فلسفة العبور: الإنسان كائن العبور بين الضعف والإمكان والمسؤولية

ليس السؤال الذي يلاحق الإنسان منذ أن بدأ يفكر: «ما الإنسان؟» سؤالًا عن ماهية يمكن العثور عليها ثم إغلاق باب البحث. فالإنسان، في فلسفة العبور، لا يُفهم بوصفه شيئًا مكتملًا ينتظر منا أن نكتشف تعريفه، بل بوصفه كائنًا لا يتوقف عن الانتقال من صورة إلى أخرى، ومن إمكان إلى إمكان، ومن ضعف إلى قدرة، ومن جهل إلى معرفة، ومن اغتراب إلى حضور.

لهذا فإن محاولة القبض على الإنسان في تعريف نهائي قد تكون أول أشكال إساءة فهمه.

فالإنسان يولد ناقصًا، محدود القدرة، معتمدًا على غيره، لا يعرف اللغة التي سيتكلم بها، ولا القيم التي سيؤمن بها، ولا العالم الذي سيعيش فيه. لكنه يحمل داخل هذا النقص قدرة غريبة على تجاوز ما هو عليه. إنه الكائن الذي لا يكتفي بأن يكون؛ بل يستطيع أن يسأل عن كينونته، وأن يعيد تشكيل نفسه، وأن يغير محيطه، وأن يترك في العالم أثرًا لم يكن موجودًا قبله.

ومن هنا تأتي المفارقة المؤسسة للإنسان: ضعفه هو الذي يفتح إمكانه.

فالإنسان لا يعبر لأنه قوي، بل لأنه غير مكتمل. ولو كان مكتملًا لما احتاج إلى المعرفة، ولا التربية، ولا الأخلاق، ولا الفن، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الفلسفة. إن كل هذه الممارسات ليست إلا أشكالًا مختلفة من العبور.

العبور بوصفه جوهر التجربة الإنسانية

الطفل يعبر إلى اللغة، والمتعلم يعبر إلى المعرفة، والمريض يحاول العبور إلى العافية، والمجتمع يعبر من الفوضى إلى التنظيم، والفنان يعبر من التجربة الغامضة إلى الشكل، والفيلسوف يعبر من السؤال الموروث إلى السؤال الذي يصنعه بنفسه.

ولهذا لا يكون العقل امتيازًا يجعل الإنسان سيدًا مطلقًا على العالم، وإنما أداة للعبور. العقل لا يمنح الإنسان القدرة على امتلاك الحقيقة كلها، بل يمنحه القدرة على مراجعة ما ظنه حقيقة، وعلى اكتشاف حدود معرفته، وعلى فتح الطريق نحو ما لم يعرفه بعد.

وهنا يصبح التكريم الإنساني مختلفًا عن فكرة التفوق.

كرامة الإنسان لا تعني أنه مركز الكون الذي يخضع له كل شيء، ولا تعني أنه قادر على إخضاع الطبيعة بلا حدود؛ فالإنسان الذي يستطيع أن يبني مدينة لا يستطيع أن يأمر الزلزال بالتوقف الذي يسيطر على الحيوان بالتدريب قد يعجز أمام كائن صغير الذي استطاع أن يصل إلى الفضاء ما زال عاجزًا عن تأجيل موته.

إن عظمة الإنسان ليست في أنه لا يعرف الضعف، بل في أنه يعرف أنه ضعيف ثم يحاول أن يتجاوزه دون أن ينكر محدوديته.

لهذا فإن الاستخلاف، إذا أُعيد التفكير فيه من منظور العبور، لا يعني امتلاك الأرض، بل تحمل المسؤولية داخلها. فالإنسان لا يقف خارج العالم بوصفه سيدًا له؛ إنه كائن يعيش في شبكة من العلاقات مع الإنسان والطبيعة والزمن والمجتمع. وما يسمى «تسخيرًا» لا ينبغي أن يتحول إلى ترخيص بالاستنزاف، بل إلى مسؤولية عن الطريقة التي نستخدم بها ما أتيح لنا.

إن الإنسان الذي يحول الطبيعة إلى مجرد مادة للاستهلاك قد يكون قد امتلك تقنية أقوى، لكنه لم يصبح بالضرورة إنسانًا أفضل. وهنا تبدأ الأخلاق.

الأخلاق في فلسفة العبور

الأخلاق، في فلسفة العبور، ليست مجرد قائمة من الأوامر والنواهي، وإنما السؤال عن الاتجاه الذي يصنعه الفعل في الإنسان. فكل فعل يترك أثرًا في العالم، لكنه يترك أثرًا في فاعله أيضًا. الكذب لا يغير الحقيقة الخارجية وحدها؛ إنه يعيد تشكيل الذات التي اعتادت الكذب. والظلم لا يؤذي المظلوم فقط؛ إنه يحول الظالم إلى ذات أكثر قسوة. والرحمة لا تنفع الآخر وحده؛ إنها تعيد تشكيل من يمارسها.

لذلك يمكن أن نسأل في كل فعل: إلى أي إنسان يعبر هذا الفعل بي؟

وهذا السؤال ينقل الأخلاق من مجرد الامتثال إلى التحول.

