التسويف المقنع: كيف تبدأ بالمتاح وتحقق المستحيل؟

لنبدأ في هذا المقال خوض معركة لقتل الـ«التسويف المُقنَّع». «إذا أعطاك اللّٰه القُدرة على الفعل، فلا يحق لك ألا تفعل، وإذا قدر لك اللّٰه ما هو متاح حولك فقط الآن، فلا تُضعف نفسك بانتظار المزيد، لأنه يرى أن في هذا كل ما تحتاجه في الوقت الحاضر، فلا ينبغي أن تُذل نفسك بنظرتك لغير الموجود، وانتظارك للمزيد، وادعاء أن الموجود معك الآن لا يكفي».

فإن الاستثمار يعتمد على تنمية الموجود لزيادته وخلق ما هو غير متاح بالمتاح، وفي هذا السياق أتحدث عن القُدرة وكسر قيد الانتظار. تُعد المقولة التي نحن بصددها دستورًا أخلاقيًا نفسيًا وعمليًا لبناء الذات وتعمير الأرض، وهي تخاطب العقل أيضًا، الذي غالبًا ما يقع في فخ نقص الإمكانيات، وانتظار الوقت المناسب، والاستعداد الكافي، وغيرها من الفخاخ التي تُغرق العقل في تفكير منطقي، لكن في أشياء لا تحتاج إلى الكثير منه.

مؤكدةً أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في «ما يفعله الآن بما يملك»، لا في «ما يتمنى أن يكون عليه». والآن إليك دعوة صريحة للتحرر من قيود وهم التخطيط، والانتقال من مربع العجز والانتظار إلى ساحة الفعل والتمكين.

البدء بما تملكه الآن -حتى لو كان محدودًا- هو الشرط العملي لكسر التسويف، إذ يفتح الحركة التي تولّد فرصًا وإمكانات أكبر لاحقًا.

مسؤولية القدرة وواجب الفعل

فعندما يمنح الله الإنسان قُدرةً ما، سواء كانت مهارة يدوية، أو فصاحة لسان، أو حتى وقتًا فائضًا، أو غيره، فإن هذه القُدرة ليست مجرد صدفة عابرة، بل هي «أمانة» و«نعمة» تستوجب الأداء والعطاء. المقولة تؤكد بصرامة: «إذا أعطاك الله القُدرة على الفعل فلا يحق لك ألا تفعل».

إن الامتناع عن الفعل مع وجود القُدرة هو نوع من أنواع تعطيل النعم، وربما عدم تقديرها أو الاستهانة بها؛ فالطاقة المعطلة داخل الإنسان تتحول بمرور الوقت إلى إحباط وشعور بالذنب، لأن الروح تدرك فطريًا أنها خُلقت لتُنتج، ولم يخلق اللّٰه روحًا إلا وأعطاها قُدرة على شيء ما.

إن الحياة لا تمنح غنائمها للمنتظرين على أرصفة الأماني، لكنها تقدمها لأولئك الذين فهموا أن القُدرة هي «إذن رباني» بالانطلاق، وأن الانتظار هو هدر لفرص قد لا تتكرر بنفس الشروط مرة أخرى. احذر الكذب على نفسك، وأن تدعي أنك من الصابرين الذين بشرهم اللّٰه، ولكنك من المنتظرين، والفرق يمكنك رؤيته في واقع الحياة؛ فالفرق واضح وبين بين «المنتصرين والمنتظرين».

وهم «الظروف المثالية» وفخ الشروط

يعاني الكثير من الشباب وحتى المبدعين من معضلة «سأبدأ عندما...».

سأبدأ مشروعي لكن بشرط أن أملك رأس مال محدد، سأكتب ما أريد أن يكون كتابًا يجسد فلسفتي لكن بشرط عندما أجد العزلة التامة، سأبدأ عملي الخاص لكن بشرط عندما أشتري أحدث حاسوب، سوف أتعلم ما اخترته في مجال محدد لكن بشرط عندما يتوفر المال الكافي لأغلى كورس أو دورة أو غيرها، وهكذا.

هذه الشروط في الحقيقة مفتاح باب الراحة وتبرير الانتظار، إنها «هروب ناعم» من مواجهة الواقع.

القول بكلمتي «إذا كان وإذا حدث» هو عيش في الماضي، والأخرى عيشٌ في المستقبل؛ هذه مغالطة يقع فيها العقل، أو يوقعك فيها، فتخرج من الحاضر، تتحسر على الماضي، وتشعر بالعجز عن المستقبل.

والقاعدة المنطقية في هذا السياق أن تقول: «أعطاك الله ما هو متاح الآن، إذن فهو كل ما يرى أنك تحتاجه للخطوة الأولى أو البداية، والمزيد يكون في الخطوة التالية، عندما تنتهي من استثمار ما لديك الآن».

فكر في «ما هو حولك فقط الآن، فلا تُضعف نفسك بانتظار المزيد»، و«فكر في ما تريد وليس فيما لا تريد»، «انظر للإمكانات وليس العقبات». ومع ذلك، أنا لست متفائلًا لدرجة تجاهل الصعوبات، لكن كون المُسميات أكثر واقعية يجعل الحماس يلتهب داخلك، كأن تقول لنفسك: ليس لدي عقبات، ولكنها تحديات.

البدء بالمتاح هو الاختبار الحقيقي للصدق مع النفس. إن الذكاء ليس في إدارة «الوفرة»، بل في فن إدارة «الندرة». عندما تستخدم الأدوات البسيطة الموجودة في يدك الآن، فإنك تُدرب عقلك على الابتكار والحلول الإبداعية.

إن الذكاء ليس في إدارة «الوفرة»، بل في فن إدارة «الندرة»

الانتظار يُضعف العزيمة ويجعل الإنسان رهينة لظروف خارجية لا يملك السيطرة عليها، في حين أن البدء بالمتاح ينقل زمام السيطرة إلى يدك أنت، ويحولك من مفعول به إلى فاعل، والفرق ربما بدأت تشعر به الآن.

عزة النفس ورفض استجداء الظروف

من أخطر وأعمق ما ورد في المقولة هو الربط بين نظرة الإنسان «للمزيد» وبين «ذلة النفس». تقول: «لا ينبغي أن تُذل نفسك بنظرتك للمزيد وادعاء أن الموجود معك الآن لا يكفيك».

عندما تدعي أن ما تملكه لا يكفي للبداية، فأنت في الحقيقة تزدري عطاء الله لك، وتضع نفسك في مقام المسكين المستجدي لظروف لم تأتِ بعد؛ هذا الشعور بالنقص الدائم يكسر عزة النفس، ويجعل الشخص يبدو عاجزًا أمام الآخرين وأمام مرآة نفسه، ويفتح باب لوم الظروف والحكم على الآخرين، والانشغال بالخارج أكثر من الداخل.

إن الرضا بما هو متاح لا يعني القناعة بالبقاء فيه، بل يعني الثقة المطلقة بأن هذا «الموجود» هو البذرة الكافية واللازمة لتصبح شجرة كبيرة، لكنها تحتاج رعاية واهتمامًا والتزامًا؛ فالإنسان العزيز هو من يصنع من القليل كثيرًا بجهده، لا من يقضي عمره يشتكي قلة الكثير. الفرق بين النية والأُمنية، فالأولى يُثبتها الفعل، والثانية لا يُثبتها شيء.

قانون «البركة في الحركة»

التاريخ البشري يدل على أن أعظم الشركات، وأرقى المؤلفات، حتى أقوى الإمبراطوريات بدأت من «المتاح»، وكما يقول العصاميون: من الصفر.

لم ينتظر العظماء المجد، بل بنوه من لا شيء، ولم ينتظر الرسام اكتمال المشهد، بل رسم الصورة خطًا بعد الأول، والعلماء لم ينتظروا العلم، بل سعوا إليه، ومارس الجميع التجربة الأولى، وهي مفتاح باب التحرر.

البداية بالمتاح تُولد طاقة جذب للمزيد، فعندما يرى الله (والعالم من حولك) أنك استثمرت الإمكانيات المتواضعة «كما ترى» بذكاء وإخلاص، ستُفتح لك أبواب الإمكانيات الكبرى تلقائيًا؛ لأنك أثبتَّ جدارتك بإدارة الموارد، وهذا ليس فقط قانون النجاح بل الحياة.

قديمًا قالوا في الحركة بركة.. إن البركة لا تنزل على السكون، بل تحل على السعي والحركة، وعندها يكون السعي بمعناه الحقيقي، وهو بذل الجهد بإيمان، وليس الإيمان فيما تملك، ولكن في خالق ما تملكه وخالقك.

الآن.. ميثاق البداية بالمتاح

إن نجاحك ليس مرهونًا بما ستحصل عليه غدًا، بل بما ستفعله بما تملكه اليوم. لا تجعل عينك تزيغ نحو «ما ليس عندك» فتفقد قيمة وبركة «ما عندك».

الحقيقة هي أن القُدرة التي تملكها في هذه اللحظة والآن هي رأس مالك الحقيقي، والمتاح حولك هو ساحة معركتك التي يمكنك أن تنتصر فيها، فلا تفكر في معركتك التالية وأنت لم تنتهِ من الأولى أو ربما لم تبدأها بعد، وتذكر أن الآن هو دائمًا الوقت المناسب، وما تملك هو ما يكفيك قبل أن تنتقل إلى ميادين أكبر.

ابدأ الآن، بالقُدرات التي تملكها، ومن النقطة التي تقف عليها، وفي الوقت الحالي، وستجد أن الطريق يُمهد نفسه أمام الساعين الصادقين المؤمنين، الذين لم يُذلوا أنفسهم بانتظار «المزيد» الواهم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة