قصة مع الخيال: عن الحرية والوحدة وفلسفة العجز الدائم

وضعت كأسها على الطاولة التي تلامسني، بعد أن ارتشفت منه رشفة أغرت بها شفتيَّ، أكملت حديثها عن الموضة، عن الحب، عن العالم. تطرَّقنا إلى الحرية، إلى العلم التام بماهية قول أحدهم بأنه حر، ولكنه ليس كذلك، وددت لو أُبين لها كم أن الحرية غالية، والصبر قاسٍ، والطريق طويل، وددت لو أستفيض.

لسنا أحرارًا بما تعني الكلمة قط، لكل منا ما يشوبه.

رمقتني بنظرة غائرة.. قدمت لي كأسًا.. أتشرب؟! شكرًا ليست نوعي.. أشارت أن أكمل، لم أنتظرها.. كحريتك تمامًا هذه ولكن الكأس يقيدك، والشرب هاجس لا فرار منه. أتعي كلامي؟! لم تغيِّر هيئتها، رأيتها بذلك الخصر المرسوم ويديها تتوسطه.

شعرها الغجري.. وجنتيها الناعمة.. عينيها الساحرتين، ثمة أمر غريب بوجهها لم أفهمه.. وقفت أحاذيها، مسكت الكأس بيدي، نظرت بعيدًا.. أترين ذلك الهدوء هناك؟! إنه عكس ما يظهر.. أتعلمين أنهم ينادون بحرية القدس، ونسوا أنفسهم، والجميع محتل بمسميات أخرى!

رمقت النافذة على حين غرة.. آه، أرى أن كلامك عميق يا رجل ليس له معنى.. نعم وأنا كذلك، ولا أفهمه أحيانًا، ولا يعنيني ما تفهمينه، مدت لي ذراعيها وكأنها مدتها بوادٍ غير ذي زرع. لم أكترث.. أتعلم بأن هذا الكون عبثي؟! مثلُك تمامًا بشعرك الرث الطويل، ولحيتك المهندمة التي لا تتناسب مع الموقف.

أتغازلينني؟! لا يعنيني فيروس كورونا ولا تعنيني السياسة، ولا يعنيني الكون. أنا مثل الجميع لا أستطيع فعل شيء، أريد الكثير بلا بذل، ما أتقنه هو الشعور بالعجز الدائم والكوابيس المفرطة وذلك الكأس! وأنا كذلك.. مُعتم، تخالجني الكآبة، يراودني الهروب، تشبهينني إلى كثيرًا.

أشعر أنني بِتُّ في متاهة لا أعلم كيف دخلتها ولا أعلم كيفية الفرار! تعرفين شعور السقوط الحُر، تعرفين الملل، الوحدة، الذبول! كان من الممكن أن أستغيث بالكأس مثلك لكنني ضعيف، أنا حقًا ضعيف، لم أعهد الشرب من فرط التيه.. مُثقل بلا ثقل.

أشعر أنني بِتُّ في متاهة لا أعلم كيف دخلتها ولا أعلم كيفية الفرار

تخطو تجاهي متمايلة.. اقتربت مني كثيرًا.. لاحظت مشيتها المغرية، شعرت بوهج أنفاسها، تطاير خصلاتها اللامعة، سخونتها تعتريني، أغمضت عينيَّ، أشعر بها من خلفي، أشعر بدقات قلبي، الرهبة، الخوف، الهروب.. أشعر بالنشوة. 

أدرت ظهري، لم تكن سوى أضغاث هزيان أو حنين.. قد مسني الجنون!

 لم تقع عيناي سوى على الفراغ، الهدوء، وفنجان القهوة، لم تكن سوى هناك، في خيالي!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.