قصة فريدريك سميث مؤسس فيدكس: عبقرية التحدي وأسرار النجاح المهني

تُجسِّد قصة فريدريك سميث حقيقة أن الفشل المؤقت قد يكون نقطة الانطلاق نحو نجاح استثنائي؛ فبعد رفض فكرته والسخرية منها، وخسارته الدعم الحكومي واقتراب شركته من الانهيار، أعاد توجيه مشروعه نحو خدمة النقل السريع للعامة، ليحوّل الأزمة إلى فرصة ويبني شركة فيديكس التي أصبحت واحدة من أكبر شركات الشحن في العالم. وتؤكد تجربته أن الإصرار والقدرة على التكيّف مع المتغيرات والاستعداد لتحمل المخاطرة المدروسة قد تصنع فارقًا يفوق أهمية البدايات والظروف المحيطة.

يُعدُّ فريدريك سميث مؤسس شركة فيدكس للنقل أحد الشخصيات الملهمة في عالم المال والأعمال، كما تُعدُّ قصته وتجربته التي دفعت به لأن يصبح ضمن قائمة أغنى رجال العالم مثالًا يُحتذى في الإصرار والثبات والابتكار والقدرة على تحمل الضغوط والمسؤوليات من أجل تحقيق الأهداف الكبرى، فمع أنه وُلد لأب غني، لكنه سعى لتحقيق ذاته وإرضاء شغفه، وبالتالي يمكن أن نتعلم منه كثيرًا من الدروس.

وفي هذا المقال نتناول قصة فريدريك سميث وتأسيسه شركة فيدكس التي أصبحت أكبر شركات نقل البضائع في العالم وما زالت تتطور عامًا بعد عام، حيث نتجول بين أهم محطاته الشخصية والعملية ونتعرف على كثير من المعلومات والأسرار الخاصة به في السطور التالية.

المولد والنشأة

وُلد فريدريك دبليو سميث يوم 11 أغسطس عام 1944 تحت ضواحي مدينة ممفيس التابعة لولاية مسيسيبي الأمريكية، لوالد غني كان يمتلك سلسلة من المطاعم الناجحة بالإضافة إلى شركة للحافلات. لكن والده توفي عندما كان عمر فريدريك أربع سنوات فقط، وبذلك كان على أمه أن تربي الطفل المصاب بمرض يؤثر على حركته وقدرته على التفاعل والقيام بالأنشطة مثل باقي الأطفال، وهو مرض (كالفن).

كان فريدريك سميث يسير في معظم طفولته على عكازين، وبذلت أمه الكثير من الجهد من أجل أن تتخطى هذه المرحلة لينمو طفلها طبيعيًّا ولكي لا يصاب بأزمات نفسية. وبذلك شجعته أمه على ممارسة الرياضة من أجل تقوية جسده وتحسين وضعه بما يتناسب مع حالته الصحية.

وفعلًا استطاع الفتى التحسن مع الوقت، إذ بدأ يمشي بصورة طبيعية ثم ركض ومارس الرياضة، حتى أصبح من أفضل لاعبي كرة السلة في جامعة ممفيس، بالإضافة إلى ممارسة رياضة التنس، ليتخطى فريدريك سميث مرحلة المرض دون خسائر.

تخرج فريدريك سميث من جامعة يال وحصل منها على شهادة في الاقتصاد عام 1966. وفي أثناء دراسته في الجامعة، جاءته فكرة تأسيس شركة تقوم على إيصال الطرود والبضائع في كل مكان في أمريكا في مدة قصيرة، وهو ما جعله عرضة للسخرية من أحد الأساتذة، إذ قال له إنها فكرة ساذجة ولن يحتاجها الناس، وطلب منه العثور على فكرة أخرى من أجل أن يحصل على درجة التقييم. لكن فريدريك سميث قال له: احتفظ أنت بدرجات التقييم وسوف أحتفظ أنا بفكرتي.

المسيرة المهنية لفريدريك سميث

بدأت الحياة العملية للشاب الطموح فريدريك سميث بالانضمام إلى سلاح مشاة البحرية الأمريكية بعد تخرجه مباشرة من الكلية، إذ شارك في فعاليات حرب فيتنام لعدة سنوات، وهي التجربة التي منحته الكثير من الزخم والخبرة وجعلته يفكر كثيرًا في مستقبله، وبذلك كانت فكرته لتأسيس شركة لنقل البضائع والطرود تنمو مع الوقت وتزداد التفاصيل الخاصة بها في عقله كلما مر الوقت.

وبالفعل، أسَّس فريدريك سميث شركة فيدرال إكسبريس عام 1971 لتسليم البريد في مدة قصيرة. وكان عمره وقتها 26 عامًا، وبدأ المشروع العملاق برأس مال نحو 4 ملايين دولار، وهي الأموال التي استطاع جمعها من ميراثه عن أبيه المتوفى بالإضافة إلى أموال عائلية أخرى.

