صنم العصر الحديث: تأملات في فلسفة الإدمان وقيد الإرادة

هذا ليس مقالًا علميًا عن الإدمان. بل هو مجرد خواطرَ لاحَت لي؛ فودِدتُ أن أبثَّها هاهنا. فما هو إلا نفثة مصدور، وآهة أَلَمٍ تنهدَها قلبي فكانَ هذا المقال. 

إنما مَثَلُ الإدمان كمثل صنم نحته أحدهم ثم طفق يتزلف إليه بصنوف القرابين، ويمرغ وجهه في ثرى قدميه، وينكبُّ بين يديه في إنحاء وتبجيل، ويخر له ساجدًا! هذا والصنمُ ليس إلا جمادًا لا يدري عما يحدث حوله أو له شيئًا.

فإذا قيلَ لذلك العاكفِ عليه: لمَ تصنعُ ما تصنع؟! كان جوابه: لا أدري، غيرَ أني مقهورٌ على أن أفعل، فلا أستطيع أن أبغيَ عن ذلك السبيل حِولًا، وإن ابتغيتُ فلستُ بالغًا من مبتغاي أملًا! فإن أراد أن يفارقه قليلًا ليمارس بعض مهامه الأخرى؛ لم يفتأ إلا يسيرًا حتى آبَ إليه مهرولًا، كأنما قد جُبلَ على تلك العبادة جَبلًا.

فتراه لا يحسن من العلائق إلا علاقته بذا الصنم، ولا يخالط من البرايا شيئًا إلا هو، ولا يأنس بجوار إلا جواره، ولا يطمع في لقاء؛ إلا لقاءَه. فينغلقُ على نفسه في زاوية تخلو من كل شيء إلا من صنمه المبجل، ويأنف من ممارسة أي فعل؛ عدا مناجاته في الأسحار، ويستنكف عن أداء ما ينبغي عليه؛ لعكوفِه على صنمه آناء الليل وأطراف النهار.

فما هو إلا رجل قد تحجر فضفاضًا، وضيق واسعًا. فتصاغر العالم في ناظريه ليصبح مقصورًا في هذا الجماد الأخرق، وتضاءلت الدنيا في عينيه؛ لتفيء إلا ذاك الفعل الأحمق.

ووجه الشبه بينَ المدمن وعابدِ الأصنام (لا أتحدث عن معنى شرعي، ولا أزعم أن المدمنَ مشرك بالله تعالى) أنَّ كليهما لديه تَعلَّقٌ غير منطقي بشيء ما. وأن النتيجةَ الحاصلةَ لكليهما هي الخسران والبوار.

وأنَّ كل واحد منهما ينساقُ إلى فعله كَمَن يُدفَعُ مِن ورائه ولا يدري عن تلك القوة الدافعة شيئًا! فكأنهما مقهورانِ على هذا الصنيع، وإن لم يوجد بشكل واضح وصريح ذلك القاهر. 

الإدمان يميتُ القلبَ وهو حي، ويشلُّ العقلَ وهو يعمل، وينقضُ الإرادةَ فإذا هي واهية كالعِهن المنفوش، ويسلسل النفسَ بأصفادٍ من الفولاذ، ويسلبُ من بين يدي صاحبه كل شيء؛ ثم لا يعطيه عِوضًا عن ذلك سوى لحظاتٍ متهدجة من النشوة الكاذبة ورشَفاتٍ ذليلةٍ من كأس السعادة الواهية.

فكلما اغترف منها غُرفة بيده؛ زادته شقاء على شقائه، ووَهنا على وهنه، ثم لم تلبث إلا يسيرا حتى تخامرَ كل دقائقه، فتتشبث بها تلك الأخيرة؛ تحسبها للنجاة طوقًا، ولا تعلم أنها تسوقها إلى الحَتفِ سَوقًا، وتظنها منطادا إلى التحليق في جو السماء بينما هي أغلال مصفدة إلى مستنقع الضياع والفناء! فمثلهُ كمن يموتُ عطشا وهو في سواء البحر! ولو أنَّ أمعاءَه تستوعبُ كل مائه؛ فلن يزيده الشرابُ إلا ظَمَئًا.

ثم هو سبيل محقق إلى الهوان والمذلة، وإرثٌ غادق من الوضاعة والقِلَّة! فيا لَتعس عبد المخدرات من عبد، ويا ضيعة أسير التدخين من ضيعة. إنه لا يرنو إلا إلى جب العذرة، ولا يتشاوفُ إلا لحضيض المرائي، فيتعامى عن الكوكب الدري، ويرمق العَفَن في بطن الظلام المَزري. 

إن الأسيرَ الحقيقي ليس أسيرَ الحرب! ولكنَّ الأسيرَ من واتته فرصة إلى النجاة فأبى إلا البقاء في أسره. إن قضبان السجون الفولاذية تشعل في النفس هَوجةً عليها، ولكن سجن الإدمان لا يثير في النفس إلا مزيدًا من الحرص عليه!

سل أي مسجون: أترضى بما أنت فيه من القيد والأسر؟ فسيجيبك: كلا. فسله بعدها: فإن استطعتَ الخلاص منه أكنت تقدم على ذلك؟ فسيجيبك: طبعا بكل تأكيد. أما المدمن؛ فإن سألته: هل ترضى بهذه العبودية للمخدرات، فسوف يخبرك أنه ليس يرضاها، ولكنه إن أُعطِي فرصة للخلاص منها؛ فلعمري لن يقدم على انتهازها! كم هو شيء عجيب حقًا! عندئذ ستكتشف بوضوح أي الفريقين أحقَّ بوصف الأسر وأخلقَ بتسمية العبد.

إن الوهنَ الذي يدب في قلب المدمن ونفسه لمما يثير العجَبَ والشفقةَ في آنٍ واحد. إنه لتثقل عليه الأمور الخفيفة، وتعظم لديه الأشياء الهينة، وتكبر في ناظريه الصغائر، وتعظم في عينيه المحقرات. فإذا تكلمنا عن العظائم والمدلهمات، أو تناولنا الشؤون الكبائر والجسيمات؛ ألفيتَ تغافلًا أو تهوينًا، ورأيتَ لا مبالاة أو لا شعورًا.

إن المعانيَ لَتنقلبُ على فؤاده، والفطرَةَ لتنتكس في نفسه، فَيُنَفِّسُ الحقيرَ، ويُحَقِّرُ العظيمَ، فلا يعودُ إلى جِنسِ العقلاء في شيءٍ؛ إلا عندما يتعلقُ الخطبُ بتنائي صنمِه عنه! فإنْ حِيلَ بينَه وبين ما يشتهيه؛ احتالَ لنيله من الحيل ما إن مكرَه لتزولَ منه الجبال! فلبئسَ ما قدَّمَ المرءُ لنفسه.

لكن هب أن مريضًا بالإدمان رام العلاج، ألَهُ من علاج أم قد قُضي عليه أن يموتَ وهو في ذاتِ السجن؟! 

الجواب قطعًا له علاج، أليس واحدا من الأدواء التي أخبر عنها النبي بقوله: ما أنزل الله داء إلا أنزل معه دواء، علمه من علمه وجهله من جهله.

لكنَّ مَثَلَ الإدمان كمثل فيروس المناعة الذاتية أو الإيدز؛ فهذا المرض يقتل مناعة الجسم، ويداهم قدرته على التعاطي مع الجراثيم في مقتل. وكذلك الإدمان يأتي على أنفس ما يمتلكه الإنسان (وهو الإرادة) فيطعنها؛ فإذا أثخنَها لم يدعها حتى يستيقن أنها فارقت الحياة! وهذه هي المشكلة؛ أن الإرادة تكون على شفير الموت، أو ميتة بالفعل؛ وليس من علاج جُعل للموتى، ومن هنا تحل الصعوبة.

وذلك أن مُحاولةَ التفاهم مع مجنون؛ هي أمرٌ أقربُ إلى الجنون منه إلى العقل! إذ كيف تقنع مجنونًا بأبسط المسائل وكيف تُولِج إلى عقله الغائب إحدى البديهيات التي يعلَمها الطفل بالسليقة؟ 

أَما وقد فارَق العقلُ صاحِبه المجنونَ بالكلية؛ فإن عقل المُدمن لم يغادره بالكلية. وهذه هي النقطة الجوهرية في التعافي. إن المدمن لا يخلو من لحظات كثيرة تترى؛ ترتد فيها إليه إرادته الواعية، ويؤوب إليه -إبَّانها- عقلُه المتغيب. فإذا شارَف من ذلك شيئًا؛ أحسَّ بلذع ضميره المخدور، وقد أفاق من سُكره؛ فلا يزال يرميه بسياط موجعة من التثريب وازدراء النفس؛ حتى لا يجد ما يفزع إليه إلا جرعة من المخدر؛ يهوي به عليه؛ فيرتد إلى سباته العميق، وهكذا دواليَك.

إنها حلقة مفرغة من الخَدَر ثم الإفاقة ثم اللوم الداخلي ثم الهرع إلى التخدير من جديد! وهي دائرةٌ لعمري تأكل في أحشائه، ولا يقوى على كسرها إلا من شاء الله. 

فإذا عُلِمَ أنها دائرة؛ فإنَّ اللبيب من أقسم على عدم الدوران فيها، وإذا عُلِمَ أنها مفرغة، يعني يؤدي بعضها إلى الذي يليه قَسرًا؛ فإن الأريبَ من قسرَها هو على الكسر قبل أن تقسُره هي على المُضيِّ كالأنعام بين حلقاتِها، ولكنّ أنى للمُغيب.. من عقلٍ أريب، وبُعدًا للأرَابة.. عن ذي الكلف والصَّبابة.

وتدورُ به السنونُ كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحَى؛ تأتى على أغلى ما يملك، وهو لا يشعر أن شيئًا يحدث. فهو قد تشرنقَ في قوقعةٍ مظلمةٍ حالكةِ السواد؛ فغدا عالمه -الذي كانَ واسعًا قبل ذلك- أشبَه بقبرٍ، فإنْ نعَقَ به صوتٌ شفيقٌ أو قلبٌ رؤومٌ يرجو له الخلاصَ من قبره، فلا مجيبَ، وما أنتَ بِمسمعٍ مَن في القبور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة