فلسفة الإيكيغاي (Ikigai).. أسرار طول العمر والصلابة العقلية على الطريقة اليابانية

يُعد الانفتاح على الثقافات المختلفة، وخصوصًا الثقافة اليابانية، بوابة واسعة لتصميم خطة حياة صحية ومتكاملة مستوحاة من تجارب الشعوب الأكثر عمراً وإنتاجية. ويشير التحليل الثقافي المعاصر إلى أن سر تفوق اليابانيين في جودة الحياة يعود إلى مزيج فريد بين الانضباط الذاتي والانسجام مع الطبيعة، وهو ما يجسده مفهوم الإيكيغاي.

يتناول هذا المقال تحليل المبادئ اليابانية الرئيسة التي تسهم في تحقيق هذه النتائج المذهلة، وفي مقدمتها مفهوم الإيكيغاي (Ikigai) الذي يُعد مفتاحًا للمعنى والهدف، وكيف يرتبط هذا المفهوم بحالة التدفق النفسية، ويقدم نموذجًا حيًّا من قرية أوكيناوا لتطبيق هذه الإستراتيجيات في حياتنا اليومية.

من المهم جدًا أن نتعرف على الثقافات المختلفة وطرق حياتها، حتى نتمكن من وضع خطة متكاملة لحياتنا تشمل جميع أشكال الحياة الصحية المتنوعة، المستوحاة من تجارب الشعوب المختلفة. ومن بين هذه الثقافات التي أحبها شخصيًا الثقافة اليابانية (Japanese Culture).

فيتميز اليابانيون بالعمل الجاد، والتقدم المستمر، وطول العمر، ووجود عدد كبير من المعمرين، إضافة إلى جودة حياتهم العالية وتوازنهم النفسي والجسدي. تُلهمنا هذه الثقافة لتبني أساليب عملية تساعدنا على تحسين حياتنا وصحتنا النفسية والجسدية.

أولًا: مفهوم «الإيكيغاي»

«الإيكيغاي»: سبب صحوكِ كل يوم.

«الإيكيغاي» هو السبب الذي يجعلكِ تستيقظين كل يوم بحيوية، ويمنح حياتكِ معنى. هذا المفهوم الفلسفي يركز على قيمة وجود هدف أو غاية حياتية، وهو ما يتطابق مع أساسيات العلاج بالمعنى (Logotherapy) في علم النفس الذي سنتناوله لاحقًا.

لا يلزم الوصول إليه على الفور، فقد تحتاجين وقتًا وتجارب لاكتشافه.

لتحديده، يمكن النظر إلى الدوائر الأربع المهمة:

  • ما تحبينه.
  • ما تهتمين به أو لديكِ مهارة فيه.
  • ما يمكن أن يمنحك دخلًا.
  • ما يفيد المجتمع.

ليس شرطًا أن تتضمنه كل دائرة في شيء واحد، المهم التوازن والتقاطع بين هذه الدوائر.

«الإيكيغاي» يمنح حياتنا معنى، لكن لتحقيق هذا المعنى بصورة فعالة، نحتاج إلى الانغماس الكامل في المهام التي تختبرنا وتطورنا، وهذا ما يُعرف بحالة «التدفق».

ثانيًا: «التدفق» وأهميته

«التدفق» هو حالة تركيز وانغماس كامل في مهمة حتى يمر الوقت دون أن تشعري به. هذا المفهوم صاغه عالم النفس المجري ميهاي تشيكسينتميهالي (Mihaly Csikszentmihalyi)، ويُعد أداة عملية للوصول إلى الإيكيغاي.

أهمية «التدفق»

يزيد السعادة والإنتاجية، يقلل التوتر، ويساعد على اكتشاف «الإيكيغاي».

أنواع «التدفق»

  • تدفق سطحي: مهام بسيطة مثل غسل الصحون أو ترتيب البيت بدون مشتتات. ينظف العقل ويخفف التفكير الزائد، ويُشجع على اليقظة الذهنية.
  • تدفق عميق: مهام أكبر تتطلب مهارة وتركيزًا مثل الكتابة، الدراسة، التصميم، أو مشروع تحبينه. يزيد الإبداع ويقوي الإحساس بالمعنى.

خطوات الوصول إلى «التدفق»

  • إزالة المشتتات، التركيز على مهمة واحدة، تحديد وقت محدد، تجربة أنشطة مختلفة لاكتشاف ما تحبين.
  • «التدفق» هو أداة عملية لتحقيق «الإيكيغاي»، سواء كان سطحيًا أو عميقًا، فهو يعزز شعور المعنى في حياتنا.

ثالثًا: من أهم أسباب السعادة «الصمود العقلي».. كيف نصل إليه؟

كيفية الوصول إلى «الصمود العقلي»، وهو من الأفكار الأساسية التي طرحها الكتاب:

  • إدارة المال بحكمة: مصادر دخل متعددة، استثمار آمن، وجزء فيه مخاطرة.
  • إزالة المزعجات والمشتتات.
  • الصحة الجسدية والنوم الجيد.
  • ممارسة الرياضة والحركة اليومية.
  • الالتزام بروتين يومي/ أسبوعي لتنظيم الحياة وتقليل القلق.

الصلابة العقلية تجعلنا قادرين على التركيز في «التدفق» واكتشاف «الإيكيغاي»، وتمنحنا قوة الاستمرار في مواجهة التحديات اليومية.

النظريات والممارسات اليابانية

  • Kaizenالتحسين المستمر بنسبة صغيرة يوميًا
  • Wabi-Sabiتقدير جمال الأشياء غير الكاملة
  • Shoshinعقل المبتدئ لتعلم مستمر
  • Moaiشبكة دعم اجتماعية مدى الحياة
  • Hara Hachi Buالأكل حتى 80% من الشبع
  • Forest Bathing / Shinrin-Yokuالتواصل مع الطبيعة لتقليل التوتر

كل هذه النظريات والممارسات تساعد على تعزيز الصلابة العقلية، و«التدفق»، و«الإيكيغاي».

قصة قرية «أوكيناوا»

«أوكيناوا» نموذج حي للحياة الصحية وطول العمر، وهي مثال حي على أهمية تطبيق «الإيكيغاي» وباقي النظريات. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه المنطقة لديها أعلى معدلات للمعمرين في العالم، ما لفت أنظار الباحثين لدراسة عاداتهم.

تتميز هذه القرية بانتشار السعادة بين أفرادها، وطول أعمارهم. يقول الكاتب إنه حضر عيد ميلاد لشخص في التسعينيات من عمره، وكان بجانبه أصدقاؤه، أصغرهم في الثمانينيات، ولا تزال صداقتهم ومشاركتهم للتحديات مستمرة حتى اليوم. لاحظ الكاتب عدة خصائص وعادات تميزهم:

  • انتشار «الإيكيغاي» بين السكان (وهو المعنى الذي نصحو من أجله).
  • الحركة اليومية البسيطة أفضل من الرياضة العنيفة.
  • الصداقات طويلة المدى «Moai» لدعم الصحة النفسية وتخفيف التوتر.
    يعتمدون على صداقات طويلة الأمد منذ الطفولة وحتى الشيخوخة، ويتشاركون أنشطة اجتماعية سويًّا، ويقيمون احتفالات، مما يساعد على إضافة البهجة، وتقليل التوتر، وزيادة الدعم الاجتماعي بين الأفراد، وبالتالي قلة الأمراض والتوتر الذي يؤدي إلى فقدان حياة الأفراد.

الالتزام بقاعدة «Hara Hachi Bu» للطعام

سأتحدث قليلًا عن هذه النظرية. تشمل ألا تقوم عن الطعام وأنت ممتلئ كثيرًا؛ لا بد أن تأكل 80% فقط من احتياجك، وتقوم وأنت لا تزال تشتهي الطعام.

هذه العملية تحسن الهضم، وتقوي الصحة العقلية، وتقوي المناعة، وتُكسب الجسم نشاطًا. ثم إن هذه القرية تتميز بقلة عدد السعرات مقارنة بمتوسط ما يستهلكه أفراد اليابان. يستخدمون ثلث ما يستخدمه اليابانيون من السكر أو الملح.

فإذا كان أحد أفراد اليابان يستخدم 12 ملعقة سكر، فإنهم يستخدمون 4 فقط. وكذلك أيضًا في الملح.كما أن طعامهم يحتوي على الأسماك، وقليلًا من اللحوم.

كل هذه العادات تُسهم في خلق توازن جسدي ونفسي يُلهمنا في حياتنا اليومية.

النصائح العشر للكتاب

  1. الصلابة العقلية: الابتعاد عن المشتتات والمزعجات
  2. إدارة المال: مصادر دخل متعددة واستثمار متوازن
  3. الصحة: حركة يومية، نوم جيد، غذاء صحي
  4. التدفق: تخصيص وقت للمهام المهمة
  5. العلاقات: صداقات داعمة، مجتمع متعاون
  6. التحسين المستمر: «Kaizen»
  7. العقلية المفتوحة: «Shoshin»
  8. تقدير البساطة: «Wabi-Sabi»
  9. الحركة اليومية البسيطة أهم من الرياضة الثقيلة
  10. الالتزام بالعادات اليومية لتحقيق الاستقرار النفسي والجسدي

هذه النصائح تربط جميع العناصر السابقة في خطة حياتية متكاملة.

أهل اليابان، وخصوصًا في قرية «أوكيناوا»، يعتمدون على مفهوم في الطب يشبه العلاج النفسي، يُسمى «العلاج بالمعنى». العلاج بالمعنى (Logotherapy) للدكتور فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) يُظهر قوة اكتشاف الهدف في الحياة كوسيلة للعلاج النفسي. وهو أهمية وجود معنى لوجودك في الحياة، والسير فيه، بدلًا من التفتيش في آلام الطفولة.

لكي نصل إلى معنى لحياتنا، لا بد أن نبحث عنه. فلا أحد يولد وهو يعرف ماذا يحب.

الحب يأتي بالتجربة، ثم إن «الإيكيغاي» لا تعني فقط أنك تحب الشيء، أو تهتم به، أو تفعله لتحصل على المال، أو لأنه يفيد المجتمع، بل هو شيء ما بين هذه الأفكار كلها.

ومن الممكن أن نصل إلى هدفنا بالتجربة والصبر، وأن نستمتع بالمتاح في حياتنا، ونتواصل مع الآخرين، وألا نغلق الباب على أنفسنا، وأن نضع خطة صحية؛ لأن العقل السليم في الجسم السليم.

العلاج بالمعنى ودوره في «الإيكيغاي»

العلاج بالمعنى «Logotherapy» للدكتور فيكتور فرانكل يُظهر قوة اكتشاف الهدف في الحياة كوسيلة للعلاج النفسي:

  • الفكرة الأساسية: التركيز على معنى الحياة بدل الغوص في الماضي أو الطفولة، على عكس العلاج السلوكي المعرفي «CBT».

مثال من الكتاب

رجل فقد زوجته وكان مكتئبًا، فسأله الدكتور: «كنت تفضل من يموت أولًا؟».

فهم الرجل أن ألم فقدانه له معنى، وأن استمرار حياته له هدف جديد، ما ساعده على تجاوز الاكتئاب.

«التدفق» مرتبط بهذا العلاج، إذ إن الانغماس في المهام (سطحية أو عميقة) ينظم المخ، ويخلق شعورًا بالمعنى والسيطرة، ويعزز «الإيكيغاي».

اكتشاف «الإيكيغاي» والوصول إلى «التدفق» وتعزيز الصلابة العقلية واتباع الممارسات اليابانية كلها أدوات عملية لتكوين حياة متوازنة ومملوءة بالمعنى والسعادة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.