في محراب اللغة العربية، الحركات الإعرابية ليست علامات لتنظيم النطق فقط، بل هي رموز لها أبعاد تربوية ونفسية عميقة. بتأملنا في قواعد اللغة العربية، نجد أن كل شَدَّة أو سكون أو فتحة تظهر حالة شعورية وتوجيهًا سلوكيًا نحتاج إليه في حياتنا اليومية.
إن فلسفة الحركات وجماليات التنوين تفتح لنا آفاقًا جديدة لفهم «إعراب القلوب» قبل إعراب الكلمات، وكيف يمكن لهذه القواعد البسيطة أن ترمم الأرواح المكسورة وتفتح الأبواب المغلقة.
بتدريسي للغة العربية تعلمت أنه توجد أفعال وكلمات تحتاج بعض حروفها إلى شَدَّة، وبعضها تحتاج حروفها إلى سكون، وبعضها إلى ضمة أو كسرة أو فتحة كي تُنطق نطقًا صحيحًا.
وكذلك هي كلماتنا وأفعالنا، أحيانًا تحتاج إلى شَدَّة من أجل فرض التعلم وتصحيح السلوك، وأحيانًا تحتاج أفعالنا إلى سكون، أي أن نهدأ كي نؤديها على النحو الصحيح، وتحتاج كلماتنا إلى سكون ورفق كي تؤثر فيما حولنا.
ويحتاج بعضها إلى ضم، نضمها بحنان وفرح كي تغمرنا الطمأنينة، وقد لا تحتاج أفعالنا إلى كسر ولكننا نكسرها كردة فعل عند غضب، أو محاولة لإصلاح شيء ما، فنظن أننا نصلحها ولكننا نكسرها دون شعور.
وأحيانًا تكون أفعالنا كالفتح، ننجز بها ونفتح طرقًا ونفتح أحلامًا، نفتح قلوبًا وعقولًا مغلقة. فالفتح يعطي الأفعال والكلمات ما لا يعطيه الكسر والشدة.
والضمة تعلمنا أن هناك مواقف تحتاج إلى ضم أيدي وضم قلوب ومساندة واهتمام ، وأن هناك أرواحًا مكسورة تحتاج إلى من يضمها ويحتويها ويفهمها.
والفتح يعلمنا أن هناك فتوحات وانتصارات تنتجها الكلمات والأفعال، هناك أسوار في القلوب تحتاج إلى فتح، هناك كلمات تفتح طرقًا وتفتح لشخص ما مستقبلًا، وتفتح أبوابًا ظنناها مغلقة.
هنا الفتح يرمم ما أحدثه الكسر، هناك كلمات كأنها مفاتيح، وهناك أقفال، فاكسر أقفال كلامك بالفتح المبين.
جمال التنوين
بتدريسي للغة العربية تعلمت أن التنوين نون ساكنة زائدة، تلحق آخر الاسم لفظًا لا خطًا. نون خفيفة لا تُكتب، لكنها تُسمع، وتعطي الكلمة رنة وجمالًا واستمرارًا.
وكذلك هي أخلاق القرآن.
هناك أخلاق لا تكتمل فينا إلا بـ «تنوين». جرِّب أن تنطق «شكر» بلا تنوين، ستجدها كلمة بتراء مقطوعة. لكن قل «شكرٌ» أو «شكرًا»، تحس أن الكلمة امتدت، وأن لها صدى في الصدر، وأن لها بقية.
فالشكر الحقيقي لا يكون مرة واحدة، بل هو «شكرٌ» متجدد مع كل نفَس، شكرٌ لا ينقطع بانقطاع النعمة، بل يبقى حتى في المنع، لأنه يرى حكمة الله.
و«الحمد» لا يطيب إلا بالضم. «الحمدُ لله» فيها استقرار ورسوخ، كأنك ترمي مراسيك في بحر النعم فلا تخشى الغرق. لو قلتها «الحمد» وسكتَّ، لأحسست أن شيئًا ينقصك. فالحمد بالضم هو حمدٌ على السراء والضراء، حمدٌ لا تقيده الظروف.
والصبر كذلك. «صبر» كلمة ثقيلة على اللسان، كأنها تقول لك: انتهى. لكن «صبرٌ» تفتح لك بابًا، وتقول لك: هناك المزيد، هناك فرج، هناك أجر لا ينقطع.
فالقرآن لم يقل «اصبروا» فقط، بل قال: «فصبرٌ جميل». أي إن صبرهم له تنوين، له امتداد، له عاقبة جميلة. فالصبر المنوَّن هو الذي لا يعرف اليأس.
فانظر إلى قلبك. هل أخلاقك فيه منوَّنة؟
هل حبك للناس «حبٌ» ممتد لا ينقطع عند أول زلة؟ أم هو «حب» مقطوع ينتهي بأول خطأ؟
هل عفوك «عفوٌ» له رنة في السماء، فتعفو وأنت قادر، أم هو «عفو» تضعه على الجرح ثم تنكأه كل يوم بالتذكير؟
هل إيمانك «إيمانٌ» يزيد وينقص لكنه لا يموت، أم هو «إيمان» هش يسقط عند أول ابتلاء؟
التنوين في اللغة يعطي الكلمة جرسًا موسيقيًا لا تمل الأذن من سماعه. والتنوين في الأخلاق يعطي الروح طمأنينة موسيقية، تقول لها: ما زال هناك خير، ما زال هناك بقية، ما زالت الرحلة مستمرة.
فلا تجعل أخلاقك ساكنة مقطوعة، كأنها جثة هامدة. نوِّن صبرك، نوِّن شكرك، نوِّن حمدك، نوِّن عفوك. اجعل لها رنةً في قلبك، وصدىً في عملك، وامتدادًا في أثرك حتى بعد رحيلك.
فالأخلاق التي لا تنوين فيها، تموت بعد أول اختبار. أما الأخلاق المنوَّنة، فهي كالشجر الطيب أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ختامًا، إن لغتنا العربية ليست قوالب صماء، بل هي مرآة تظهر نضجنا الإنساني؛ فالحياة بغير أخلاق منونة تصبح ساكنة مقطوعة الأثر. لذا، اجعل كلماتك مفاتيح للفتح، ومشاعرك ضمةً للمنكسرين، وصبرك نغمًا ممتدًا بالتنوين لا يقطعه بلاء.
كن «مرفوعًا» بالحق، «منصوبًا» للخير، واحذر أن تكون «مكسورًا» بظلم أو «ساكنًا» عن نصرة. ففي النهاية، نحن لا نُعرِب الكلمات لننطقها فحسب، بل نُعرِب أرواحنا لنحيا بها بسلام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.