أصيغ مقالتي محاولًا الربط المستنير بين الفلسفة والاقتصاد؛ لفهم أكثر عمقًا حول آلية إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية لأي فكرة مشروع من منطلق فلسفي بحت، مستندًا لكتابين الأول بعنوان "الفلسفة" لجوليان، والثاني "الشيفرة الكونية" للأعرج.
تؤدي الفلسفة دور التفسير المنطقي والموضح لجميع الاكتشافات العلمية الملموسة وتفسِّرها تفسيرًا فلسفيًا أكثر عمقًا وشمولية، فهي الرابط الأساسي لجميع العلوم والمعارف الإنسانية.
قوانين الفلسفة
من قوانين الفلسفة (الشرط، السبب، النتيجة) وفكرة أي مشروع اقتصادي تحتاج لشرط مهم يقتضي وجود حصة سوقية بين الطلب والعرض لأي سلعة أو خدمة، فدون هذا الشرط لا يمكن أن يتحقق العائد المرجو من أي مشروع، والنتيجة المتوقعة للمشروع إما ربح أو خسارة، ولكل سببها، فالربح سببه زيادة الإيرادات المتوقعة على التكلفة المتوقعة، والخسارة المتوقعة سببها زيادة التكلفة المتوقعة على الإيرادات المتوقعة.
نظرية الاحتمالات في الفلسفة تساعدنا في توقع نجاح أي مشروع اقتصادي تحت الدراسة، لأن الاحتمالات تعطينا مزيدًا من الدقة في تحديد مسار المشروع الاقتصادي والسيطرة عليه وفهمه وإمكانية توجيه الظروف نحو الحدث الأقل ضررًا أو أكثر فائدة للمستثمر من أجل عدم ترك مصير المشروع للصدفة مستقبلًا.
في النشاط الاقتصادي يبرز البحث عن الإمكانيات الواقعية القريبة والملائمة للظروف الناشئة في الموقع المناسب والزمان الملائم لأي مشروع اقتصادي. فلإقامة مصنع مثلًا لا يمكن ذلك بمجرد الحصول على المال فقط في كونه أحد تلك الإمكانيات وليس جميعها، فهناك الأرض والمباني والعمال والخامات والآلات والسوق.. إلخ، فلكي يدور المصنع يجب توفر الإمكانيات جميعها، فعدم توفر الطاقة الكهربائية مثلًا يمنع المصنع من العمل بالرغم من توفر جميع الإمكانيات الأخرى.
إن مفهوم الإمكانية والواقع من أهم المفاهيم التي ترشدنا في تخطيطنا دومًا وتمكننا من رؤية المستقبل والسيطرة عليه بواسطة الخطط الدقيقة لكل الإمكانيات الضرورية لتحقيق الهدف المنشود.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد السلوكي
التوازن الاقتصادي
التوازن الاقتصادي القائم على مقابلة الإيرادات بالتكاليف المتوقعة وتفعيل قانوني الطلب والعرض لمعرفة الحصة السوقية المتوقعة يقومان على أساس ذلك التوازن، الذي يعد واقعًا ماديًا شاملًا وعامًا وجوهريًا في كونه يعبر عن توازن بين طرفين متناقضين بوضوح غير ملتبس بواسطة العلاقة المؤدية للنتيجة المطلوب معرفتها في كون المشروع تحت الدراسة مُجديًا أو غير مُجدٍ.
دراسة الجدوى الاقتصادية لأي مشروع تعتمد على قانون فلسفي مهم يعبر عن التراكم الكمي للمعلومات. فمن الدراسة السوقية بعد التأكد من وجود حصة سوقية تجسد الفارق بين الطلب والعرض المتوقعين، ننتقل إلى الدراسة الفنية لتحديد التكلفة المتوقعة والموقع المناسب، وأخيرًا الدراسة المالية لمعرفة النتيجة النهائية المتوقعة من أرباح أو خسائر.
في المراحل الثلاث للدراسة الاقتصادية يبرز التراكم الكمي للمعلومات الإحصائية والفنية والمالية ليكون أي تغير في مدخلات الدراسة يؤثر إما إيجابًا أو سلبًا في النتيجة النهائية المتوقعة في تحليل حساسية البيانات.
في مقالتي هذه أحاول نقاش مثل هذه المفاهيم من زاوية فلسفية بحتة، تقوم على أساس الحجج، التي هي مقدمات للنتائج. المقدمات في الدراسة السوقية في الغالب تؤدي إلى نتيجة إيجابية تشجع على الاستثمار، والحجة في ذلك وجود حصة سوقية لكن تلك الحجة غير مضمونة في مصداقيتها بناء على النهج الاستقرائي للبيانات المالية.
فحقيقة أن مشروع إنتاج سلعة معينة مبني على خبرة الماضي المتعلقة ببيانات السوق للمنتجين الفعليين الموجودين في الأسواق، هذه الخبرة محدودة كوننا لا نملك كل الحقائق عن الماضي المتعلق بالسوق، فقد توجد شركات تنتج السلعة نفسها لكننا بصفتنا دارسين لمشروع اقتصادي جديد قد لا تكون بياناتنا المجمعة شاملة لتلك الشركات المصنعة، بسبب نقص في البيانات الرسمية أو أنها مشروعات شركات عائلية تنتج بعيدًا عن أعين الحكومة خوفًا من دفع الضرائب ضمن الاقتصاد غير الرسمي للبلد.
ونحن أيضًا في الحاضر عند دراسة السوق لتحديد الحصة السوقية للمشروع الجديد لا نملك خبرة عن المستقبل، فقد نوصي بنجاح مشروع إنتاج سلعة ما ونفاجأ عند الشروع بالإنتاج الحقيقي إغراق السوق من ذات السلعة لكنها مستوردة بسعر أقل من سعرنا وبجودة تضاهي منتوجنا من قبل منافس غير متوقع ولم تشمله دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع أصلًا.
اقرأ أيضًا: علاقة علم الاقتصاد بعلم القانون
المنهج الاستقرائي للدراسة الاقتصادية
من هنا يتبين أن المنهج الاستقرائي للدراسة الاقتصادية المبني أساسًا على الخبرة يعتريه بعض الضعف، لذلك من المهم في هذه الحالة اعتماد الحجة الاستبقائية في وضع حل مؤقت لاحتمالية نقص البيانات التاريخية الفعلية أو البيانات المستقبلية المتوقعة في جمع أدلة إضافية كافية لتقليل الفجوة بين الدراسة والواقع، والاستبقاء في هذه الحالة يقوم على تقديم أفضل تعليل للنجاح المتوقع لأي مشروع بدلًا من التعليل المقترح القائم على الدراسة الاستقرائية للمشروع قيد الدراسة.
فأصل المشكلة في دراسة الجدوى أنها معرفة ينقصها اليقين لذا تتطلب تلك الدراسة يقينًا ما؛ لأن الاعتقاد بنجاح مشروع إنتاج سلعة معينة بناء على حصة سوقية فعلية لا يكفي للتبرير لصاحب المال بالاستثمار في ذلك المشروع، وهذا يقودنا لحتمية صدق البيانات المقدمة من عدمها، حتى لو كان الاعتقاد يحمل طابع اليقين بناء على بيانات وأرقام لها سحرها الخاص.
من هنا يكون التفكير العقلي القائم على التعديل على موارد المنطق الإحصائي في الدراسة السوقية للمشروع (ضمن حلقات الدراسة الاقتصادية)، من حيث إن هذا المذهب العقلي في التفكير لا يعتمد فقط على معطيات الخبرة التي تقدمها الدراسة الاستقرائية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بواسطة التفكير الاستنتاجي الذي يعتمد على الدقة الصارمة في قبول أو رفض المقدمات للوصول لأقرب نتيجة للحقيقة الواقعية.
من هنا يكون السؤال بماذا لو؟ مثلًا في الدراسة السوقية لمشروع معين مفتاحًا للتفكير العقلي لقبول المشروع أو رفضه، مثل السؤال بماذا لو كانت البيانات غير صادقة؟ ماذا لو كان الموردون المنافسون أكثر ممن شملتهم الدراسة؟ ماذا لو كانت توجهات المستهلك ورغباته المتوقعة لا تمثل واقع الحال؟
من هنا الإجابة على مثل تلك التساؤلات الاستنتاجية ضروري جدًا لتبرير نجاح أي مشروع متوقع أو عدم نجاحه، وهذا يقودنا إلى التجريب في تحليل كل معلومة نملكها عن المشروع المتوقع بواسطة الخبرة، حتى لو عجزنا بالتجربة تبرير كل الحقائق التي بين أيدينا.
وعلى هذا يكون من الضرورة بمكان دمج التفكير الاستنتاجي العقلي القائم على نقد المقدمات لتجويد النتائج مع التفكير الاستقرائي القائم على الخبرة، وفي ذلك نحتاج أحيانًا إلى براغماتية نحاذي بها الحقيقة وصولًا للاتساق الذي يجعل من اعتقادنا مثلًا بنجاح المشروع الذي بين أيدينا أنه اعتقاد صادق لأنه اتسق مع الخبرة القائمة على المعرفة في كون أن السوق المحلي لا يزال يحتاج مزيدًا من سلعتنا لإشباع حاجات زبائن متوقعين في المستقبل.
هذه المعرفة حتى نضمن صدقها يجب أن تشمل على علة تبررها، هذه العلة قد تكون في مثالنا الحصة السوقية المثبتة من واقع بيانات السوق المجمعة، فإذا ما نجحنا في تبرير هذه الحاجة بمصداقية نكون لامسنا الحقيقة وصولا لاعتقاد سليم حول نجاح المشروع المتوقع، هذه المعرفة هي معرفة قضائية لأنها تقتضي الاعتقاد بنجاح المشروع الاقتصادي لقبوله بقوة، لكن ذلك الاعتقاد لا يشمل اليقين بالضرورة.
وعلى هذا يأتي دور الشك الاعتيادي في مصادر المعرفة التي شملت الإحصاءات والبيانات المجمعة في الدراسة السوقية للمشروع، ولأن تفكيرنا بالأساس استقرائي لا يضمن صدق النتائج، بالتالي كان لزامًا الشك في المعرفة الاقتصادية الشاملة لكل حقيقة قائمة على التقدير بالدراسة، ذلك الشك المعرفي لا ينفي المصداقية عن مجمل الدراسة بل يقلل المعرفة الواقعية بقدر ما نفقده من يقين حولها؛ لذلك حتى نصل إلى إدراك النجاح الفعلي لأي مشروع لا بد من معطيات حسية واقعية مجردة لا جدال فيها، وصولًا لحجة متعالية تبدأ من خبرة قائمة على السوق لا أحد يستطيع إثبات أننا لم نصل إليها.
وعلى هذا التشكيك في مصداقيتها حتى تكون ممكنة في نجاح آخر متكرر مستقبلًا بناء على البيانات التاريخية، وبذلك نكون وصلنا لحقائق واضحة لا تتطلب أي مبرر آخر في كون المشروع ناجحًا اقتصاديًا.
لكن تلك الحقيقة المدروسة بينها وبين القيمة الفعلية المستقبلية لتنفيذ المشروع فجوة كبيرة، هذه هي فجوة الموجود فعلًا في السوق وما هو واجب الوجود ضمن المشروع الجديد، لأنه من الاستحالة بمكان استنتاج معلومات مالية قيمية مستقبلية للمشروع مئة بالمئة واقعة التحقق بناء على معلومات تاريخية حقيقية ضمن خبرتنا السابقة.
اقرأ أيضًا: ببساطة.. ما هو الاقتصاد العصبيّ وكيف يؤثّر على صناعة قراراتنا؟
ماذا تعني الآراء الاقتصادية؟
الآراء الاقتصادية بالخلاصة حول جدوى أي مشروع هي آراء ميتافيزيقية في المعرفة الاقتصادية للمشروع، ضمن واقعية الرأي الاقتصادي بمعزل عن خبرتنا التاريخية، هذه الواقعية المالية ضمن مستويين؛ الأول واقعي متفائل بجدوى المشروع ونجاحه بناء على نتائج معرفية واقعية، وواقعية متشائمة تشك بما يقدم من توقعات مالية في دراسة الجدوى لأي مشروع لنقص المعطيات الحسية المعززة لقرار الاستثمار بيقين لا شك فيه.
ويكون رأينا الاقتصادي حسب مبدأ التحقق السلوكي خاضعًا بين رأيين الأول استقرائي حقيقي قائم على الخبرة، والثاني استنتاجي منطقي قائم على العقلنة، وبمقدار مصداقية الخبرة ومحاذاة الحقيقة بالتفكير العقلي يكون قرارنا صائبًا في الاستثمار أو عدم الاستثمار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.