فلسفة الحرية

الحرية لا تعني الفوضى أوالضرورة، وإنما تعني إطلاق سراح الطاقات الخلاقة على النحو الذي يحيل العوائق إلى وسائط، ويتخذ من الضرورات أدواتٍ للحرية.

والحرية بدورها هي التوازن بين الأضداد، والتناغم بين الاختلافات، والتآلف بين الجمال والمنفعة والتجانس بين الروح والمادة.

هذه السطور من كتاب أعلام التنوير توضّح لنا مفهوم الحرية الحقيقي، الحرية ليست أن تفعل ما تريد في أي وقت ومكان، لكنّ الحرية هي حدود، الحرية للمرء يجب أن تخضع لقوانين تضبطها. 

الحرية مثل الشعر يُكتب من وحي الإحساس مضافاً إليه الخيال، ولكن بصور بلاغية، محددٌ بأوزان وقوافٍ لضبطه حتى لا ينحرف عن معناه الأصلي وهو الشعر.

هكذا هي حرية الإنسان، فهو متاح له كل شيء بقوانين - ليست القوانين الدولية وحقوق الإنسان -، لكن هي قوانينُ وقيمٌ يضعها الإنسان لنفسه لضبطه، حتى لا ينحرف فيذهب إلى جنس آخر لا يتوافق مع إنسانيته.

فمثلاً إذا قلنا إنّ هناك إنسان وجد متعةً في قتل البشر، وبرّر لنفسه هذا، وقال: "أنا حر في قتل البشر، هذه حريتي"، فبهذا قد فعل ما يريد، ولكن نقص عنصر هام لوجود الحرية وهو القيم التي تضبط الإنسان، ولعدم وجود هذه القيم اختلّ هذا الإنسان، وفقد إنسانيته، وتحوّل الحيوان الذي خلقه الله يقتل باقي الحيوانات؛ ليعيش مثل الأسد الذي يقتل فريسته، فلا نسمّي الأسد وحشاً، ولكننا نعلم أن الأسد يجب عليه القتل.

الحرية هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة، طبيعة حرة خلاقة، وكلّ عامل من عوامل الطبيعة له قانون، هل يوماً رأيت البحر مكان اليابس؟ أو وجدت نباتاً وجد قبل أن يكون بذرة ويوضع في الأرض، ويفعل العمليات الطبيعية لكي يكبر ويصبح نباتاً كبيراً، إنّ كل هذه الأشياء حرة، وضع لها الله قانوناً لكي تكون متناغمة مع باقي عناصر الكون، ليصبح أمامنا هذا الكون الضخم، وإذا اختلّ عنصر واحد من عناصر الطبيعة ينهار الكون.

كما النوتة الموسيقية، فكلّ مؤلف موسيقي له الحرية في اختيار ما يعزف، ولكن عند كتابة ما يعزف فهناك قوانين لكي يكتب حتى تكون متناغمة، فإذا رأى أيُّ عازف آخر المكتوب يستطيع أن يعزف.

الحرية هي فعل الصحيح في الوقت الصحيح.

الحرية هي دستور الإبداع الإلهي المحيط بكل شيء، وهي فلسفة الفلسفات في هذا الوجود، وسر الجمال، يجب أن تجمع الحرية بين انطلاق الروح وتقييد القانون.

قبل البدء في الرحلة يجب تحديد الطريق الذي تنوي السير فيه، هل هذا معناه تقييد لحريتك؟

لا يوجد مكان خالٍ من الحرية حتى السجون، والعزلة، والنفي، إننا نرى علماء وأدباء وشعراء قالوا وأظهروا أروع إبداعاتهم في السجون والاعتقالات وفي أقصى أوقات كبت الرأي.

الحرية ليست أن تخلع ملابسك، وتتظاهر في الشوارع كما نشاهد في بلدان أوروبا، ولكن الحرية هي وأنت مرتدٍ لملابسك، أو كنت في السجن تشعر أنه لا شيء يكتفك.

حتى وأنت مقيّدٌ بالأغلال حرٌّ؛ لأن الحرية ليست للجسد، ولكنها للفكر والروح.

الحرية لا يمكن أن يمنحها لك رئيس أو حكومة، الحرية تعطيها أنت لنفسك بالعلم والتثقف والمعرفة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.