صراع الوجود والتيه.. هل نحن أحياءٌ حقًّا أم مجرد أضغاث أحلام؟

وأن ما يخافه المرء دائمًا أن يكون نسيًا منسيًا، أن يذهب إرثه أو وجوده هباءً، يجوب الأرض مشارقها ومغاربها، يدور كما تدور الساقية في حلقة لا تذهب خطاها جفاءً، يخاف أن يُنسى كما لم يكن، يربتُ ويطيبُ وينتشي لاهثًا حتى يُذكر ولو بالقليل، يقول: «رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين»، ويظن أنه من ذلك براء؛ سيُنسى كأنه لم يكن، ولكن الطيبُ يصلُه، والثناء يصلُه، والحب يصلُه، والورد أيضًا.

عادةً ما يكون للتوهان لذة، حتى لو علمت جُلَّ الطريق، وعادةً ما يكون للوصل غمرة سُكرٍ دفينة، وعادةً ما يكون للوصول حلاوة ليست كحلاوة ممدوح فرج وجملته الشهيرة: «اختراع يا كوتش»، لكن لذة الحلاوة أنها تُذيب العلقم وتُتوج المسعى حيثُ من المفترض أن يكون، ويدندن المار على قارعة الطريق متجاهلًا طريقه بأناة تامة ورضا عارم: «سنصعد هذا الجبل!».

طمأنينة عظيمة تستشعرها منذ نعومة أظافرك وأنت تحبو رويدًا رويدًا نحو السحاب، ولا تزال قدماك تطآن الأرض. طمأنينة جنبات المسجد بعد صلاة العصر تحديدًا في يوم مشمس من أيامنا القاحلة؛ تمسك بالمصحف على مضض: «ورتلناه ترتيلًا»، تعتدل فتقاوم: «ولقد يسرناه للذكر»، فتميل رويدًا حتى يلمس ظهرك أرضية المسجد. ساعات قليلة، بل لحظات معدودة، ولكن تحوي مشاعر جمَّة.

المسجد هو ملاذ التائهين الخائفين الذين إذا ضلوا اهتدوا إليه، والأم هي الطمأنينة الأولى التي تستشعرها مذ كنت تسكن أحشائها. شعاع الشمس الذي تسلل من بين الثنايا، مناجاة كبار السن ودعاؤهم الذي يفيض، قبضة الأيدي الصغيرة على الإصبع الكبير، الدفء الذي يعتريك عندما تأوي إلى فراشك، البيت هو المأوى وهو الدفء الذي يجابه روحك عند ذكره، هو الوطن الثاني الذي يكتنفك عند الوحدة والألم، وعندما تلم بك الاضطرابات.

المسجد هو ملاذ التائهين الخائفين الذين إذا ضلوا اهتدوا إليه،

يستنفد الوقت منك الكثير، تستنزف السنين، ولا تزال طفلًا صغيرًا في حضرة العائلة ودفئها.

لا تدري سر الشحنات الغريبة التي تعتريك فجأة، القشعريرة التي استباحت جسدك، ولا تزال تضرم النيران الخافتة بأوصالك، ثمة حلمٌ على المحك، لا تعلم أهي بدايته أم هي النهاية.

يردد الغريب المسجَّى على مدخل الحي: «الحلم قوة وأحلامك رماد»، يا له من مجنون أدرك ما لم يسعه العقل من الإدراك. أحيانًا تغبطه على ما هو فيه، وأحيانًا تراك أسيرًا أجبن من أن تكون هو ذاك. تردد كلمات ابن الفارض وإبراهيم الفقي، تزيد من البيت شعرًا، وأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». ترى حالك، صرت أديبًا عنيفًا في حضرته، تكاد تعصره عصرًا، يتلو عليك ترانيم الخيبة، ويلوح بيده من بعيد أن لا فارق.

ربما يكون ذلك الشعور غريبًا.

يتصاعد الضباب وتزداد كثافته، تراه يخفت رويدًا ولا يزال مبتسمًا، يلوح بيده ويردد ترانيمه، قدماك تسمرتا في مكانهما، لا تكاد تخطو خطوة حتى تستشعر بأنك ثابتٌ تمامًا كالجماد. ترى هنالك ضوءًا ما، إنه الغيث، إنها الرحمة، إنها الجنة، وفجأة تدرك بأنه ليس بغيث ولا برحمة، ولا حتى بالقطار الذي طالما كنا نردده عبثًا في حياتنا الأولى، إنها إضاءة أشد وطأة، إنها الخطيئة تبتلعك رويدًا رويدًا.

تكاد تجنُّ، رأسك تعنفك بشدة وكأن أحدهم وجد فريسته داخل جمجمتك. من فرط التيه لم تجرفك بحاره قط، نعم، لا تذكر أنك تهت كيومك هذا. أنت لست بتائه، أنت تحلم، تحلم فقط، تستهويك فكرة الاطمئنان التي كنت تجهلها وأنت حي.

هل أنت على قيد الحياة بالفعل؟ لا تعلم متى وكيف وأين، ولمَ هذا السؤال الآن بالذات؟ العالم يبدو أمامك سوداويًا للغاية، ترى الجمع يتحرك من حولك، تلوح، تنادي، تبكي، تصرخ حتى تذبل أحبالك الصوتية، وما من مجيب. ما لِهؤلاءِ القوم لا يسمعون؟ تستغيث: أخرجوني من هنا، أرجوكم. تكاد أوصالك تنفجر، جائع، عطِش لأن يضمك أو يحتضنك أحدهم، لا تعلم. تتصبب عرقًا ويغشى عليك، تنهار راكعًا ويبرد جسدك كأنها اللحظات الأخيرة.

تسمع نداءً خفيًا: «أنْ أقبل ولا تخف، سنعيدك سيرتك الأولى»، أهو حقيقة أم سراب؟ لا تدري. لا تدري، أيجب عليك أن تقف تحتضنه باكيًا شاكرًا، أم تكيل له من السباب ما تخترعه بينك وبينك.

كل ما تعلمه أنك كنت تلهث وكأنك قضيت عمرك راكضًا، تلهث كما المختنق الذي عاد في اللحظات الأخيرة، تلهث وكأنك لن يسعفك الوقت لمزيد من ارتشاف الهواء، تلهث حتى الرجفة، تلهث حتى الثمالة، ولا تسمع بعدها شيئًا سوى صفير قاتم، الأضغاث تتحقق أحيانًا بفعل الشوق وعنفوان الحنين.

للشوق حرقة، وللحنين أنات، كما أن للنزوة المقترفة تبعات حارقة، لا تستكين ثنايا القلب إلا بإشباع رغبتها، حتى ولو كانت لا تجسر على القبول. لم نعش حتى هذا العهد ليُطلق علينا ما وصفه صمويل بيكيت لأحدهم: «بأنه عبارة عن قطعة لحم مغطاة بالتيه والتعاسة والشرود». فـورب السماء إنها لخيانة، ولتسألوا هتلر عن وجهها الصدئ.

ربما يبدو أن المشهد برمته عبثي لا يعنيك، ربما تفتقد نجيب محفوظ أو طه حسين في مثل هذه الأوقات لتجد المعنى الأدبي المناسب أو الوصف اللغوي الدقيق لاستكانة النفس الشاردة وغير المفهومة على الإطلاق، ولتسألوا دوستويفسكي عن هذا الشعور.

تظل سجين تفكيرك؛ ربما كان من الأفضل أن أصبح فان جوخ زماني، لأثأر لأجلي بنفسي، لأنثر لوحاتي، ومن فرط الحياة أذوب أنا بدلًا من ألواني، لعلني أُرضيه فيكف عن مطاردتي كل ليلة في أحلامي، وكأني أنا المذنب، وكأني قدره، وكأنه هو.

كان من الجائز أن أصير يومًا كمحمود درويش، مناضلًا، ميتًا، ينبض بالحياة، أو أن ينطبق علي قول رضوى عاشور: «لا دهشة، لا انتباه»، ولكن يظل هناك أمل، حتى ولو أنه بلا أمل، أنه على هذه الأرض ما يستحق العيش، على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

اليوم، ما قبل المنتصف بقليل من الشهر الأخير في السنة، أتذكر أنني أشعر بمشاعر جمة وهلاوس النهاية، أتذكر أنني مع كل نهاية عام تراودني نفس الأحاسيس، وأشعر أنني مثقل بما لا أستطيع وصفه.

على عاتقي أن أستمر وأكمل الدرب، عسى أن يُتوج التعب بغير الخذلان، على عاتقي أن أصير مختلفًا عما قبل، أن أستشعر غمرة التجديد من داخل كهوفي المتربة، أكيل القسم مرات ومرات، وأنكث بالوعود الذاتية بلا نفور، أعاود تجديد القسم من جديد في كل صباح، ومع نهاية اليوم أراني رمادًا لا تخبت ناره.

اضطراب عظيم، لا تعلم مداه أين يقبع، ولا تجسر على الوصول حتى نهايته، الصراع يضرم، بل يزيد، بين ما تبدي وما تخفي، وما أنت به غير عليم. القاع، ظلام حالك كالهاوية تمامًا، تكاد تهوي وأنت أصلًا آيلٌ للفناء، تركض، تهرب، تلهث، وما من مجيب.

الأمر برمته لا يتعدى كونه ازدراءً بالشيء الذي لم تطأه اليد بعد، الأمر برمته عبثي حتى الثمالة، كأنه أضغاث أحلام ما لها من وجود، سوى أن مخيلتك الضيقة تتصنع المزيد المرهق الذي يؤتى بلذة، لا تتعدى كونها عبثًا، تركض، تهرب، تلهث، وما من مجيب.

الأحلام الثكلى، والرؤى الضالة، والصوت الشجي المبحوح يعوزُ المساعدة، وما من مجيب، دقات قلبك: دُم دُم تك، ثانية، دُم دُم تك، ثالثة، دُم دُم دَم. تصل عنان السماء، وما من مجيب.

لنغادر معًا، لنطير ونغرد ونجثو واقفين، لنمرح مرة، نثمل بالأمل بلا سكر، ونرنو بلا انقطاع، تعلو بارقة هناك، زائفة؟ ربما. الأمل يجذبك، يدفعك، يشد أزرك ويشحذ هممك كالرواسي، يربت على جوارحك: «أكمل»، «لا… استمر»، «هيا»، «اقتربت». لا، إنها هي، إنها هـ… تركض، تهرب، تلهث، وما من مجيب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.