فلسفة الجمال

لقد كان للفلاسفة المسلمين ردود أفعالٍ مُختلفةٌ ومُتباينةٌ حِيال الجَمال من حيث كونه مفهوماً، والجمالُ من حيث كونه انطباعاً، وحيال أشياء مادية وروحية مختلفة، يتذوق جمالها عقلياً؛ فنجد أن الكنديّ (185ﮬ - 252ﮬ) أَوْلَى الموسيقى أهميةً كبيرة، لِما لها من أثرٍ كبيرٍ في انفعالات النَّفس وميولها، لذا جاءت أغلب أرائه الجماليَّة من ضمن مؤلفاته الموسيقية. فالموسيقى أقرب الفنون إلى الطَّابعِ الرُّوحيِّ، إذ إن حاسة السَّمع بطبيعتها أقوى صِلةً بعالم الإنسانِ الدَّاخليِّ من بقية الحواس، ولعلَّ هذه الفِكرة هي الَّتي أوحت للمُتصوِّفين المُسلمين أن يجعلوا السَّماع طقساً من طقوس العبادة أو رديفاً لها.

أما عند الفارابيّ (209ﮬ - 339ﮬ) فنجد أنَّ الجمال يتضمن مفاهيم عديدة كالبهاءِ والزِّينةِ والكمال؛ فهو يقول في تحديده لمعاني ومفاهيم ومدلولات الجمال: "والجمالُ والبهاءُ والزِّينةُ في كلِّ موجودٍ هو أن يوجد وجوده الأفضل، ويحصل له كماله الأخير"، لهذا السبب يُؤكِّد الفارابيُّ على أهمية المُوسيقى في كشفِ وتقريبِ مفاهيم الجمال والكمال.

أما ابن سينا (370ﮬ - 428ﮬ) فيعُود إلى المُوسيقى لفهم الجمال وإعطاء مفاهيم جمالية، ففي كتاب "الشِّفاء" ينطلقُ في تحليله للصَّوتِ والمُوسيقى من الاستنتاجِ والإيحاءِ العقليِّ النَّاتجِ عن التَّجارِب والقوانين المبنيِّة على المراقبة الصحيحة، وكانت استنتاجات ابن سينا تتَّجه بشكلٍ رئيسٍ إلى مسألتين:

  1. الصِّفات الجمالية للإدراك الصَّوتي.
  2. نشأة الموسيقى.

فالصوت برأي ابن سينا من حيث متعته ولذته له طبيعة نوعية كالأشياء الَّتي نميِّزها بالشُّعورِ، فالشُّعورُ غير السَّار لا يأتي من طبيعة الصَّوت، بل من الطَّريقة الَّتي عُرض بها.

أمَّا (كانط) فتعود أهميته في علم الجمال فضلاً عن كونه من أعظم الفلاسفة عبر التاريخ، جَمْعُه لاتجاهات متنوعة من تُراث السَّابقين له، من ألمانٍ من أمثال: (لايبنتز، وبامجارتن، ولسنج)، ومن إنكليز من أمثال:(شافتسبري، وهتشيسون، وهيوم)، ومن فرنسيين مثل:(جان جاك روسو)، إذ نجده أخذ من (بامجارتن) فكرته عن الجمال من حيث كونه الكمال الذي يحسُّ به الإنسان، مع إضافته صفةَ الغائيَّةِ إليه، كما عنِي بالبحث في (الإستطيقا) من خلال تحليل الشُّروط الأوَّليَّة للحُكم بالجميل أو حكم الذَّوق أو الحُكم الإستطيقي.

ولقد انشغل (كانط) في آواخر حياته بالبحث عن فلسفةِ الشُّعورِ بالجمال، ووجد أن المُشكلة هي من أكثر المُشكلات دقَّةً وأحوجها للمراجعة، ولذلك فإنَّه في أولِّ مقدمة كتابه "نقد ملكة الحكم" ذكر أسباباً لنقض مناهج الكُتَّاب السَّابقين عليه، إذ إنَّهم لم يؤسسوا إلى الذَّوق على أُسسٍ فلسفية، وعدم إدراكهم لطبيعة الحُكم الإستطيقي، حيث إن الأحكام الإستطيقية أو أحكام الذَّوق لا تَذكرُ لنا كيف يحكم الناس، بل كيف ينبغي لهم الحُكم، فالنَّوع الأوَّل من الأحكام يؤلّف لموضوع بحثِ علم النَّفسِ التجريبي، أمَّا النَّوع الثَّاني من الأحكام فهو منطوٍ على مبدإٍ قبلي سابقٍ على التَّجرِبة كما هو منهج فلسفة كانط، إذ إن (كانط) كان يريدُ الوصول لمنطقٍ للذِّوق مُشابه للمنطق الذي توصَّل إليه في مجال العلم والأخلاق، وتوصَّل إلى هذا المنطق الخاص في كتابه "نقد ملكة الحكم" مُتوصّلاً فيه إلى المبادئ الأوَّلية للذَّوق الفنِّيِّ في أثناء نقده للحكم.

أما في الفلسفة الحديثة فموضوع علم الجمال هو الجميل، وهذا الجميل يحدده (هيجل 1770م ـ 1831م) بـ "الجميل في الفن"، وبالآتي هو يبقى في إطار ما يُبدعه الإنسان، وبذلك يمكننا تسميةُ هذا العلم بـ "فلسفة الفنِّ" أو على نحوٍ أدقّ "فلسفة الفنون الجميلة"، وبهذا المعنى فإنّ هيجل يستبعد الجمال الطبيعي من دائرة اهتمام علم الجمال؛ وحُجته في هذا الاستبعاد وذاك التَّحديد تكمن في "إنّ جمال الفن هو أرقى من جمال الطبيعة، إنَّ جمال الفنِّ هو جمال متولّد من الرُّوح وتُعاد ولادته من جديد، وكلما ارتقت الرُّوح ومنتجاتها فوق الطبيعة وظواهرها ارتقى أيضاً أكثر جمال الفن على جمال الطبيعة".

وكان القرن التاسع عشر الميلادي فاتحةً لظُهور مفاهيم علمية ذات صبغة تجريبية غيرَ مسبوقةٍ، مدفوعة بالتَّطورِ الماديِّ والصِّناعيِّ الذي أحدثته العلوم الطبيعية المادية، ومن ثَمَّ كانت هناك تصورات علمية ووضعية لعلوم مختلفة في الاجتماع خاصة، والعلوم الإنسانية بشكلٍ عام، ومن هذه العلوم: علم الجمال، إذ ظهرت فيه تصورات علمية ودعوات للتَّوجُّه نحو الواقعية في فهم الجمال، وهذا ما سيتم عرضه في الصفحات القادمة.

ويُعدُّ كتاب (تحليل الجمال) الَّذي أصدره (وليم هوجارت) عام 1753م اللبِنةَ الأُولى للمدرسة الجمالية الإنكليزية، إذ أكد (هوجارت) على ضرورة الرُّجوع إلى الطبيعة أولاً؛ فهي التي تمدُّنا بنماذج تتيح لنا فرصة التَّعرف على القيم الجمالية؛ لأن الكشف عن القيم الجمالية وتكوين أحكامنا الجمالية لا يتحقق عن طريقِ مقارنةِ الأعمالِ الفنيَّةِ بعضها البعض أو بالرجوع

إلى أقوالِ الفلاسفةِ وخطرات الفنانين، بقدر ما ترجع إلى مقارنة هذه المُنجزات الفنية بالطبيعة ذاتها، فالطبيعة: هي المعيار الذي نقيس به الجمال، وهي الأصل الذي يجب أن تضاهي به سائر الأعمال الفنية.

كما أسهمَ تقدُّمُ علمُ النَّفسِ في تفسير العوامل المؤثرة في تكوين العبقرية الفنية؛ إذ استفاد النَّقد الفنَّيّ من نتائج علم النفس، خاصة ما ارتبط باللاشعور؛ إذ إن عُقد اللاشعور للفنان تظهر في العمل الفني، فالفنان يعبر لا شُعوريّاً عن اندفاعات أو عقبات داخلية يئنُّ منها من دون أن يعرف ماهي، وهنا يتدخل التَّحليلُ النَّفسيُّ ليُضِيء هذه المُحركات الخفية للإبداع الجمالي، فتُصبح اللوحة أو القصيدة في نظرِ المُحللِ النَّفسيِّ رسائلَ من رموز اصطلاحية يتعين ترجمتها ترجمة واضحة، وكان للعالِم النَّفسيِّ النمساوي (فرويد) ومدرسته دورٌ بارزٌ في الكشف عن أسرار أشهر العباقرة الأقدمين والمحدثين.

حدثت عند منتصف القرن العشرين جملة من التحولات الفكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية قادت إلى ظهور نمطٍ فكريٍّ وحياتيٍّ وثقافيٍّ جديدٍ سُمِّيَ بما بعد الحداثة، ويُعرِّف المنظِّرون ما بعد الحداثة على أنها مجموعة الظُّروف والشُّروط المختلفة والمتعددة التي تختلط فيها المظاهر الاجتماعية بالمظاهر الثقافية، فلا يمكن التمييز بين ما هو اجتماعي وما هو ثقافيّ، وتنهار المسافة بين النَّظرية وموضوعها، ويتعذر الفصل بين النظرية التأويلية والواقع الاجتماعي الذي تحاول النَّظرية إدراكه وتوصيفه كون أن هناك تداخلاً مستمراً بين أشكال المعرفة وبين ما تسعى إليه دراستها.

  1. أيديولوجيا البيئة:

سادت تصورات ما بعد البنيوية على أنَّ ما يُصوَّر كونه واقعاً طبيعياً لا يمكن فرضه على المُتلقي بوصفه مُسلَّمة بديهية، بل هو محاولة واعية من المتلقي لتركيب شظايا متناثرة من الحقائق أو الصُّور لتشييد صورة كاملة على وفق المنظور التفكيكي الذي يَعدُّ النصوص فضاءً استكشافياً يتطلب توحيد الأداة الإنتاجية بين المُؤلّف والقارئ؛ أي على العكس من التَّصوُّر السَّابق الذي يَعدُّ العمل الفني تمثيلاً للطبيعة، وكأن هناك طبيعة مطلقة.  وهذا التَّغيرُ الفكريُّ ألقى بظلاله على تحييد حركة التَّقابل بين النَّص - سواء المكتوب أم المرئي – والمتلقي، وقد هيَّأ عتبةً للدُّخول إلى كسر أجناس الفنون تستدعي إدراكاً زمانيًّا ومكانيّاً في الآن نفسه؛ بمعنى أن فنَّ الرَّسمِ لم يَعدْ كما كان سابقاً مرتبطاً بأدوات مثل: اللون، والمسند، والقماش أو الخشب كسطحٍ للرسم، وإنَّما تداخل مع عمليات تركيبية للواقع، ودخول فضاء العمل الفني وإشراك المتلقي في صناعةِ الفكرةِ والحوارِ معها، وهو ما أنتج لنا نسقاً ثقافياً جديداً هو "الثقافة الهجينة" التي مثلت الحاضنة الجديدة للفنون المفاهيمية ذات النّوعية العابرة للهَويَّات منذ أن بدأت هجرات العالم الفقير إلى الغرب الغني مشتركين ومتداخلين في تهجين الهويات الاجتماعية والثقافية ليصبح العمل الفني نفسه وسيطاً لتشكيل الإنسان الخالص من دون تبعية للهويّات أو مرويات خانقة ومعزولة في مكانٍ وزمانٍ معين، وقد أدّى ذلك فيما بعد إلى تناول الهجنة الوراثية بين الانسان والحيوان، وهذا التَّمثيل المُستمر في الفنون يمكن أن يكون إشارة إلى وجود الفراغ الذي يؤثِّرُ في المجتمع الغربي تحت ضغط العولمة،  كما هو الحال لدى الفنانة الفرنسية (أورلان - orlan)، والفنانة الأميركية (أنيتا كينز - Anita Kunz)، ومن النَّاحية الأخرى نجد الفنانين المُهجَّرين وقد عاشوا ضياع الهويَّة الأصل، وشتات الهويَّة الجديدة من كل بقاع العالم الآسيوي، والأفريقي، والأوربي، وهو ما صاغ مصطلح "الهجنة التشكيلية" التي تُعدُّ الأنموذج العابر للجنس الفني المُتعارف عليه، وتداخل كل الفنون في فضاء الفن التشكيلي بصفته نُمواً طبيعيّاً لتداخل الثقافات في العمل الفني فأنتج لنا الفن الهجين.

  1. فنّ العمارة وجماليات ما بعد الحداثة:

 فقد ظهرت تحوّلات مهمة في فنِّ العمارةِ لما بعد الحداثة، والتي يمكن أن نجد لها مقدمات كما جاءت به "جماليات المستقبليات" في العمارة إذ هيمن على تلك المدرسة رِهان "جمال السُّرعة" لتبقى "جماليات التفكيكيّة" في العمارة، إذ عرفت إحدى الفلسفات التي مثّلت ما بعد الحداثة، فالتفكيك يشترك مع المستقبليّات في موقفه من التُّراث الغربي وبخاصة نقد التمركز العقلي، داعياً إلى دورٍ حرٍّ للغة بوصفها متتاليّة لا نهائيّة من اختلافات المعنى؛ لهذا لم يقتصر أثره في الفكر الفلسفي، بل امتدَّ إلى النَّقد الأدبيِّ، لكن من أهم مقومات التفكيك هو الاختلاف، وهو مشتق (différence) من الصِّيغة الأولى ذات الدلالة المكانيّة أساساً، أمَّا الصِّيغة الثَّانية ذات الدلالة الزمانيّة فقد اشتق منها مصدر جديد لا عهد للغة الفرنسيّة به، هو الإرجاء أو التَّأجيل أو الاختلاف.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.