قبل أن يتمكن العلماء من فك رموز الكتابة المصرية القديمة، جاءت جميع المعلومات عن الحضارة المصرية مما كتبه المؤرخون الكلاسيكيون، مثل المؤرخ المصري "مانيثيون" واليوناني "هيرودوت" وبعض المؤرخين الرومان.
اقرأ ايضاً كتاب عن جمال الحضارة الفرعونية
محطات تاريخية لوجود علاقة قديمة بين مصر والمجتمع الإسرائيلي
وكذلك مما ورد في التوراة الذي تدعي روايته التاريخية وجود علاقة قديمة بين مصر والمجتمع الإسرائيلي، من خلال خمس محطات تاريخية تبدأ بالنبي إبراهيم -عليه السلام- الذي وصل إلى مصر مع زوجته سارة قادمًا من فلسطين "أرض الميعاد" الذي هاجر من بلده "أور الكلدانيين".
حيث تعرض لمحنة قاسية لأن الفرعون جشع زوجته الجميلة، ونبينا إبراهيم -عليه السلام- لم يجد حلًا للخروج من هذا المأزق، إلا أنه يكذب لينقذ نفسه من هذه المعضلة، حيث أخبر الفرعون أن سارة أخته وليست زوجته، اكتشف بطريقة ما أن التوراة لم توضح لنا أن سارة كانت زوجة إبراهيم وليست أخته كما قال لها من قبل، فوبخه بشدة وأعاد لها عددًا كبيرًا من التبرعات من مال وغنم وحمير.
تم إنقاذ يوسف بن يعقوب الذي حاول إخوته التخلص منه بوضعه في البئر، حيث تم إنقاذه وبيعه لمصر، لزوجة الفرعون، وصار هناك بعد أن كبر مسؤولًا في الحكومة المصرية، لذلك تم إرساله ليطلب من عائلته العيش في مصر، حيث تضاعفت هذه الأسرة وأصبح عددها كبيرًا يقدر بمئات الآلاف.
أما المرحلة الثالثة فهي تبدأ بقدوم فرعون جديد للسلطة تغيرت معه سياسة مصر تجاه هذه المجموعة عما كانت عليه في عهد الفرعون يوسف حيث عانى الإسرائيليون من مظالم خطيرة وفُرضت السخرة على جميع المواليد الذكور دون أن تعطينا التوراة أي سبب لهذه السياسة الجديدة.
أما المحطة الرابعة والحاسمة فإنها تتمثل في ظهور المنقذ الذي تتمثل في النبي موسى عليه السلام، الذي واجه الفرعون الظالم بطلب السماح له وجماعته بالخروج من مصر، ولكنه رفض ذلك وزاد من ظلمه لهم، فقرروا الهروب الجماعي، الذي كانت خاتمته مأساوية للفرعون وجيشه، الذي غرق في البحر.
أما المحطة الخامسة فقد مثلت في هذه الحملة العسكرية بقيادة الفرعون "شيشنق" صهر سليمان ضد المملكة اليهودية وخليفة صهره، من خلال سرد التوراة لهذه المراحل، كانت كل لعناتها تنصب على المصريين، بالإضافة إليهم طبعاً فراعنة مصر الذين كانوا مثالًا على الاستبداد والقسوة والكفر.
اقرأ ايضاً لغز من يعرف بفرعون موسى
النصوص التاريخية والعلماء
اعتبر العلماء النصوص التوراتية كنصوص تاريخية صادقة لا تقبل الجدل والنقاش، ومن خلالها نشأت معتقدات راسخة منها:
1. كان لكل حكام مصر القديمة اسم "فرعون".
2. كانت رمزًا للقسوة والفساد والكفر.
وقد وُصِفت بها الحضارة المصرية القديمة كلها، في مواجهة قوى الخير والصلاح والإيمان، وقد حُمل هذا المصطلح بكل الإسقاطات السيئة، وقد تم نقل هاتين الفكرتين إلى علماء المسلمين الذين رأوا في قصة النبي موسى -عليه السلام- والفرعون الواردة في القرآن الكريم خير دليل على ذل.
وهكذا صدر الحكم على مصر القديمة بملوكها وشعبها وحضارتها دون أن يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه؛ لأن لغته لم تكن معروفة وكان مثل أصم أبكم في هذه المحكمة التاريخية الجائرة.
اقرأ ايضاً رحيل ملوك مصر إلى متحف الحضارة
البحث التاريخي المتعلق بمصر القديمة
حقق البحث التاريخي المتعلق بمصر القديمة تقدمًا هائلًا عندما تمكن الباحث الفرنسي "شامبلون" من اكتشاف رموز الكتابة المصرية القديمة من خلال "حجر رشيد"، ومن قبيل الصدفة العجيبة هنا أن أحد أسماء هؤلاء "الفراعنة" أنفسهم كان "كلمة المرور" التي تمكن من خلالها "شامبليون" من تحقيق هذا الإنجاز العلمي العظيم، وهو بطليموس زوج الملكة المصرية الشهيرة كليوباترا، وهذا فتح الباب أمام مصدر جديد لتاريخ مصر القديمة، استنادًا إلى النصوص التاريخية المصرية نفسها، والتي وفرت ثروة كبيرة للدراسات التاريخية التي لا تتعلق فقط بالحوادث في التاريخ المصري، بل بالأحرى الأحداث في التاريخ المتعلقة بالقديم، والناس المعاصرين للدولة المصرية في ذلك الوقت.
النصوص المصرية وثوابتها الراسخة
اتضح من قراءة النصوص المصرية مفاجآت عجيبة قلبت كل الثوابت الراسخة في روحهم بفضل سيطرة النص التوراتي، ومنها على سبيل المثال:
1. كل النصوص التي وردت في التوراة عن علاقة بني إسرائيل بمصر لم ترد إطلاقًا في جميع النصوص المصرية.
2. لم يعرف المصريون طوال تاريخهم هذا الاسم الغريب "فرعون" على أنه وصف لملوكهم.
3. توجد حالتان فقط في تاريخ مصر على مدى آلاف السنين، ورد فيهما ذكر كلمة فرعون كاسم للملك في مصر، لكنهما ليسا من الملوك المصريين، وهي ملك للملك النوبي "خفرع بن أبسمتيك" عام 587 ق.م، الذي وصفه هيرودوت بأنه أمير لم يخوض مغامرات عسكرية، وخلف "فرعون" -أي خفرع- من مواطني مدينة ممفيس.
ويلاحظ هنا أن هذين الملكين، بالإضافة إلى كونهما ليسا مصريين، يقفان كثيرًا وراء الأحداث التاريخية المتعلقة بالتوراة، مما يعني أن الرواية التاريخية الكتابية لا معنى لها تمامًا، وهذا ما تؤكده حقيقة أن النصوص التوراتية تشير إلى تفاصيل صغيرة جدًا في روايتهم ننسى أنها منسية، مشيرة كليًا إلى أسماء الملوك "الفراعنة" الذين وقعت هذه الأحداث المزعومة في عهدهم.
دفعت هذه الحقائق العلماء إلى شحذ أذهانهم للبحث عن مخرج من هذا المأزق لإثبات حقيقة النص التوراتي، حتى لو كان ثمن ذلك تفسيرات لغوية تحقق هذا الهدف، انتشرت الفكرة حتى انتشرت وانتشرت، وأصبحت معطاة، حتى لو لم يستخدمها أصحاب المصلحة على الإطلاق في نصوصهم.
تشير النصوص المصرية إلى حقيقتين ظاهرتين
الأول
أن المصريين لم يشيروا إلى ملوكهم بأسماء شخصية كغيرهم من الرعايا إلا في حالات نادرة أو عندما كان هؤلاء الملوك من أصل غير مصري كالليبيين أو النوبيين.
ثانياً
استخدم المصريون خمسة أسماء محددة للدلالة على ملوكهم، مع ما يتطلبه ذلك من تقدم وتأخير لتمييزهم. هذه الأسماء هي:
1. اسم حوري
ويعني نسب الملك للإله "حورس" أي الصقر.
2. الاسم النباتي
وهو يشير إلى علاقة الملك بشعار المملكة الشمالية قبل التوحيد أي ملك مملكة الشمال.
3. اسم الأنساب
وهو مرتبط بشعار المملكة الجنوبية قبل التوحيد، أي أن هذا الاسم بسابقه يعني أن الملك هو صاحب السيادة على مملكتي مصر الشمالية والجنوبية.
4. اسم الحوري الذهبي
ويعني نسب الملك للإله "هورناب" أي الهور الذهبي.
5. اسم "صرع"
يعني علاقة الملك بالإله "رع" ويعني ابن الإله رع، حيث تعني كلمة "ص" في مصر القديمة.
من خلال هذه الألقاب الخمسة ومن خلال الخضوع والتأخير والتعديل، تمكن المصريون من العثور على قائمة طويلة من الأسماء التي أطلقوها على ملوكهم، ولم ينحرف عن هذه القاعدة إلا بعضهم بسبب الظروف السياسية مثل الصراع على السلطة أو الصراع بسبب الأمور الدينية مثل إثارة مسألة يؤمن بها الملك، وربما يتفاخر بعض الملوك المبالغ بهم لأسباب خاصة، لذلك أطلق على نفسه هذه الأسماء في الحال، كلهم مثل الملكة "حشبسوت"، التي واجهت على ما يبدو رفضًا كبيرًا لتولي السلطة باعتبارها امرأة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.