة تترتب على فعله، لأن العالم أكثر تعقيدًا من أن تكون كل نتائجه قابلة للتنبؤ أو السيطرة. ولذلك ينبغي أن تتحدد المسؤولية بقدر ما كان الأثر متوقعًا، وبقدر القدرة على تجنبه أو تخفيفه، وبقدر اتصاله بحقوق الآخرين ومصالحهم الأساسية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم قابلية التوقع الأخلاقي: فليس الإنسان مسؤولًا عن كل ما يحدث، لكنه مسؤول عن عدم تجاهل ما يستطيع أن يعرفه قبل أن يفعل. إن الأخلاق تبدأ، في هذا المستوى، حين يصبح المستقبل حاضرًا في لحظة القرار.
سادسًا: حين يعبر الحكم إلى الجسد - من النص إلى المعرفة الطبية
يظهر هذا التحول بوضوح أكبر في المسائل التي لا يبقى فيها الفعل داخل المجال النظري، وإنما يعبر مباشرة إلى الجسد، وفي قضايا العلاقات الجنسية، والصحة الإنجابية، والعدوى، والحمل، والمرض.
فالحكم قد يصوغ مجالًا معياريًا للفعل، لكن الفعل حين يتحقق لا يحدث في النص، وإنما يحدث في الجسد، والجسد لا يستقبل الفعل بوصفه مفهومًا فقهيًا، وإنما بوصفه واقعة لها نتائج بيولوجية ونفسية وصحية. وهنا يدخل العلم لا بوصفه بديلًا عن الدين، وإنما بوصفه معرفة بالمجال الذي سيعبر إليه الحكم.
فالمعرفة الطبية لا تجيب وحدها عن سؤال المشروعية، كما أن الحكم المعياري لا يقدم وحده معرفة كافية بالمخاطر الصحية. إن المجالين مختلفان، لكنهما يلتقيان في الإنسان الذي يحتاج إلى أن يمارس قراره داخل واقع حقيقي.
وهذا هو معنى العبور العابر للمجالات: ألا تُستخدم المعرفة الدينية لإلغاء المعرفة الطبية، ولا تُستخدم المعرفة الطبية لإلغاء المجال القيمي، وإنما يُعاد تركيب العلاقة بينهما في مستوى المسؤولية.
فإذا عرف الإنسان أن ممارسة معينة يمكن أن تحمل خطرًا صحيًا متوقعًا، فإن هذه المعرفة تصبح جزءًا من مسؤوليته في كيفية ممارسة ما يراه مباحًا. وهنا لا تصبح المعرفة الطبية حكمًا فقهيًا، لكنها تصبح عنصرًا في تكوين الضمير المسؤول. إن السؤال لم يعد فقط: هل أستطيع أن أفعل؟ بل هل أعرف ما قد يفعله هذا الفعل بالجسد؟
سابعًا: من الحكم إلى البنية - حين تدخل السلطة الاجتماعية في الفعل
غير أن الجسد نفسه لا يعيش منفصلًا عن السلطة. فالفعل الذي يبدو في الظاهر قرارًا فرديًا قد يكون، عند تحليله اجتماعيًا، جزءًا من شبكة غير متكافئة من القوة والموارد والقدرة على التفاوض.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في قضية التعدد، حيث لا يكفي أن يُطرح السؤال في صورته الفقهية المجردة: هل يملك الرجل حق التعدد؟ لأن هذا السؤال، مهما كانت أهميته داخل مجاله، لا يستنفد السؤال الاجتماعي والأخلاقي المتعلق بكيفية ممارسة هذا الحق.
ينبغي أن نضيف إليه: كيف تتوزع القدرة على اتخاذ القرار؟ هل يمتلك الطرفان القدرة نفسها على الرفض؟ هل يمتلكان الموارد الاقتصادية والاجتماعية نفسها؟ هل يمكن للطرف الأضعف أن ينسحب من العلاقة دون أن يتحمل تكلفة لا يستطيع تحملها؟ وهنا ينتقل التحليل من الحكم إلى البنية، ومن الفقه إلى الاجتماع، ومن الفعل الفردي إلى اقتصاد القوة.
وهذا لا يعني أن كل ممارسة للتعدد هي بالضرورة ممارسة سلطوية، ولا أن الحكم ذاته يفسر البنية الاجتماعية التي تحيط به، وإنما يعني أن تطبيق الحكم داخل مجتمع معين قد يتفاعل مع بنى قوة قائمة، وأن تجاهل هذه البنى قد يجعل القراءة الأخلاقية للفعل ناقصة.
فالفعل الواحد قد يكون من حيث صورته الخارجية واحدًا، لكنه قد يختلف أخلاقيًا بحسب درجة الحرية والتكافؤ والقدرة على التفاوض التي تحيط به. وهنا تظهر أهمية منهج العبور في الانتقال من سؤال الحكم إلى سؤال شروط ممارسته.
ثامنًا: حين يتحول المباح إلى امتياز - من المعيار إلى اقتصاد القوة
قد لا تكون المشكلة في الإباحة من حيث هي إباحة، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تستثمر بها الإباحة داخل بنية اجتماعية غير متكافئة. وهنا يظهر مفهوم يمكن أن نطلق عليه اقتصاد الإباحة: أي الكيفية التي تتوزع بها القدرة الفعلية على استعمال ما هو مباح.
فالإباحة القانونية أو الفقهية قد تكون متساوية من حيث الصياغة، لكنها لا تكون بالضرورة متساوية من حيث القدرة على ممارستها. هناك من يمتلك المال، والمكانة، والاستقلال، والقدرة على الانفصال، وهناك من لا يمتلك شيئًا من ذلك.
ومن هنا لا يكفي السؤال: لمن يثبت الحق؟ بل ينبغي أن نضيف: من يستطيع استعماله فعلًا؟ ومن يتحمل كلفة استعماله؟ في هذه النقطة يتحول المباح من مفهوم معياري إلى ظاهرة اجتماعية، ويصبح علينا أن نميز بين المساواة في الحكم والتكافؤ في القدرة على التعامل مع آثاره.
وهذا أحد أهم انتقالات فلسفة العبور؛ فالحد المعياري لا يعيش وحده، وإنما يدخل في بنية اجتماعية قد تعيد توزيع القوة داخله. ومن هنا فإن النقد لا ينبغي أن يتجه مباشرة إلى الحكم، كما لا ينبغي أن يتوقف عنده، بل عليه أن يفحص البنية التي تستثمر الحكم، والكيفية التي يمكن أن تتحول بها الإباحة إلى امتياز، والحق إلى أداة قوة، والمشروعية إلى وسيلة لتثبيت علاقة غير متوازنة.
تاسعًا: الطفل بوصفه الآخر الذي لم يشارك في القرار
تكتسب المسؤولية الأخلاقية مستوى أكثر تعقيدًا حين يدخل الطفل في شبكة الأثر، لأن الطفل هنا يمثل صورة خاصة من صور الآخر: الآخر الذي لم يشارك في صناعة القرار، لكنه قد يتحمل بعض نتائجه.
وهذه النقطة تكشف حدود التصور الفرداني للحق؛ فالقرار الذي يتخذه البالغون لا ينتهي عند أجسادهم وعلاقاتهم، وإنما يمكن أن يمتد إلى المجال الأسري الذي يعيش فيه أشخاص آخرون لم تكن لهم قدرة على الاختيار. وهنا يظهر مفهوم الأثر العابر للأجيال.
فالفعل لا ينتهي بالضرورة عند لحظة حدوثه، وقد لا ينتهي حتى عند الأشخاص الذين شاركوا فيه، بل يمكن أن ينتقل أثره إلى المستقبل، إلى طفل سيولد داخل وضع لم يختره، أو إلى أسرة ستعيد تنظيم حياتها حول قرار لم تشارك في اتخاذه.
إن هذا لا يعني أن كل أثر على الطفل يساوي ظلمًا، ولا أن كل قرار عائلي يجب أن يخضع لمعيار واحد، وإنما يعني أن المسؤولية الأخلاقية لا ينبغي أن تحصر دائرة الاعتبار في الأشخاص الذين كانوا حاضرين في لحظة القرار.
وهنا تعبر الأخلاق من أخلاق الحاضر إلى أخلاق المستقبل. فالضمير المسؤول لا يرى فقط من يقف أمامه، بل يرى أيضًا من سيظهر لاحقًا داخل مجال الأثر. ومن ثم فإن الإنسان لا يكون مسؤولًا فقط عما اختاره، وإنما بدرجة ما عما أدخل الآخرين فيه دون أن يمنحهم إمكانية الاختيار.
عاشرًا: من أخلاق الفتوى إلى أخلاق الضمير - لا إلغاء الحكم بل استكماله
ليس المقصود، في النهاية، إقامة تعارض بين الفتوى والضمير، ولا بين الشريعة والأخلاق، وإنما إعادة توزيع الوظائف داخل العملية الأخلاقية. فالفتوى، حين تكون في مجالها، تجيب عن سؤال يتعلق بالحكم: ما الذي يدخل في دائرة المنع أو الإباحة وفق شروطه؟
لكن الضمير لا يستطيع أن يتوقف عند هذه النقطة، لأن وجود الإنسان داخل دائرة المباح لا يعفيه من التفكير في الطريقة التي يتحرك بها داخلها.
ولهذا يمكن أن نقول: الفتوى تحدد مجال الإباحة، أما الضمير فيحدد مستوى المسؤولية داخل هذا المجال. وهنا يصبح الضمير مسؤولًا عن مجموعة من الأسئلة التي لا تختزل في التصنيف الفقهي: هل أستطيع أن أفعل دون أن أظلم؟ هل أمتلك معلومات كافية عن النتائج التي يمكن توقعها؟ هل الطرف الآخر قادر على الاختيار بحرية؟ هل أخفي عنه معلومة لو عرفها لأعاد النظر في قراره؟ هل أستعمل الحق لحماية كرامتي وحريتي، أم أستعمله لتبرير رغبتي؟ هل أستطيع تحمل ما سينتج عن قراري؟ هل توجد طريقة أقل ضررًا لتحقيق الغاية نفسها؟ هذه الأسئلة لا تلغي الحكم، وإنما تمنع تحوله إلى نهاية للتفكير.
إنها تعيد الإنسان إلى موقعه بوصفه كائنًا عابرًا: لا يعيش داخل حكم واحد، ولا داخل لحظة واحدة، ولا داخل ذاته وحدها، وإنما يتحرك بين النص والواقع، وبين الحق والأثر، وبين الحاضر والمستقبل.
في النهاية يمكن اختصار الحركة التي حاولت هذه الدراسة تتبعها في انتقال فلسفي واحد: الانتقال من سؤال الجواز إلى سؤال المسؤولية. فليس كل ما يقع في دائرة الإباحة متساويًا في قيمته الأخلاقية، وليس كل ما لم يدخل دائرة التحريم قد خرج من مجال الضمير؛ لأن بين الحرام والمباح مجالًا واسعًا تتحرك فيه الأخلاق، وفيه يظهر الفرق بين إنسان يبحث عن الحد الأدنى الذي يسمح له بالفعل، وإنسان يسأل عن الحد الأعلى الذي يستطيع أن يبلغه من المسؤولية والرعاية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.