ومن هنا تنشأ «البوتيقيا» بوصفها أخلاق الممارسة: كيف تتحول القيمة إلى سلوك داخل العالم؟ الطبيب لا يطبق مبدأ أخلاقيًا مجردًا فحسب، بل يتعامل مع إنسان يعبر تجربة الألم والمرض. والمعلم لا ينقل المعرفة فقط، بل يشارك في انتقال الإنسان من العجز المعرفي إلى القدرة. والقاضي لا يطبق النص وحده، بل يشارك في تحويل النزاع إلى عدالة. والسياسي لا ينبغي أن يدير السلطة فقط، بل أن يجعل المجتمع قادرًا على الانتقال من حالة إلى أخرى دون أن يتحول الانتقال إلى عنف أو استبداد.

العبور في الفن والدين والهوية

حتى العمارة يمكن أن تدخل في هذا المنظور. فالمبنى ليس كتلة تستقر في المكان فحسب؛ إنه ينظم حركة الإنسان داخله، ويغير علاقته بالضوء والفضاء والجسد والآخر. ومن هنا يمكن فهم القيمة الفلسفية العميقة لبعض تجارب العمارة الحديثة، ومنها تجربة زها حديد: حين يتحول الخط إلى حركة، والحركة إلى فضاء، والفضاء إلى تجربة، يصبح الشكل وسيلة لإعادة تنظيم الإدراك.

وهنا يتصل الجمال بالعبور. فالجمال ليس خاصية ثابتة تسكن الشيء، وإنما قدرة على إحداث انتقال في الناظر: أن يرى ما اعتاد رؤيته بطريقة لم يره بها من قبل. العمل الفني العظيم لا يضيف شيئًا إلى العالم فحسب؛ إنه يغير الطريقة التي يظهر بها العالم لنا.

والدين أيضًا يمكن أن يُقرأ من هذا الأفق، لا بوصفه امتلاكًا بشريًا للمطلق، وإنما بوصفه علاقة الإنسان بما يتجاوز قدرته على الإحاطة. فالمشكلة لا تبدأ حين يؤمن الإنسان بالمطلق، وإنما حين يحول فهمه المحدود للمطلق إلى امتلاك نهائي له، ثم يمنح تفسيره سلطة لا تقبل المراجعة.

في هذه النقطة يصبح الفرق بين المطلق وتمثيل الإنسان للمطلق ضرورة فلسفية وأخلاقية. الله -سبحانه وتعالى- ليس هو التفسير الذي صنعه الإنسان عنه، ثم إن الحقيقة ليست ملكًا لمن يزعم امتلاك تفسيرها.

وهذا يفتح مجالًا للاهوت العبور: إيمان لا يلغي العقل، وعقل لا يدَّعي امتلاك المقدس، وتديُّن لا يحول الوسيط البشري إلى صنم.

إن الإنسان، بهذا المعنى، لا يعيش داخل هوية واحدة مغلقة. هو يعبر بين ذواته، وبين ماضيه ومستقبله، وبين انتمائه وحريته، وبين حاجته إلى الجماعة ورغبته في التفرد. والخطر يبدأ حين تتحول الهوية من نقطة عبور إلى جدار؛ حين يصبح الانتماء نهاية التفكير، ويصبح الموروث مانعًا من السؤال، ويصبح المقدس ذريعة لإغلاق إمكان الإنسان.

لذلك فإن الحرية ليست مجرد التحرر من قيد خارجي، بل القدرة على إعادة فتح ما أغلقته العادة في داخلنا.

الإنسان بوصفه مشروعًا مفتوحًا

والفلسفة، في النهاية، ليست جوابًا نهائيًا عن الإنسان، بل ممارسة لإبقاء السؤال حيًّا.

فالإنسان الذي يظن أنه وصل قد بدأ يتجمد، أما الإنسان الذي يعرف أنه في طريقه فقد أبقى إمكان التحول مفتوحًا.

ومن هنا يمكن أن نصوغ أطروحة فلسفة العبور:

الإنسان كائن ضعيف، لكنه ليس محكومًا بضعفه؛ وكائن محدود، لكنه قادر على تجاوز حدوده؛ وكائن غير مكتمل، ولذلك يستطيع أن يتطور.

إنسان العبور لا يعبد قوته، ولا يحتقر ضعفه. لا يجعل نفسه إلهًا، ولا يحول عجزه إلى قدر مغلق. إنه يقف بين الاثنين: يعرف محدوديته، ويستثمر إمكانه، ويتحمل مسؤولية ما يفعله بهذا الإمكان.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأعمق: ما الإنسان؟

بل: إلى أي إنسان يستطيع الإنسان أن يعبر؟

وعند هذه النقطة تتحول الأنثروبولوجيا إلى أخلاق، والأخلاق إلى ممارسة، والممارسة إلى سياسة، والسياسة إلى مسؤولية، والدين إلى علاقة بالمطلق، والجمال إلى تحول في الإدراك.

وهكذا لا يعود الإنسان نقطة ثابتة في العالم، بل يصبح جسرًا بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون.

إنه، في أعمق تعريف له، كائن العبور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة