فلسطين حرة

من فلسطين إلى السماء
عزيزي الملاك الموقر عزرائيل:
اعتذر على عدم مراسلتك البارحة لأني كنت في الفراش نائماً. . . . . آه. . . كم اشتقت للنوم العميق اللذيذ. . . وآه كم هو شعور الراحة ممتع ولو لبعض الوقت. سيدي العظيم، إن البارحة لأسعد أيامي فلم ألعب تحت أكداس الرمال ولم أتجول بين الحطام. كما أني عثرت على الكثير من فتات الخبز في المطبخ لذلك لم أخرج اليوم إلى شوارع الحي ولم أكثر وما يسعدني حقاً أني لم أطل من النافذة لأتفقد مرور إحدى الحشرات القاصفة، وأتعلم يا سيدي بأن هذه الحشرات لأبشع ما رأيت في كامل حياتي الطويلة وأنا ألمحها دائماً في الجو تحوم وهي تزغرد شماتةً وسخرية بدويها الصاخب الأشبه بطائرات الحرب كما يقول الجميع. كان صليلها وصهيلها وزقزقتها ونقيقها المتواصل يزعجني دوماً في النوم؛ فكان يقتلع أحلامي من منبت رأسي ويلقي بها رهينة البشاعة والنسيان. كم كان صداها يتردد في كامل الحي؛ فتراني على آثره ابعث قهقهة تلو الأخرى بريئة سعيداً بابتعاد الحشرات عن منزلنا لأن الصدى يمتد من أبعد الأماكن كما يقول أخي محمد فلكم أكره هذه الحشرات التي تستوطن حينا لسبب أجهله وأحيانا أفكر في أنها تريدني لتحملني إلى السماء لأحظى بالبقلاوة والفطائر كم أخبرتني أمي وأن أكثر ما يثير ضحكي التصميم المعماري لحينا حيث منزل الجيران فارغ وأمي تقول إن الجيران يأتون في الليل.
حسناً، لكن عن أي جيران تتحدث؟ أنا لا أرى يومياً إلا أكداساً من الأجر المحطم تقيم في منزل الجيران ولا ألمح سوى أكواماً من الرمل والحجارة تعمل في دكان الحي ولا أشاهد غير شظايا البلور وبقايا الأسقف تزين المتنزه القريب منا ولا أشم إلا رائحة نتنة تغزو السماء، تلك الرائحة التي تخترق جسدي وتستثير خلاياه وتمزق أنسجته إرباً، فأشعر بشعور لم أعرف للآن اسمه لكني أمقته.

أحياناً حين أرى هذا الغبار الحالك يتسلق السماء أتساءل إن كان يصل إليك وأخاف أن تشمئز منها فتهم تسلب أرواحهم هم وإني لا أريد لهم الموت لأن الله أوصانا ببعضنا خيراً كما أوصت أمي أخي بي؛ لذلك أرسلت لك هذه الرسالة أخطها بأبجدية الحب والسلام وأنا الذي لم أفقه معاني هذه الكلمات فهذه دعوتي أتلوها للسماء لعلها ترفق بهم من العذاب. هذه آمالي انسجها بأناملي التي برعت نبش الحطام للبحث عن الفتات، وهذا الأنا الذي يقطن غزة وغزة التي في فلسطين هي موطني، والذي ما زلت أجهل ما هو لكني أعرف أن قلبي ينبض في غزة فقط وروحي تحب فلسطين فقط.
أخيراً ملاكي العظيم: أرجو أن ترجو من الله أن يرحمهم وأن يسامح الحشرات القاصفة.
أمل
فلسطين
حي الأحلام
منزل الحرية
طفل السنتين
عزيزي القارئ: أرجو منك أن تعلم أن المقال قد كتبته بدمي.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 25, 2021 - سماح القاطري
May 23, 2021 - ليلى أزروال
May 23, 2021 - hind elmetwaly
May 22, 2021 - سماح القاطري
May 22, 2021 - معاذ بسام
نبذة عن الكاتب