فلسفة التحرر من الزيف: رحلة من الورود البلاستيكية إلى حياة الياسمين

يُجسد هذا النص ببراعة مفهوم التزاحم النفسي فلا يرتبط الشعور بالضيق بمساحة المكان، بل بغياب الخصوصية الشعورية. مارست الكاتبة غريزيًّا تقنية الكرسي الخالي المستخدمة في علاج الجشطالت، فخلقت حوارًا مع جماد لتفريغ صراعاتها الداخلية.

النص رحلة تعافي من الحماية المفرطة التي تمثلها الأم (الورد البلاستيكي الذي لا يموت ولا يحيا)، إلى التقبل الجذري لدورة الحياة الطبيعية (الورد الذي يذبل لكنه حقيقي).

قصة رائحة الغبار

في تلك الظهيرة الساخنة، لم تكن الصناديق التي أحملها إلى السيارة مجرد حاويات للأثاث؛ كانت توابيتَ خشبية أحشر فيها سنواتي المنقضية واحدًا تلو الآخر. كانت الشمس ساطعة بوقاحةٍ، تمنحني دفئًا مريرًا وأنا ألقي النظرة الأخيرة نحو الوراء. لم أودِّع المنزل بكامله، بل اكتفيتُ برجمِ نافذتي بنظرةٍ أخيرة، هناك حيث كانت «زهوري الكاذبة» تبتسم بزيفها البلاستيكي المعتاد. ركبتُ السيارة وانطلقتُ، مخلفةً وراء جدارِ قلبي غرفةً أنتمي إليها، وبيتًا شعرتُ أنه يتنفس الصعداء لرحيلي عنه.

مددتُ يدي خارج النافذة، ألاعبُ الهواء كأنني أتحسس ملمس الحرية. أغمضتُ عيني، فسرقت الشمسُ خصوصيتي، وتسللت تحت جفوني لتنسجَ طيفًا برتقاليًا باهرًا، استدرجني إلى نومٍ هربتُ فيه من ثقل الحاضر، ولم أستيقظ منه إلا على قرع أصوات العمال، المنادين باسمي كأنه إعلان عن بدء حياةٍ لم أستعد لها بعد.

دخلتُ البيت الجديد حاملةً مفتاحي كصكٍّ للغفران. وقفتُ في وسط الفوضى، أعددتُ كوب قهوتي الأول كأنني أقدم قربانًا للمكان، وتأملتُ الحديقة بعينين فاحصتين، أحاول أن أقرأ ملامح الغرباء من حولي قبل أن يقرأوني. وبعد ساعاتٍ من «حرب التنظيف» التي خضتها بجلدٍ محترق، ارتميتُ فوق أريكة الصالة، سحبتُ شهيقًا طويلًا أفرغتُ فيه رئة الماضي، وغرقتُ في سباتٍ عميق.

أشرقت شمس الصباح من نوافذَ عارية، بلا ستائر تحمي ارتباكي. نظرتُ إلى الفوضى حولي وتنهدتُ. سحبتُ جسدي المثقل نحو الحمام، تركتُ الماء يغسل عني غبار الطريق، ثم ربطتُ شعري المنسدل بشدةٍ نحو الأعلى، كأنني أشدُّ به عزيمتي المترهلة. رفعتُ أكمامي وبدأتُ الحرب؛ فاليوم هو المتسع الوحيد قبل أن يبتلعني روتين العمل، ويحولني إلى مجرد «كائن مستهلك» يقتاتُ على الفتات. مر الوقتُ بين سرحانٍ طويل وعملٍ شاق، حتى دقت الواحدة ظهرًا. دخلتُ غرفتي الجديدة، وبصورةٍ لا إرادية، ارتسمت على وجهي ابتسامة إعجاب، لكنني سرعان ما وأدتُ تلك الابتسامة — ثم شعرتُ بوخزةٍ حادةٍ — لقد خنتُ غرفتي القديمة بسرعةٍ مرعبة.

أشرقت شمس الصباح من نوافذَ عارية، بلا ستائر تحمي ارتباكي

ارتعشت أطرافي فجأة، كأنني طفلٌ وُضع في زاويةٍ غريبة، ينتظر يدًا ألفها لتمسح عن قلبه اليتم المكاني. مددتُ يدي نحو معطفي المُلقى على الأريكة، شددتُه إليَّ، لكنه أبى؛ كأن ثمة عهدًا سريًا عُقِدَ بينه وبين الخشب. تشبّثَ مسمارٌ ناتئٌ بطرفه، ومزق حاشيته الأخيرة في عنادٍ غريب، فشعرتُ بفيضٍ من الغضب يغمرني، ورغم ذلك، ارتديتُ الجرحَ والمعطف، ورحتُ أتجول في أرجاء المنزل.

