بين مطرقة الحاضر وسندان المجهول: فلسفة الاغتراب وصناعة المستقبل

إن الزمن الذي يفصل بين الماضي والحاضر هو برزخ غيبي تحجبه غيوم كثيفة؛ لذا يبدو من الصعوبة بمكان أن يرى المرء بعين بصره ما كان وما سيكون.

لكن بعين «البصيرة» قد تنجلي بعض تلك الغيوم، وتلوح له أضواء بعيدة يهتدي بها فيستبشر، أو يتوجس منها خيفة فينكفئ على ذاته.

فالإنسان كائن زمني، يعيش واقعه الحاضر، وعينه ترقب المستقبل؛ كأنما هو سفينة في خضم بحر تمخر عباب أمواجه المتلاطمة، والمستقبل بالنسبة إليه تلك المنارة البعيدة التي يبدو نورها تارة، ويغيب تارة أخرى تبعًا للتقلبات الجوية.

الإنسان والمستقبل

هذا هو التصوير الوجداني للإنسان المعاصر، الذي يعيش حاضره بكل أفراحه وأتراحه، محاولًا بجد واجتهاد أن يكون غده أفضل من واقعه المعاش.

وحتى يعيش الإنسان متزنًا، عليه أن يضع نصب عينيه حكمة الشاعر العربي القديم:

ما ماضٍ فات، والمؤمَّلُ غيبٌ

ولك الساعةُ التي أنتَ فيها

إن الحاضر الذي نعيشه اليوم يختلف اختلافًا جذريًا عما عاشه أسلافنا؛ ففي حين كانوا يحيون ضمن قوالب دينية وأخلاقية واقتصادية وتكنولوجية ثابتة نسبيًا، نجد واقعنا المعاصر «بعجره وبجره» يضج بالأحداث المتسارعة والإيقاع اللاهث، وهو ما يولِّد لدى المرء شعورًا بالاستلاب والاغتراب.

لقد تحول العالم إلى «قرية رقمية» صغيرة، لكنها باردة المشاعر؛ تتسلل إلى الروح فيها وحشة ناتجة عن اغتراب الذات وضياع الهوية الفردية، التي تمثل اللبنة الأساسية للاطمئنان النفسي. لقد ضاعت هذه الهوية وسط طوفان من المعلومات المتناغمة أحيانًا والمتناقضة كثيرًا.

ونتيجة للانشغال باللهث وراء الرقمنة، والصخب الإعلامي المذهل، والعزلة الافتراضية، وتلاشي الخصوصية، تمضي الحياة بسرعة لا تترك مجالًا للتأمل. ومع تسارع إيقاع الزمان، يبرز السؤال: هل التطلع إلى المستقبل يثير الرعب أم يمنح الأمل؟ فعندما ينظر المرء إلى التغير المناخي والذكاء الاصطناعي، الذي قد يستغني عن جهد البشر، يجد نفسه أمام تحديات وجودية شديدة الخطر، وتحول حاد في القيم الإنسانية، الأمر الذي يجعل البعض يرى في المستقبل كائنًا مفترسًا يتربص به.

لكن يتعين علينا امتلاك نظرة موضوعية تفتح أبواب الأمل؛ فالتقدم العلمي هو في صالح الإنسان إن أحسن التعامل معه. إن الناظر إلى حاضره من نافذة الاستشراف يرى نفسه بين مطرقة الواقع وسندان التغيير. وكيف يستعد المرء لمستقبل مجهول الملامح؟ لا شك أن الإجابة المكتملة مستعصية، لكن القيم الجوهرية كالجمال والحب تظل بوصلة لا تخطئ؛ فهي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، راسخة الجذور مهما اشتدت رياح التغيير.

إن مصير المستقبل يصنعه الإنسان حين ينتقل من حالة «الانفعال» إلى «الفعل»، مع وعي كامل باللحظة الراهنة. فالحاضر ليس سجنًا، بل هو مختبر فاعل للمستقبل؛ نحن لا ننتظر مجيئه، بل نرسم خطوطه العريضة من مسودته الأولى. إن الإنسان في صراع مستميت بين القلق والطموح، غير أن الإيمان بأن الإرادة البشرية قادرة على تحويل التحديات إلى جسور عبور هو السبيل الوحيد.

فلا يأس ولا خشية من المستقبل ما دامت الإرادة والإخلاص هما الوقود لمواجهة التحديات، ومن يملك هذه الأدوات سيبلغ شاطئ النجاح يقينًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في مشوراتي المتواضعة سعيد بإبداء آرائكم حولها
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.