طالعت مثلما طالع الكثيرون التغطية الإعلامية لمهرجان الجونة السينمائي، أو بلفظ أدق لـ فساتين مهرجان الجونة السينمائي! عادة ما تهتم الصحافة بملابس النجوم والنجمات في أي حدث فني في شتى بقاع العالم، فلطالما أفردت الصحافة العالمية مقالات وعواميد صحافية لوصف اختيارات النجوم والنجمات لملابسهم في الفعاليات الفنية المختلفة، ولطالما استضافت وسائل الإعلام خبراء الموضة لعقد المقارنات بين ملابس الفنانة الفلانية وزميلتها، وللوم الفنان الفلاني على ذوقه الرديء في الملابس، على سبيل المثال!
كذلك اهتمت الصحافة المصرية والعربية بمظهر الفنانين والفنانات في مهرجان الجونة، إلا أن أكثر ما لاحظته هو ردود أفعال الجمهور تجاه هؤلاء الفنانين والفنانات، كما ظهرت على صفحات الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي ( social media)!
يرتبط المجتمع العربي بما يعرف بعلاقة الحب والكراهية (love and hate relationship) بالممثلين والممثلات والمغنيين والمغنيات!
فلا ينفك الجمهور العربي عن متابعة مسلسلات رمضان بشغف شديد، ويقضي وقتًا لا بأس به في مشاهدة الأفلام السينمائية، بل ويحفظ الأغاني عن ظهر قلب، فيثني على أداء هذه وتلك، وينفعل وينقبض صدره لأزمة ألمت ببطل مسلسل أو فيلم يتابعه.
لكن هذا الجمهور شديد التعلق بالسينما وبالتليفزيون، يملأ صفحات الأخبار سَبًّا وقذفًا بحق الفنانات أو أزواجهن، لأن تلك الفنانات لا يرتدين زِيًّا يقبله هذا الجمهور، والذي، هو نفسه، لا يمانع مشاهدة مثل هذا الزي أو ما هو أكثر منه تحررًا في الأعمال الفنية، أو على أرض الواقع إذا كانت من ترتديها فنانة هوليوودية. فالجمهور يسب الفنان لكنه يتابع أعماله، بل ويتابع حياته الشخصية، حتى أنه يأخذ من وقته ليعلق على تلك الأخبار الشخصية فقط ليصفها بالأخبار التافهة!
ويلوم الجمهور الفنان الفلاني على أعماله الفنية التي أفسدت جيلًا كاملًا، ويحقد عليه لثرائه الفاحش، ثم يراقب عن كثب موعد عرض مسلسله الرمضاني القادم، حتى ينتهي الشهر بحصول مسلسل هذا الفنان على أعلى نسبة مشاهدة في ما يسمونه بـ السباق الرمضاني للمسلسلات!!
فالجمهور العربي يتوق كثير منه إلى أن يعيش حياة الفنانين وأن يتحرر من قيود مجتمعية كثيرة، إلا أنه لا يستطيع تحقيق تلك الأمنية الدفينة، التي قد لا يعترف بها لنفسه، إما لضعف إمكانياته المادية أو لضغط المحيطين به في بعض الطبقات، أو لوجود بقية من التحفظات الدينية! ولأنه لا يستطيع أن يكون مثلهم، وفي نفس الوقت لا يتوقف عن تمني حياتهم، يدخل الجمهور العربي في أزمة شعورية.
فلا يستطيع أن يكره الفنانين والفنانات تمامًا لأنه يستمتع بما يقدمونه، ولأنه يتمنى أن يكون من بينهم. وفي الوقت ذاته لا يستطيع الجمهور أن يحب الفنانين والفنانات تمامًا لأن ما يملكونه من بذخ ورفاهية يذكره بنقصه وقلة حيلته. فيتخذ الجمهور من الوازع الديني، والذي يخالفه بكل أريحية في حالة قبول المجتمع لهذه المخالفة، حُجَّة لرفض نمط حياة الفنانين والفنانات حتى لا يعترف بالسبب الحقيقي وهو إحساسه بالنقص تجاههم.
فينتهي الأمر بالجمهور المشتت إلي أن يحب من يكرههم ويكره من يحبهم حتى إشعار آخر!!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.