وكانت بداية المشروع تقوم على فكرة نقل النقد الاحتياطي الفيدرالي الخاص بالحكومة الأمريكية من مكان إلى آخر، ما يعود بالأرباح على الشركة ويوفر للحكومة الأمريكية نحو 3 ملايين دولار كل عام.

كانت الفكرة الرائعة ما زالت مجرد مسألة محل نقاش لدى الحكومة، لكن تأسيس فريدريك سميث لشركة فيدرال إكسبريس كان تجسيدًا للفكرة قبل أن يحصل على موافقة السلطات الفيدرالية. وبذلك، حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ فشلت المفاوضات مع السلطات الفيدرالية في الوقت الذي كان فريدريك سميث قد أنفق كل ما يملك في تأسيس الشركة وشراء طائرتين. وبذلك كان الوضع صعبًا على الشاب، الذي أصبح عليه أن يجد بديلًا للحكومة الفيدرالية أو يسقط في بئر الفشل.

بدأ فريدريك سميث في رحلة طويلة لإقناع المستثمرين وأصحاب المال والأعمال بفكرته التي تقوم على التوصيل السريع، حتى إنه تحدث مع شركات الطيران والشحن، لكن الجميع كان يرفض الفكرة ويعدها مخاطرة أو دخولًا في المجهول.

وبذلك، لم يجد فريدريك سميث من يعينه على إكمال المشوار، لكنه كان مؤمنًا بنفسه ومؤمنًا بفكرته، وهي المرحلة التي يقول عنها في حديثه: لا يوجد شخص على وجه الأرض يستطيع أن يحس بما مررت به خلال تلك الأيام العصيبة من الضغط النفسي والمادي والإرهاق. وفي هذه الفترة قابلت مئات الأشخاص من أجل إنقاذ الفكرة وإنقاذ الشركة، وكنت واثقًا أنني سأنجح في النهاية.

نجاح شركة فيديكس

بعد مجهود كبير ومحاولات هائلة في إقناع أصحاب رؤوس الأموال بدعم شركة فيدكس، استطاع فريدريك سميث أن يبدأ نشاطه التجاري. إذ نقل مقر الشركة عام 1973 من مدينة أركاناس إلى مدينة ممفيس، ثم أطلق اسم فيدكس على الشركة التي بدأت في نقل البضائع والطرود منذ عام 1975، وكانت الشركة الأولى التي تستخدم الطائرات الحديثة في نقل بضائعها في العالم.

وبدأ العمل يزدهر في شركة فيدكس التي خرجت إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم تطور الأمر إلى العمل في كل قارات العالم. وبدأ الجميع يشاهد نجاح شركة فيدكس، حتى إن الشركة بدأت تستحوذ على شركات أخرى مثل شركة (إير تايغر) عام 1989 وشراء عدد كبير من الطائرات، من بينها 20 طائرة من طراز (إيرباص إي 300)، والتي تعد من أكبر طائرات النقل في العالم.

لم يكن فريدريك سميث يهتم فقط بالطائرات وأنظمة التشغيل والأرباح المالية، وإنما كان له سياسة وفلسفة خاصة به تقول: الناس أولًا، ثم الخدمة المتميزة، ثم الربح. وبذلك، كان فريدريك سميث يهتم بالموظفين وراحتهم ويقدم أفضل المرتبات والمزايا. وقد كانت سمعته الكبيرة كقائد وليس كصاحب عمل، كما أنه يُعدُّ من أكثر الأشخاص الذين لديهم قدرة على المخاطرة التي تصل إلى درجة الجنون في رأي بعض الأشخاص.

في عام 1980 كانت شركة فيدكس مثالًا يُحتذى في النجاح والتطور المستمر. لكن فريدريك سميث لم يكتفِ بهذا النجاح وابتكر ما يُعرف بنظام نقل الملفات عن طريق الفاكس Zapmail، وهي الفكرة التي أثارت ضجة كبيرة ومنحت شركة فيدكس تميزًا هائلًا بجانب النجاح الكبير.

لكن هذه الفكرة العبقرية كانت سببًا في خسائر رهيبة وصلت إلى 350 مليون دولار في نفس العام، وهو ما تحول في خلال 9 سنوات إلى نجاح كبير أدى في النهاية إلى إقدام شركة فيدكس على شراء شركة (طيران النمر الطائر) عام 1989 في صفقة تتجاوز 880 مليون دولار.

وحتى عندما تجاوزت ديون شركة فيدكس أكثر من مليار دولار في فترة من الفترات، فقد رد على ذلك قائلًا: إن بناء مؤسسة كبيرة والوصول إلى النجاح المطلوب يتطلب دائمًا دفع الثمن الغالي على المستوى المالي والمستوى الشخصي. وبالتالي، لماذا نخاف ونحن نخاطر من أجل تحقيق النجاح؟ فنحن مستعدون لدفع الثمن مهما كان غاليًا. فالنجاح لا يأتي أبدًا بالكلام أو الأحلام. والواقع يختلف كثيرًا ويحتاج إلى أشخاص يتمتعون بالتصميم والشجاعة والمغامرة والإقدام.

ولم تتوقف شركة فيدكس عند حد معين من النجاح والتطور، حيث تخطو دائمًا بخطى عملاقة من خلال تملك أرضيات جديدة وإضافة إمكانيات هائلة في الشحن وخدمات النقل والتكنولوجيا. ومن ثم، فقد اشترت عام 2004 شركة (كينكوز)، وهي شركة رائدة في مجال الخدمات الطباعية والمكتبية، وهو ما وفر لشركة فيدكس مزيدًا من منافذ الاستغلال والتوزيع.

أرقام حول شركة فيديكس

مع أنَّ الأرقام تتغير باستمرار، لكنها تعطي بعض المؤشرات، فقد وصلت عدد طائرات شركة فيدكس التي تجوب العالم لإيصال البضائع والطرود إلى أكثر من 800 طائرة، من بينها إيرباص وبوينغ.

كما أن عدد الموظفين والعاملين في فروع الشركة في كل أنحاء العالم وصل إلى أكثر من 300 ألف موظف، من بينهم 18 ألف طيار، كما أن رأس مال الشركة يتجاوز 36 مليار دولار.

بالإضافة إلى كونها أعلى الشركات على مستوى الراتب الشهري في العالم، حيث تقول التقارير إن راتب الطيار في شركة فيديكس يساوي ضعف راتب الطيار في شركات الطيران في أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، فإن راتب الموظف في شركة فيديكس يساوي حوالي 1.7 ضعف ما يتقاضاه نفس الموظف في شركات أوروبية وأمريكية أخرى.

كما أن شركة فيديكس تُسلِّم كل موظف حوالي 4 آلاف دولار أمريكي سنويًّا من أجل أن ينفقها على تطوير نفسه في المجالات التي يحتاجها ويستطيع بواسطتها الترقية وأداء العمل بشكل أفضل، مثل الكورسات والكتب وبرامج المساعدة، وهو ما يتوافق مع سياسة فريدريك سميث التي تقول: "الناس أولًا، ثم الخدمة المتميزة، ثم الربح."

عن فريدريك سميث

بجانب نجاحه الكبير المتعلق والمتصل بشركة فيديكس للنقل، فإن فريدريك سميث قد تولى عددًا من المناصب المهمة، إذ كان أمينًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بالإضافة إلى منصب الرئيس التنفيذي المشارك لمجلس الأعمال الفرنسي الأميركي ومجلس الأعمال الأمريكي الصيني، كما كان فريدريك سميث عضوًا في مجلس الأعمال التجارية للأمم المتحدة، بالإضافة إلى الطاولة المستديرة للأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية.

حصل فريدريك سميث على عدة جوائز وأوسمة لنجاحه الكبير وجهوده الملحوظة في مجال النقل وريادة الأعمال، ومنها:

  • القلادة الوطنية للتكنولوجيا والابتكار في الولايات المتحدة.
  • جائزة القيادة العالمية من مجلس الأعمال الأميركي الهندي.
  • جائزة هوراشيو ألجر.
  • جائزة مالكوم بالدريج الدولية للجودة.

بالإضافة إلى وجوده ضمن أفضل 100 شخصية في مجال المال والأعمال في استفتاء مجلة فوربس الأميركية، كذلك اختير كأفضل رئيس تنفيذي في مجلة بارونز.

كما حصل فريدريك سميث على وسام القلب الأرجواني، وميدالية النجمة الفضية، وميدالية النجمة البرونزية؛ بسبب مشاركته في حرب فيتنام، وحصل أيضًا على عضوية الشرف في قاعة الطيران الوطنية الأميركية.

أقوال فريدريك سميث

  • يجب أن يكون الشخص مبادرًا في اقتناص الفرص قبل غيره واستغلال البيئة وعدم الاعتماد على التخطيط الطويل الأجل، لأنه يقوم بتضييع الفرص. كما يجب أن لا تقف الطموحات عند حد معين، ويجب أن ينقلنا النجاح إلى مناطق جديدة من التفكير، والتي بدورها تمتلئ بالفرص الجديدة.
  • لو أنني نجحت في توقيع عقد نقل النقد الاحتياطي مع الحكومة الأميركية، أعتقد بأن شركة فيدرال إكسبريس لن تكون على ما هي عليه الآن من حيث النشاط. لأن فكرة تقديم خدمة النقل السريع للعامة لم تراودني إلا عندما فشلت في توقيع العقد مع الحكومة، لذلك كان علي أن أبتكر لكي أستمر.

في النهاية ستظل مسيرة فريدريك سميث درسًا حيًا في كيفية تحويل الرفض الأكاديمي والتعثر الفيدرالي إلى إمبراطورية اقتصادية تجوب طائراتها عنان السماء، وأثبتت فلسفته القائمة على فكرة "الناس أولًا" أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الموظف لينعكس على جودة الخدمة ثم يتدفق الربح. نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة