دواء الثاليدوميد عقار طبي طُرح في الخمسينيات مهدئًا وعلاجًا لغثيان الصباح لدى النساء الحوامل. وفضيحة عقار الثاليدوميد هي كارثة طبية عالمية تسببت فيها الشركة المصنعة بعد أن أدى الدواء إلى ولادة آلاف الأطفال بتشوهات خلقية خطرة، ما أدى إلى سحبه من الأسواق.
نستعرض في هذا الدليل قصة فضيحة دواء الثاليدوميد، وكيف تسبب هذا العقار في إصابة الأجنة بمرض الفوكوميليا. ونوضح من يتحمل مسؤولية كارثة دواء الثاليدوميد، ونجيب عن التساؤل المثير للجدل: هل ما زال دواء الثاليدوميد يستخدم حتى الآن؟ علاجًا للأورام تحت رقابة صارمة.
يحفل تاريخ الطب البشري بكثير من الاكتشافات التي أنقذت ملايين الأرواح، لكنه في الوقت ذاته يضم صفحات مظلمة لقرارات متسرعة تسببت في مآسٍ إنسانية لا تُنسى. وعلى الرغم من حدوث أخطاء طبية كثيرة متعلقة بالأعراض الجانبية للعقاقير؛ فإن فضيحة دواء الثاليدوميد تظل بلا شك أكبر كارثة طبية شهدها التاريخ الحديث.
طرح هذا العقار في الأسواق بوصفه معجزة طبية آمنة تمنح الأمل للحوامل، سرعان ما تحول إلى كابوس مرعب يهدد الأجنة والمواليد في أكثر من 52 دولة.
ما هو الثاليدوميد؟
دواء الثاليدوميد من الأدوية المجهولة لكثير من الناس؛ لذلك يتساءل كثيرون: لماذا يستخدم دواء الثاليدوميد؟
في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، أُعلن عن دواء جديد يعالج القلق ويساعد على النوم، والأهم من ذلك أنه يقضي على غثيان الصباح، وهو ما كانت تحتاج إليه النساء الحوامل، لا سيما في بداية الحمل.
لذا طرحت شركة Grunenthal الألمانية عقار الثاليدوميد لأنه آمنًا تمامًا على النساء الحوامل؛ ما جعله ينتشر بسرعة كبيرة في أوروبا وكثير من دول العالم التي قُدرت بنحو 52 دولة.
ومع نجاح العقار الذي انتشر تحت أسماء تجارية عدة، حصل الثاليدوميد على الترخيص الطبي للاستخدام داخل المملكة المتحدة عام 1958، وهو ما جعل استخدام الدواء الجديد يكتسب شعبية كبيرة في دول أخرى تثق كثيرًا في جودة المعايير الطبية في المملكة المتحدة.
وفي خلال أعوام قليلة أصبح دواء الثاليدوميد ثالث أكثر الأدوية مبيعًا في العالم، حتى إنهم أطلقوا عليه الحبة السعيدة نظرًا لمفعوله السريع والهائل في إيقاف القيء والغثيان لدى النساء الحوامل في الأشهر الأولى، قبل اكتشاف حجم الكارثة والضرر الرهيب في الأشهر التالية.
فضيحة دواء الثاليدوميد
بدأت فضيحة دواء الثاليدوميد عندما اكتشف طبيب أسترالي يُدعى ويليام أن عدد الأطفال الذين يولدون مشوهين في المستشفى الذي يعمل فيه يرتبط غالبًا بتناول الأمهات دواء الثاليدوميد.
فكتب إلى مجلة لانسيت الطبية لإثارة الموضوع، ولكي يتمكن الأطباء الآخرون من إجراء الملاحظات والانتباه إلى هذه العلاقة بين الدواء والأطفال الذين يولدون بتشوهات في المدة الأخيرة.
وفعلًا لاحظ أطباء الولادة والأطفال في أمكنة عدة أن كلام الطبيب ويليام ماكبرايد صحيح، وهو ما أدى إلى منع هيئة الدواء البريطانية استخدام الدواء، ورفضت عالمة الصيدلة الأمريكية فرانسيس أولد هام كيلسي منح ترخيص الدواء في الولايات المتحدة، على الرغم أنه حقق نجاحًا كبيرًا في الدول الأخرى، وهو الأمر الذي دفع كثيرين إلى العودة لدراسة الأعراض الجانبية للدواء.
ومع البحث والإحصاء، اكتُشفت حالات كارثية كثيرة لأطفال وُلِدوا بتشوهات مختلفة في دول عدة نتيجة استخدام الأمهات الحوامل أدوية الثاليدوميد، وشملت التشوهات قصورًا مفرطًا في الأطراف، وحدوث شذوذ خلقي ناتج عن الإصابة بمرض الفوكوميليا الذي اتضح بعد ذلك أنه يحدث بسبب تناول الثاليدوميد.
وسريعًا أصدرت دول عدة أوامر بمنع تداول الدواء واستخدامه في المستشفيات العامة والخاصة، وسحبه من الصيدليات، ولم يمر عام 1961 حتى تخلصت دول أوروبية عدة من دواء الثاليدوميد بعد أن أصبحت الفضيحة كارثة طبية أدت إلى آلاف حالات الإجهاض وعشرات الآلاف من حالات الأطفال المشوهين في نحو 50 دولة استخدمت العقار في أوروبا وخارجها.

توابع كارثة دواء الثاليدوميد
الغريب في الأمر أن تأثير علاج الثاليدوميد تجاوز تأثير كثير من السموم والمواد الضارة، إضافة إلى أن تأثيره كان سريعًا للغاية، حيث ظهرت النتائج الكارثية بعد تسويق العقار بأشهر قليلة بشكل يتنافى مع المنطق، فقد وُلِدَ آلاف الأطفال بتشوهات خلقية خطرة في مدة زمنية قصيرة.
وكان الأمر الأسوأ في توابع استخدام ذلك العقار الملعون هو أن التشوهات التي تحدث للأطفال لا يمكن علاجها بأي شكل من الأشكال، حيث كانت الجذوع والسواعد تبدو وكأنها إسفنجية أو مصنوعة من العلكة، بالإضافة إلى أن معظمها كان مرتبطًا مباشرة بالكتفين بسبب نقص مادة العظام، وهو التأثير المباشر لاستخدام الأمهات لعقار الثاليدوميد.
كما وُلِد أطفال كثيرون بسيقان قصيرة، وأحيانًا كانت السيقان متباينة الطول، فبعضهم كان يمتلك ساقًا قصيرة وأخرى طويلة، بالإضافة إلى كثير من حالات العمى وحالات تلف الأعضاء الداخلية، وهو ما يجعل الحياة الطبيعية شبه مستحيلة لهؤلاء الأطفال الذين لم يرتكبوا أي ذنب سوى أن أمهاتهم حاولن التخلص من الغثيان والقيء في بداية الحمل.
وعلى الرغم من أن الأرقام الرسمية أشارت إلى إصابة أكثر من 20 ألف طفل في أوروبا وحدها، فإن كثيرًا من الدراسات والآراء المعتبرة لأطباء وباحثين ورجال قانون أشارت إلى أن الأعداد أكبر من ذلك بكثير.
من يتحمل مسؤولية الدواء الملعون؟
سؤال قد يظنه كثيرون جانبيًا أو غير ذي أهمية بعد حدوث الكارثة، فأي تعويض أو عقاب لن يعالج الأطفال المشوهين ولن يمنح الأمهات والآباء الراحة والرضا، لكن هذه الجريمة والكارثة الطبية لا بد أن يُعاقب المتسبب فيها حتى تكون عبرة لمن بعده، ولكي يتعلم العالم كله من تلك الحادثة.
والحقيقة أن الشركة المسؤولة عن إنتاج العقار لم تتحمل المسؤولية التحمل الكافي، على الرغم من أنها تسببت في أكبر كارثة طبية على الإطلاق، لأن عقار الثاليدوميد ظل يُباع في الأسواق حتى عام 1973، أي بعد 10 سنوات من الفضيحة التي هزت أوروبا والعالم، وهو ما يوضح مدى عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل الشركة المسؤولة عن إنتاجه وتوزيعه.
وفي إسبانيا، أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ملزمة بتعويض الأشخاص الذين تضرروا من استخدام دواء الثاليدوميد. وفعل صرفت تعويضات تتراوح ما بين 30 ألفًا و100 ألف يورو حسب الحالة ومدى الضرر، وهو ما رفضته الحكومات في دول أخرى مثل الأرجنتين، التي رفع الناس فيها دعاوى عدة من أجل طلب التعويضات، إلا إنهم لم يحصلوا على أي شيء.
وفي بريطانيا، كان الوضع أفضل حالًا، حيث كانت الصحافة مساندة للمتضررين طوال سنوات بعد توقف استخدام الدواء. ونشرت صحيفة صن داي تايمز عام 1972 في صفحتها الأولى عنوانًا كبيرًا يقول: «أطفالنا الثاليدوميد سبب عار للوطن»، وهو ما ساعد المتضررين على الحصول على تعويضات كبيرة من شركة دياجيو المسؤولة عن تسويق الدواء في بريطانيا التي وصلت في السبعينيات إلى 28 مليون جنيه إسترليني.
وعلى الرغم من أن الحكومة الألمانية اكتشفت المخالفات التي قامت بها شركة Grunenthal في صناعة الدواء وتزوير الاختبارات الخاصة به وعدم الإعلان عن الأعراض الجانبية بشفافية؛ فإن الشركة لم تتعرض لأي مشكلة قانونية، ولم يتم توقيفها حتى الآن، وما زالت تنتج عشرات العقارات والأدوية الطبية، والأغرب من ذلك أنها ما زالت تنتج دواء الثاليدوميد.
وبعد سنوات من أكبر فضيحة وكارثة طبية في التاريخ الحديث، أعلن مخترع دواء الثاليدوميد عام 2012 عن أسفه للعواقب التي تسبب فيها الدواء الذي يمنع نمو الأوعية الدموية في الأجنة ويعيق نمو الأطراف؛ ما يؤدي إلى حدوث التشوهات وحالات الإجهاض.

الثاليدوميد علاج في الوقت الحالي
على الرغم من السمعة السيئة التي ارتبطت بعقار الثاليدوميد، وتسببه في آلاف من حالات التشوه والإجهاض، وأطلق عليه الناس اسم الدواء الملعون، فإنه ما زال يُستخدم حتى اليوم في بعض المجالات الطبية الدقيقة وتحت رقابة صارمة للغاية.
يُستخدم دواء الثاليدوميد الآن في حالات سرطان النخاع والعظام، ويمكن أن يكون مفيدًا لإطالة عمر المصابين بالورم النخاعي المتعدد، حيث يمنحهم على المستوى النظري نحو 18 شهرًا، كما وافقت عليه وكالة الأدوية الأوروبية عام 2008 بوصفه علاج لمرض المايلوما المتعددة.
تظل فضيحة دواء الثاليدوميد درسًا قاسيًا ومحفورًا في ذاكرة الطب الحديث، يذكِّر العالم دائمًا بأهمية الرقابة الصارمة والأمان قبل الربح التجاري، وعلى الرغم أن أدوية الثاليدوميد تسببت في تشويه ومأساة آلاف الأطفال، فإن المفارقة الطبية العجيبة تكمن في أن الثاليدوميد علاج يُعتمد عليه في الوقت الحالي لمحاربة بعض أنواع الأورام السرطانية المستعصية تحت رقابة مشددة. إن قصة هذا الدواء الملعون تثبت أن الخط الفاصل بين الشفاء والهلاك قد يكمن في دقة الأبحاث الطبية ومدى نزاهتها.
ما دواء الثاليدوميد ولماذا كان يستخدم؟
الثاليدوميد هو دواء تم تصنيعه في ألمانيا وطُرح في الأسواق في منتصف الخمسينيات. كان يُستخدم كمهدئ عام، وعلاج فعال للأرق والقلق، والأهم أنه استُخدم على نطاق واسع لعلاج حالات الغثيان والقيء (غثيان الصباح) لدى النساء في الأشهر الأولى من الحمل.
ما تفاصيل فضيحة عقار الثاليدوميد؟
تتمثل الفضيحة في التسويق الخادع للدواء على أنه آمن تمامًا للحوامل، ليتبين لاحقًا في أوائل الستينيات أنه يتسبب في إعاقة نمو الأوعية الدموية للأجنة. أدى ذلك إلى ولادة آلاف الأطفال بتشوهات خلقية خطرة في العالم، في ظل إخفاء الشركة المصنعة للحقائق وضعف الرقابة الطبية آنذاك.
ما التشوهات الخلقية التي يسببها الثاليدوميد؟
تسبب العقار في متلازمة تُعرف بمرض تفقم الأطراف، وهي تشوهات حادة تؤدي إلى ولادة أطفال بأطراف قصيرة جدًّا (أذرع وسيقان)، أو غياب الأطراف تمامًا وارتباط اليدين أو القدمين بالجذع مباشرة، وتسبب في تشوهات بالعين والأذن، وتلف بالأعضاء الداخلية.
هل ما زال دواء الثاليدوميد يستخدم حتى الآن؟
نعم، وبشكل يثير الدهشة. فقد اكتشف الطب الحديث قدرة الثاليدوميد على تثبيط نمو الأوعية الدموية للخلايا السرطانية. ويُستخدم اليوم تحت قيود ورقابة شديدة الصرامة في علاج "الورم النخاعي المتعدد" (سرطان النخاع)، وبعض مضاعفات مرض الجذام.
من تحمل مسؤولية كارثة دواء الثاليدوميد؟
تحملت شركة جرونينثال (Grünenthal) الألمانية المنتجة المسؤولية الأخلاقية الأكبر بسبب إهمالها وتزويرها لنتائج الاختبارات السريرية، على الرغم من إفلاتها من المساءلة القانونية الجنائية الرادعة. وفي بريطانيا، تحملت الشركة المسوقة دفع تعويضات مالية ضخمة للضحايا بعد ضغوط إعلامية.
تبقى فضيحة دواء الثاليدوميد جرحًا غائرًا في جدار تاريخ الطب البشري الحديث، لقد استعرضنا كيف تحولت وعود الشفاء إلى كارثة طبية أسفرت عن تفشي تشوهات الأجنة وظهور مرض الفوكوميليا. إن وعينا اليوم بالأعراض الجانبية للعقاقيروأهمية الرقابة لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمنه دماء ومعاناة ضحايا هذا العقار.
كيف ترون مسؤولية شركات الأدوية الكبرى اليوم مقارنة بما حدث معشركة جرونينثال في الماضي؟ شاركونا آراءكم في قصة دواء الثاليدوميد المشوه للأجنة وأهمية الرقابة الدوائية في قسم التعليقات أسفل المقال.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.