وقفتُ أمام نافذة إحدى الغرف الفسيحة. كانت الغرفة خاليةً من كلِّ أثرٍ، لكن النافذة كانت مواربةً بفتحةٍ صغيرة. اقتربتُ لأغلقها، وإذا بي أصطدمُ بمشهدٍ سماويٍّ فريد: شجرةُ الجيران كانت ترقصُ، تهتزُّ طربًا بخصلاتِ شعرها الكثيفة، فرحةً ومنطلقةً مثلي حين يمسني الجمال. في تلك اللحظة، أعلنتُ استسلامي لهذا الحب المفاجئ، وأسندتُ يدي إلى الإطار، أنظرُ إليها بكل حريتي -لولا أن شبحًا استوقفني- تذكرتُ نافذة غرفتي القديمة بزهورها البلاستيكية الكاذبة.

فجأةً، اخترق صمتي قرعٌ على الباب. لم تكن طرقاتٍ عادية، بل كانت كضرباتِ مطارقِ الحداد على صفيحٍ بارد. تجمد العالم. من يجرؤ على مناداتي في منفاي الجديد؟ لم ألتفت للشجرة؛ أغلقتُ النافذة في وجهِ الجمال، وهرعتُ نحو الباب يملؤني فضولٌ قلق.

رسمتُ على وجهي ابتسامةً مصطنعة وفتحتُ. هناك تلاشت ملامحي؛ كانت «ورودي الكاذبة» تقفُ أمامي، محمولةً بين يدي صاحبةِ منزلي القديم -تلك المرأة البغيضة المغلفة بلُطْفٍ أصفر- رمقتني بابتسامةٍ تفوحُ منها رائحةُ الغبار والتراب، ووضعتِ المزهريةَ أمام بطنها الضخم، وبأصابعها المترهلة قالت: «أعلمُ كم تحبينها، كنتُ أراقبُ رعايتكِ لها، فأردتُ أن أفاجئكِ بها».

تجرعتُ غصتي ورحبتُ بها، لكنها اعتذرت بانصرافٍ سريع، تاركةً خلفها وعدًا بزيارةٍ قريبة، كأنه تهديدٌ بالعودة. راقبتُها وهي تختفي في الأفق، ثم أغلقتُ الباب وارتخيتُ بجسدي المنهك عليه، محاصرةً بين جدراني الجديدة وبين جثةِ وردي الكاذب.

تنفَّستُ بهدوءٍ حذر، وشعرتُ حينها بشيءٍ لزجٍ يسيلُ بين أصابعي التي تقبضُ على السيقان البلاستيكية -لقد كان غبارًا- غبارُ بيتي القديم يذوبُ كدمٍ أسودَ على يدي. شممتُ رائحته، فتسللت الدموعُ إلى عينيَّ لتصبغها بلونِ الهزيمة الأحمر. نظرتُ بضيقٍ إلى تلك القطع البلاستيكية، وتوجهتُ نحو نافذة الشجرة الراقصة. فتحتُها بقوة، ووضعتُ الورود الكاذبة على الحافة، ونثرتُ الغبارَ العالق في كفَّي ليختلط بالهواء الجديد. هناك، عند تلك الزاوية، زاحم الماضي بقُبحه حاضرَ حياتي المرتجف، وسرق مني بهجتي بالكامل.

استلقيتُ على سريري الواسع، كان ملمسه ناعمًا كأنه يحاول احتضاني، لكن يديَّ كانتا تأكلانني بشدة. نهضتُ نحو المغسلة، سحقتُ الصابون بين كفيَّ، فركتُهما عشرات المرات حتى احمرَّ جلدي، لكن الغبار ظلَّ عالقًا في مسامي، يسخرُ من محاولاتي.

توجهتُ نحو «غرفة الشجرة»، ألقيتُ بالورود البلاستيكية على الأرض، وبدأتُ حربًا ضد غبارها. كانت أنفاسي تتسارع مع كل ضربة مكنسة، والماضي يتساقط تحت قدمي ذراتٍ سوداء. وحين استسلمتُ للتعب ونمتُ، أشرقت شمسُ الصباح لتكشف لي عن وجهٍ جديدٍ للحياة؛ طفلةٌ غريبةٌ تراقبني من نافذة الجيران بفضولٍ بكر. رفعتُ يدي مُحييةً، فضحكت الطفلةُ وجرت إلى والدتها لتشاركنا الابتسام.

توجهتُ نحو «غرفة الشجرة»، ألقيتُ بالورود البلاستيكية على الأرض

لكن الزيفَ كان لي بالمرصاد؛ شعرتُ بالورود البلاستيكية تلتصقُ بوجهي، تمسحُ ملامحي وتطمسُ رؤيتي. مسحتُ وجهي بعنفٍ حتى جرحتُ خدي، وألقيتُ نظرةً أخيرة على الشجرة الراقصة قبل أن أغادر نحو عملي القديم؛ ذلك العمل الذي لم أستطع الهروب منه كما هربتُ من البيت.

في منتصف الطريق، هاجمتني رائحة الغبار مرةً أخرى؛ كانت تعششُ في سيارتي، في ثيابي، في روحي. ببرودٍ مفاجئ، أدرتُ المقود وعدتُ أدراجي. لم يعد يعنيني التأخير ولا العمل. دخلتُ البيت ركضًا، انتزعتُ تلك الجثة البلاستيكية، وحشرتُها في صندوق السيارة. انطلقتُ بعيدًا، وحين صرتُ على مسافةٍ كافية، ألقيتُ بها في القمامة بأقصى ما أملكُ من قوة. صرختُ صرخةَ انتصارٍ شقت سكون الشارع، وركبتُ سيارتي وأنا أشعرُ -لأول مرة- أنني خفيفةٌ كالهواء.

بجانب ملفات مكتبي المملة، سافرتُ بعيدًا؛ عدتُ إلى تلك اللحظة التي قررت فيها أمي استبدال حياتي ببلاستيكٍ ملون. قالت لي: «الورود الحية تموت يا ابنتي، والبلاستيك يبقى». في ذلك المساء، عدتُ أحملُ إبريق الماء، أبحثُ عن رائحةِ الياسمين التي كانت ترقصُ على نافذتي، فلم أجد إلا جثةً هامدة؛ يباسًا لا لون له.

سألتُ رفيقي الوحيد، ذلك الكرسي الخشبي الصامت، فرأيتُه يهتزُّ بعنفٍ كأنه يرتجفُ حزنًا معي. وفي الصباح التالي، استقبلتُ «ورودي الكاذبة» بابتسامةٍ مكسورة، وبدأتُ أمارسُ طقس الزيف؛ كنتُ أسكبُ الماء فوق أغصانها البلاستيكية وأنا أعلمُ أنها لن ترتوي، ثم أجلسُ بصمتٍ أمام الكرسي الخشبي الذي وضعته هناك؛ فقط ليملأ فراغًا أكبر من أن يُسد.

نهضتُ عن مكتبي، ليس كمن يغادرُ دوامًا يوميًا، بل كمن يُعلنُ الثورة. ارتجفَ قلبي غضبًا على كلِّ دقيقةٍ أهدرتُها هنا خلف ملفاتٍ تشبهُ الورود البلاستيكية في جفافها. لم ألتفت وراءي؛ وضعتُ ورقةً بيضاء على السطح البارد، وبقلمٍ لم يتردد، وقَّعتُ على استقالةِ روحي من روتينها.

وقف المديرُ مدهوشًا، سألني: «لماذا؟» لم تكن توجد إجابةٌ تتسعُ لها الكلمات. قلتُ له إنها رغبةٌ ملحة، وحين حاول استدراجي لمنطق «التفكير الهادئ»، رفضتُ الانتظار — للحظةٍ واحدة فقط. انطلقتُ خارجًا نحو سيارتي، وشعرتُ -لأول مرة- بشيءٍ غريب: كان النورُ يشقُّ صدري، والسعادةُ تفوحُ من حولي كأنني أسيرُ وسط حقلِ ياسمينٍ حقيقي، لا أثر فيه للبلاستيك أو الغبار.

توقفتُ عند بائع الزهور؛ لم أبحث عن البلاستيك هذه المرة، بل غمرتُ يديَّ في عبير «العنبر» وسحر «اللافندر». وضعتُ باقتي الحية على المقعد الأمامي، كأنني أُجلسُ بجانبي صديقًا صدوقًا. وببرودٍ لم أعهده في نفسي، أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ رسالةً واحدة وصريحة لصاحبة منزلي القديم: «لا أريدُ رؤيتكِ في بيتي».

وحين بدأ هاتفي بالاهتزاز بفيضٍ من المكالمات التي تفوحُ غضبًا، لم أمنحها شرفَ الرد. حظرتُ رقمها، وأغلقتُ تلك النافذة الأخيرة التي كانت تطلُّ منها على حياتي. انطلقتُ بسيارتي نحو بيتي الجديد، وفي حين كان عبيرُ العنبر واللافندر يملأ رئتيَّ، شعرتُ بروحي تفارقُ ثقلَ الأرض لتعانقَ السحاب، لقد أصبحتُ أخيرًا، وبكلِّ ما تعنيه الكلمة، حرة.

أخرجتُ المفتاح من حقيبتي، تحسستُ أطرافه المعدنية الباردة كأنه دليلٌ مادي على ملكيتي لعمري القادم. زفرتُ زفرةً طويلة، ألقيتُ فيها بكلِّ ثقل المكاتب والوجوه الشاحبة التي خلفتُها وراء ظهري. فتحتُ الباب، فاستقبلني البيتُ باتساعه المهيب؛ أثاثي الأبيض والأسود يتوزع بانتظامٍ يريح العين، الصالة الممتدة كأفقٍ ينتظر من يملأه، والوحدات المعلقة التي تعكسُ ضوءًا خافتًا يبعثُ على السكينة.

ارتميتُ فوق الكنبة، وللمرة الثانية، شعرتُ بذلك المسمار اللعين يشقُّ طرف معطفي. لم أغضب؛ بل تساءلتُ بابتسامةٍ فاترة: «هل حان الوقت لتتقبليني أيتها الكنبة؟ هل نحن في مرحلة ترويضٍ متبادل؟» تمسكتُ بمعطفي الممزق، لم أرد التخلي عنه؛ فربما هو الجرح الوحيد الذي أريدُ الاحتفاظ به من رحلتي تلك.

فجأةً، اهتز هاتفي. كانت رسالةً من مديري القديم -كلماتٌ جافة تشبهُ قلبه- يُعلن فيها حرماني من راتبي الكامل بدعوى «الإهمال» وعدم إنجاز المهام. في السابق، كانت هذه الرسالة لتشعل في قلبي حريقًا من القلق، لكنني اليوم نظرتُ إليها كأنها قادمة من كوكبٍ آخر. لم أرد، لم أحاول الدفاع عن «حقي» المادي؛ فمعركتي الكبرى قد انتهت، وغادرتُ أرض النزال بانتصارٍ روحي لا تشتريه كل رواتبهم.

توجهتُ نحو المطبخ، وبدأتُ طقسًا مقدسًا من نوعٍ آخر. سكبتُ القليل من زيت الزيتون في المقلاة، وبدأتُ أفرمُ البصل والثوم بهدوءٍ، لا يقطعه إلا صوت سكينٍ حادة. حين امتزجت الروائحُ مع معجون الطماطم، وبدأ بخار المعكرونة يتصاعدُ ليعانق وجهي، شعرتُ أنني أطبخُ حريتي. جلستُ أمام التلفاز، أتناولُ طبقي مع عصير الليمون والنعناع المنعش. لم تكن مجرد معكرونة؛ كانت «وجبة انتصار»؛ ألذ طعمٍ تذوقه لساني منذ سنوات، لأنها خاليةٌ من غصة الظلم ورائحة البلاستيك.

مرت الليلةُ في سباتٍ عميقٍ لم يعكره كابوس. لكن، ومع إشراقة الصباح، بدأ البيتُ يضيقُ باتساعه. تجولتُ في الأرجاء، ونظرتُ إلى هذا الفراغ الشاسع. فجأةً، شعرتُ ببردٍ غريب يزحفُ نحو قدمي؛ لم يكن تيار هواء، بل كان وحشًا ضاريًا، بدأ ينهشُ في حذائي. وحشٌ اسمه «الفراغ». العملُ الذي كنتُ أمقته كان يملأُ يومي ويسرقُ مني وقتًا لا أعرفُ الآن كيف أقضيه.

هرعتُ نحو نافذة «الغرفة الخالية» لأستنجد بجمالٍ أعرفه. فتحتُ النافذة، وكانت الشجرة الراقصةُ تهتزُّ طربًا كعادتها، تتحدى سكون صبحي. وهناك، في حديقة الجيران، رأيتُ الطفلة الصغيرة ووالدتها. لمحتني الأم، وبلمسةٍ حانية، وجهت ابنتها لتلقي عليَّ التحية. رفعتُ يدي، ورسمتُ ابتسامةً عريضة، وكأنني أتوسلُ لتلك الجارة أن تقتحم عزلتي، أن تأتي لتأخذ مني هذا الوحش، وترميه بعيدًا خلف أسوار حديقتها.

تراجع «وحش الفراغ» خطوةً إلى الوراء حين قررتُ أن أشغل يديَّ بشيءٍ غير الصمت. توجهتُ نحو المطبخ، هذه المرة لن أطبخ لأنجو من الجوع، بل لأبني جسرًا نحو العالم. قررتُ أن أصنع «كيكة» بطعم الصباح.

بدأتُ بكسر البيض، ومزج الدقيق بالسكر، وشعرتُ بملمس العجين يلتصق بأصابعي كأنه يعيد تذكيري بأنني لا أزال حيةً. كانت حركة المضرب اليدوي رتيبة ومنتظمة، كأنها «بندول» ساعة يضبط إيقاع يومي الجديد. أضفتُ قشور البرتقال، ففاحت رائحةٌ تغلبت على رائحة الطلاء الجديد في المنزل، وامتزجت بعبير اللافندر البعيد. حين وضعتُ القالب في الفرن، جلستُ على الأرض أراقبُ خلف الزجاج كيف ينتفخ العجين ويرتفع، تمامًا كما كانت آمالي تنتفخ بحذر في هذا البيت.

بعد ساعة، كان البيت يضجُّ برائحة دافئة؛ رائحةٌ لا يمكن للغبار أن يسكن معها في مكانٍ واحد. غلّفتُ الكيكة بشريطٍ بسيط، وحملتها بين يديَّ كأنني أحمل قلبي. وقفتُ أمام باب الجارة، ترددتُ لثوانٍ؛ فمنذ متى وأنا أطرق أبواب الغرباء؟ أنا التي كنتُ أهرب من سلام المديرين وابتسامات الزملاء الزائفة.

طرقتُ الباب. تضاءل «وحش الفراغ» خلف ظهري حين فُتح الباب، وخرجت تلك الطفلة بضحكتها التي تشبه زقزقة العصافير، وتبعتها الأم بابتسامةٍ حقيقية، لم أرَ مثلها في «بيتي القديم». مددتُ يدي بالكيكة، وشعرتُ بحرارتها تنتقلُ إلى كفي، قلتُ بصوتٍ حاول الثبات: «أنا جارتكم الجديدة.. أردتُ أن نتشارك طعم البدايات».

لم تكتفِ الجارة بالشكر، بل سحبتني من يدي بلطفٍ نحو الداخل. وهناك، من نافذة بيتها، رأيتُ «الشجرة الراقصة» من زاويةٍ مختلفة تمامًا، كانت أجمل وأقرب، وكانت الرائحة في بيتها تشبه رائحة الصدق.

من نافذة بيتها، رأيتُ «الشجرة الراقصة» كانت أجمل وأقرب

خطوتُ أول خطوة داخل بيت جارتي، فاستقبلني عبير الألفة. قادتني إلى غرفةٍ يسكنها البياض والهدوء؛ أريكةٌ بيضاء مريحة تتوسط المكان، وزهورٌ طبيعية تتنفس في الأركان، ورائحة كعكي الساخن بدأت تفرض سيطرتها على الأجواء. اعتذرت الجارة بابتسامةٍ خجولة عن الفوضى التي خلفها صغارها، لكنني لم أرَ فوضى؛ رأيتُ حياةً كنتُ أفتقدها.

ابتسمتُ قائلة: «لا بأس، الفوضى أحيانًا هي الدليل الوحيد على أن المكان يتنفس». وبينما كانت الجارة تنشغل بإعداد الأطباق، سكنت عيناي على زاوية الغرفة، وهناك تجمد العالم في صدري.

رأيتُه: كرسيٌّ خشبي.

لم يكن مجرد مقعد، بل كان يشبه رفيقي القديم؛ ذلك الكرسي الصامت الذي تركتُه خلفي، «المتحدث الثرثار» الذي كان يؤنس وحدتي في غرفتي الضيقة. لقد كان ذلك الكرسي شخصيةً وهمية؛ جبرني «الفراغ» على خلقها حتى اعتدتُ عليها وتعلقتُ بها، فأصبح صوتي الثاني، ومرآتي التي أرى فيها حقيقتي.

تذكرتُ صوته الخشبي وهو يهمس لي في ليالي السكن المزدحمة ببيت عائلتي، حيث كنتُ أتقاسم الجدران مع أمي وأخي وزوجته وضجيج أبنائهم الصغار. في ذلك البيت، كان الكرسي هو «ثورتي الصامتة». أتذكر تمامًا حين قال لي ذات مرة -في لحظة تجل- إن الخارج أعمقُ مما أظن، وإن بقائي في تلك الوظيفة المملة التي تسرق عمري هو انتحارٌ بطيء. كان يصرُّ على أنني لا يجب أن أرضى بفتات الوقت، وأن هناك «أنا» أخرى تنتظرني خلف عتبة ذلك المنزل المزدحم بالآخرين، والفقير بي.

نظرتُ إلى كرسي الجارة، وشعرتُ -أول مرة- بامتنانٍ عظيم لذلك الخشب الصامت. لولاه، لما تجرأتُ على الاستقالة، ولما اشتريتُ اللافندر، ولما وقفتُ هنا الآن أشمُّ رائحة كعكي في بيت امرأةٍ لا تضع زهورًا بلاستيكية على نافذتها.

انتبهتُ من شرودي على صوت الجارة وهي تضع الطبق أمامي قائلة: «هل أعجبكِ الكرسي؟ لقد ورثتُه عن جدتي، وأشعر دائمًا أنه يملك الكثير ليحكيه».

نظرتُ إليها بصدق وقلت: «إنه لا يحكي فقط يا أمل — إنه يُغير المصايِر».

جلستُ أرتشف القهوة، وعيناي لا تزالان معلقتين بذاك الكرسي الخشبي. سألتني أمل بنبرة دافئة: «هل يذكركِ بشيء؟»

تنهدتُ، ولم يكن في تنهيدتي مرارة، بل كان فيها حنينٌ مشوب بالراحة. قلتُ لها: «يذكرني ببيت عائلتي — هناك حيث تركتُ قلوبًا أحبها، لكنني لم أستطع أن أجد لنفسي مكانًا بينهم».

لم يكن أخي سيئًا قط، بل كان السند الذي لم يخذلني يومًا، وزوجته كانت امرأةً طيبةً تحاول جاهدة أن تملأ البيت بالبهجة وصياح الأطفال. وأمي — أمي التي كانت تخاف عليَّ من نسمة الهواء — هي من استبدلت ورودي بالبلاستيك خوفًا من أن يكسر قلبي ذبولها. كانت المشكلة فيَّ أنا، لا فيهم. كنتُ كعازفة كمان تحاول العزف وسط فرقةٍ صاخبةٍ من الطبول؛ الكل يعزف ببراعة، لكن الألحان لا تلتقي.

كنتُ أعاني من تزاحم الأرواحالبيت كان يضجُّ بالحياة — بصراخ الأطفال البريء، وبأحاديث أخي عن العمل ومتاعب الحياة، وبحرص أمي الزائد على تفاصيل يومي. كانوا يغمرونني بالحب، لكنه كان حبًا يخنق استقلالي الصامتكنتُ أحتاج إلى صمتٍ لا يملكه بيتٌ يسكنه سبعة أشخاص. كنتُ أحتاج إلى غرفةٍ لا يطرق بابها أحدٌ ليسألني: «لماذا أنتِ وحيدة؟»

هناك وُلد صديقي الكرسي الخشبي. خلقتُه ليكون مساحتي الخاصة وسط ذاك الزحام الجميل. كان هو من يفهمني حين أصمت، وهو من يشجعني على الرحيل — ليس هربًا منهم، بل بحثًا عن نفسي التي ضاعت في تفاصيل حياتهم. الاستقالة والرحيل لم يكونا ثورةً عليهم، بل كانا ولادةً ثانية لي. لقد غادرتُ بيتهم وأنا أحمل حبهم في حقيبتي، لكنني تركتُ خلفي ذاك التردد الذي كان يمنعني من أن أكون «أنا».

نظرتُ إلى أمل وقلتُ بوضوح: «لقد رحلتُ لأحافظ على حبي لهم؛ فالبقاء في مكان لا يشبهك يحول الحب إلى ضيق، والضيق إلى عتابٍ صامت. الآن — وأنا في بيتي الجديد — أستطيع أن أحبهم أكثر، لأنني أخيرًا... أصبحتُ أملك مكانًا أستقبلهم فيه بقلبٍ صافٍ، بعيدًا عن غبار الملفات وزيف الورود البلاستيكية».

شربتُ آخر رشفةٍ من قهوتي، وشعرتُ أن «وحش الفراغ» الذي كان يطاردني في الصباح قد تضاءل — حتى صار بحجم قطةٍ صغيرةٍ تنام بسلامٍ عند قدمي. لقد أغلقتُ أبواب الماضي — ليس بقفلٍ حديدي، بل بابتسامة امتنان.

التفتت إليَّ أمل وقالت: «إذن، بما أنكِ الآن تملكين الوقت والمكان، ما أول شيء ستفعلينه في غرفتكِ الخالية؟»

ابتسمتُ، ونظرتُ نحو النافذة حيث كانت الشجرة الراقصة تلوح لي بأغصانها، وقلتُ في نفسي: «سأحولها إلى مشتلٍ للحياة، سأزرع فيها كل ما هو حقيقي، ولن يدخلها شيءٌ مصنوعٌ من البلاستيك بعد اليوم».

ودعتُ أمل وصغيرتها عند عتبة الباب، وعدتُ إلى بيتي بخطواتٍ لم تعد تُثقِلها هواجس الندم. دخلتُ «الغرفة الخالية» — تلك التي كانت قبل ساعاتٍ مرتعًا لوحش الفراغ — فإذا بها الآن تبدو كمساحةٍ بكرٍ تنتظر أول سطرٍ في روايةٍ جديدة.

وقفتُ أمام النافذة، سحبتُ شهيقًا عميقًا — لم يخالطه غبار، ولم تُعكره رائحة البلاستيك. نظرتُ إلى يديَّ؛ لقد زال الاحمرار، واختفت بقايا «الدم الأسود» الذي تركه غبار الماضي، وحلَّت محله رائحة البرتقال والدقيق ووعود الصداقة الجديدة.

انحنيتُ نحو الأرض، رفعتُ «الزهور الكاذبة» التي كنتُ قد ألقيتها في نوبة غضب، ونظرتُ إليها للمرة الأخيرة. لم أشعر بالكره، بل بالشفقة. لقد كانت تلك الزهور تجسيدًا لخوفي من الفقد، وخوف أمي من الانكسار. لكنني اليوم — أدركتُ أن ذبول الورد الطبيعي ليس هزيمة، بل هو جزءٌ من دورة الحياة الصادقة؛ فالموت الحقيقي يكمن في البقاء باهتًا، جامدًا، ومزيفًا إلى الأبد.

فتحتُ خزانةً صغيرة، وأخرجتُ منها مفرشًا مطرزًا بلمساتٍ يدوية، وضعته في زاوية الغرفة، وقررتُ أن يكون هذا هو مكان كرسيِّي القادم — ذاك الذي سأشتريه بمالي الذي ادَّخرته، ليكون شاهدًا على نجاحاتي القادمة، لا شريكًا في أحزاني المكبوتة.

ومع غياب شمس ذلك اليوم، لم أعد أرى في الأفق توابيتَ خشبية، بل رأيتُ جسورًا تمتد نحو الغد. أسندتُ رأسي إلى إطار النافذة، وتهمستُ للشجرة الراقصة بكلماتٍ لم يسمعها غيرنا. وفي تلك اللحظة، سقطت ورقةٌ خضراءُ حقيقيةٌ من أغصانها، لتستقر على كفي -كانت تلك أول هدية حقيقية أحصل عليها من مكاني الجديد؛ صك ملكية لم يتوقعه أحد، وتوقيعًا أخيرًا على عقد حريتي- الذي لن أفسخه أبدًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات



‏قراءة نقدية لافتة من فريق التحرير. الجميل في النص الأدبي أنه يتجاوز قصد الكاتب ليفتح آفاقاً للتحليل النفسي لدى القارئ، حتى وإن كانت بعض الرموز في النص تحتمل تأويلات مختلفة بعيداً عن الجوانب الشخصية. شكراً لمنصة جوك على هذا الاهتمام.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة