فضاء النص.. التكوين البنيوي والتفاعل التداولي

في عالم اللغة والنصوص، لا يكفي أن ننظر إلى الجمل على أنها متواليات لفظية مرتبة، بل يجب علينا أن نتأمل ما وراء هذا الترتيب، في الفضاء الذي تتنفس فيه المفردات وتتمثل فيه البنى، ذلك الفضاء لا يقتصر على الصورة السطحي، بل يتغلغل في القصد والسياق والتلقي.

في هذا المقال، نسلّط الضوء على مفهوم «فضاء النص» كما يتجلّى في الترابط بين المعجم والتركيب والجملة والسياق، بمنظور نقدي ولساني، يعيد للنص حيويته بوصفه كيانًا حيًّا ينبض بالتفاعلات العميقة.

ما معنى "فضاء النص" ؟

فضاء النص عالمه الفسيح الذي تتناسب فيه المفردات معجميًّا، وتنسبك فيه البنى اللغوية على مستوى البنية السطحية.

هذا الفضاء الفسيح يشمل النص وفضاءاته، والظروف المحيطة به، وقصد المؤلف وأفق المتلقي، وطرائق التلقّي التي تفضي إلى المقبولية.

معنى فضاء النص

وباعتبار أن النص حدث تواصلي، فإن هذا الفضاء يشمل أركان عملية التواصل أو التداولية، وهي الملقي والنص والمتلقي.

وكان العرب المبدعون في دراسات التفاعلات التي تملأ فضاءات النصوص، قد درسوا السبك وفهموا أن المقصود منه الترابط السطحي أو الشكلي على مستوى الألفاظ.

وفضاءات النصوص تعني بذلك المدروس كله، فهي المساحات المتسعة أو العوالم الفسيحة التي تتم فيها التفاعلات السطحية والعميقة بين الوحدات المكونة لتلك النصوص.

وكان ابن جني مبدعًا حين عرّف اللغة بأنها: «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم».

فالأغراض هي غايات التأليف، ومقاصد المؤلفين، والمؤلفون هم الذين يعمدون إلى الألفاظ لتركيبها، قاصدين بذلك غرضًا معينًا من الكلام سماه نحاة النص معيار القصد أو القصدية.

وقد تحدَّث الجرجاني في «أسرار البلاغة» عن عمل المؤلف، فقال: «والألفاظ لا تفيد حتى تُؤلَّف ضربًا خاصًّا من التأليف، ويُعْمَد بها إلى وجه دون وجه من التركيب».

وفي مرحلة ما قبل التركيب، أو في مرحلة القبلية كما يسميها نقاد الأدب، طوائف من القوافي والألفاظ المعبّرة عن المعاني، فينتقي منها الأجود والأصلح لتأدية المعنى المطلوب، ويعزل ما دون ذلك، مكوِّنًا نصًّا مزاحًا يوازي النص المنجَز.

وقد عبّر الجاحظ عن عملية الانتقاء التي سماها امرؤ القيس من قبل «ذياد القوافي»، فقال:

«المعاني القائمة في صدور الناس، المتصوَّرة في أذهانهم، والمتخلِّجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، محجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة».

والمعجم قائمة من المفردات، اختلف العلماء في كونه نظامًا أو غير نظام، فالذين نظروا إلى أن المعجم قوائم صمّاء من المفردات لا تربطها علاقات عضوية أو قيم خلافية، لم يعترفوا بنظامية المعجم، والذين نظروا إلى ائتلافه مع المعنى الوظيفي والسياق للتوصل إلى المعنى الدلالي الأكبر، جعلوه واحدًا من أنظمة اللغة.

فالمعجم فضاء كبير تسبح فيه أعداد هائلة من المفردات، ونحن نغترف من هذا المعين المعجمي الضخم الذي يحتوي جميع ما تستخدمه المجتمعات من مفردات وألفاظ.

والمعجم جزء من اللغة لا من الكلام، ومحتوياته مختزنة صامتة في ذهن المجتمع أو مقيّدة بين دفّتي المعجم، فهو صامت كما اللغة في حال عدم النطق، وحين يتكلم الفرد يغترف من هذا المعين الصامت، فيصير الكلمات ألفاظًا ويصوغها حسب قواعد اللغة.

ومما يدخل في إعداد الفضاءات ما سماه أستاذنا الدكتور تمام حسان رحمه الله «دور الفرد في الأداء»، الذي لا يقتصر على تقليب العبارات، وإنما يتعدى ذلك إلى ما يقوم به الفرد من المشاركة بدور معين في موقف معين، وعدم الاكتفاء بالمعاني الوظيفية الصرفية للمفردات.

إن العمليات التنفيذية اللغوية تستهدف بوجه عام الإسهام في التواصل والتفاعل الاجتماعي، بل تؤدي وظائف ديناميكية خلال عمليات وإجراءات تداولية محددة.

فضاء التركيب

لا يكون الكلام مفيدًا إلا إذا كان مجتمعًا بعضه مع بعض بروابط تربط بين وحداته، ويدخل في صميم مفهوم مصطلح الجملة أن عناصرها مترابطة ترابطًا محكمًا.

واللغة هي مجموعة متناهية أو غير متناهية من الجمل، كل جملة منها متناهية الطول، ومكونة من مجموعة متناهية من العناصر، واللغات جميعًا في صورها المنطوقة أو المكتوبة هي لغات بهذا المعنى.

فضاء الجملة

تأتلف الجملة في شكلها السطحي من الأسماء والأفعال والحروف وما يربط بينها من روابط، إلا أنها في بنيتها العميقة تأتلف من المعاني الوظيفية لهذه المفردات، وعلاقة الإسناد القائمة بين ركنيها الأصليين: المسند إليه والمسند.

وقد قال الجرجاني إبان حديثه عن فكرة النظم: «والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربًا خاصًّا من التأليف، ويُعْمَد بها إلى وجه دون وجه من التركيب».

فجمع في قوله الشهير هذا جميع عناصر فضاء الجملة التي يمكن أن نجملها في الآتي:

  1. المؤلف: الذي يركب عناصر الكلام.
  2. التركيب: أعم من التأليف، وهو مجرد جعل المتواليات الخطية في جوار أفقي، ويستند إلى معيار القاعدية الذي يقرّ للجملة بصحتها.
  3. التأليف: أخص من التركيب، لما فيه من الألفة والتناسب بين عناصر الجملة.
  4. الإفادة التي عناها الجرجاني بقوله: «والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربًا خاصًّا من التأليف».

فالجملة فضاء يملؤه المؤلف بتركيب الألفاظ والمفردات على نحو مخصوص، محدثًا بينها نوعًا من التآلف والتناسب.

فضاء الجملة

الجملة والسياق

السياق نوعان: مقالي ومقامي.

أما المقالي فيُعنى بالنص أو الجانب القولي، بما فيه من عناصر التركيب والجمل، وما فيه من تآليف وعلاقات وقرائن.

وأما المقامي فيُعنى بالظروف والملابسات المحيطة بالكلام، ويُسمى بسياق الموقف، فهو ما يصاحب المنطوق أو المكتوب من أمور تداولية واجتماعية وثقافية وتاريخية.

فضاء النص

سَبْحُ المفردات ومعنى النص:

مما يدخل ضمن فكرة السياق وفضاء التركيب وفضاء النص معًا، سَبْحُ المفردات أو المفردات السَّبَّاحة التي تسبح في فضاء النص، بل وفي فضاء اللغة عمومًا، كالمشترك اللفظي، وهو نوع الكلمات التي تدل الواحدة منها على أكثر من معنى على حد سواء عند أهل اللغة، كالعين التي تأتي بمعنى آلة الإبصار، وبمعنى الجاسوس، وبمعنى عين الماء، وككلمة «النص» التي لها أكثر من معنى، ومن معانيها: الإظهار والرفع والحركة والقول المتطابق.

وجاء آنفًا أن فضاء النص هو عالمه الخصب الفسيح الذي يمتلئ بالتفاعلات اللغوية السطحية التي تُعرف بالسبك، كما يمتلئ بالتفاعلات الدلالية وقرائن التعليق على مستوى البنية العميقة، فيما يُعرف بالحبك.

والحق أن النص عند النقاد الجماليين المفعمين بالرؤى والطرح النقدي، يتخطى كل ذلك، يتخطى ما قبل التركيب ويتخطى فضاء التركيب والجملة، إلى فضاء أرحب وأوسع، تتعانق فيه كل هذه الفضاءات، ولا يجب للغوي أن يهمل عناق هذه الفضاءات مكتفيًا بالنظرة اللغوية الضيقة للنص.

فالنص، كما فهمه بارت من مفهومه التفكيكي، لا يتمتع إلا بوجود منهجي فحسب، في مقابل العمل الأدبي المتمثل في شيء محدد.

وفي علم اللغة المعاصر، يُصر اللغويون على أن الشرط الجوهري للنص أن يكون كُلًّا موحدًا منتظمًا في وحدة دلالية، وليس تجميعًا محضًا بين جمل يعوزها الترابط الدلالي، سواء أكان النص منطوقًا أم مكتوبًا، قصيرًا أم طويلًاومن أجل ذلك، نظروا للنص على أنه تفاعل للدلالات والمعاني على مستوى البنية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.