الواقع العربي بين وهم التغيير وحتمية صناعته

مادية الفرد هي الأمر الذي طغى في هذا العصر، حتى في تعاملاته؛ أي إنه يؤمن ويهتم بالأشياء المرئية التي تُكوِّن حياته. إن أكثر ما أحاول أن أوصله من خلال ما أكتب هو فكرة أن الواقع أيضًا علينا أن نتعامل معه مثل باقي الأمور، أن نبني، بل أن نعترف بعلاقتنا به، وأنه تسري عليها ما يسري على العلاقات الأخرى من مبادئ وقواعد، أبرزها مبدأ التوازن.

ذلك أن علاقات الفرد مع غيره تحتاج إلى حاجات كي يسمو بها بغية تحسينها، وهذا ينطبق على علاقتنا بالواقع. ما الذي يحتاج إليه واقعنا العربي؟ هذا ما سنحاول معالجته من خلال هذا المقال، الذي يتمحور أساسًا حول عدة إشكاليات.

تلهمني المرساة؛ إنها تُلقى في الأعماق فتجوب فيها، فتتعرف على ما فيها من عدم ووجود، وهذا ما يحتاج إليه واقعنا: مرساةٌ تغوص فيه، ولكن ليست شبيهة بتلك التي تنغرس في الأعماق، وإنما أقصد «رؤيانا العميقة»؛ أن ننظر إليه من زاوية تنبعث منها التساؤلات. فحقيقةُ أن وجود الحل لا يسبق الإشكالية فيما يتعلق بهذا الواقع؛ نحن لسنا بحاجة إلى من يعطينا الإجابة، وإنما إلى من يتساءل، يحلل، ويمحِّص؛ هذه هي أدوات الرؤية العميقة «المرساة».

فحتى الرسائل السماوية كانت بدايتها بتساؤلات الأنبياء عن حقيقة الكون والوجود، وكأن واقعنا نموذج لما قبل الرسالة، ولكن ليس في عبادة الأصنام، وإنما في عقيدة الأفكار.

عندما يقع الواقع في فخ التغيير

الكل ينادي: نريد أن نصنع تغييرًا، ولكن إذا استخدمنا المرساة سنكتشف أن ما نحن أحوج إليه هو إرادة التغيير وليس التغيير. وفي هذا الطرح استوقفتني الآية التي تقول: «لا يغير الله ما في قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». لو تدبرنا هذه الآية، وأخرجنا القرآن من قوقعة الحلال والحرام فقط، سنجد أن ما تتحدث عنه هو الإرادة.

الإرادة هي التي تنقصنا وليس الاستطاعة؛ لأن التغيير هو استطاعة، لأنه يترجم الإرادة إلى أفعال. فما وقعنا فيه هو فخ؛ فخ جعلنا نقول إننا بحاجة إلى تغيير، والأولى أن لا أحد يستطيع أن يحدث تغييرًا إن لم توجد إرادة، سواء تلك التي تتعلق بالفرد، أي الإرادة الفردية، أو الإرادة الجماعية؛ فالإرادة الفردية هي التي تصنع هذه الأخيرة، وهي بدورها من صنع الوعي.

لا أحد يستطيع أن يحدث تغييرًا إن لم توجد إرادة

من يصنع الآخر: الوعي أم الإرادة؟

أعتقد أنه يلزمني الكثير لأصلَ إلى هذا الجواب، مع أنني أظن أن بعض الأسئلة لا جواب نهائيًا لها، خصوصًا في فلسفة الفكر العربي وما يخص كيان أفراده. ولكن مبدئيًا، إن كنت أعي بوضعي، بواقعي، وإشكالاته، ألست قادرًا على الإرادة؟

ولكن بالمجمل الكل واعٍ بما يحدث، فأين الخلل؟

هنا نفرق بين نوعين من الوعي: وعي صحيح، والآخر غير صحيح. وهذا ما ينطوي عليه هذا الواقع؛ لأن الثاني لا يولد إرادة تُحدث فرقًا، بل غفلة تُلقي بأثقالها لومًا على مؤسسات أخرى. أما الوعي الصحيح فهو الذي يصنع إرادة فردية تساهم في الإرادة الجماعية؛ وعي يعرف مسؤوليته تجاه واقعه، والأهم أنه يتعامل معه كأي علاقة توجد في حياته. الوعي الصحيح هو الذي يصنع الإرادة؛ فما دام ما ينطوي عليه الواقع هو وعي غير صحيح، ستبقى الإرادة رهينة سؤال: من يصنع الآخر؟

فإلى أي مدى يمكننا أن نرفع هذا الرهن، ونحرر واقعنا من فخ التغيير؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة