فرقعت البالونة.....!!!

لكل كائن حدود خاصة به لا يستطيع أن يتعداها...البالونة كمثال لا يمكن أن تضخها بالهواء إلا إلي حد معين فإذا زاد الضخ عن هذا الحد إنفجرت البالونة ولا يعد لها وجود.. مثال صغير ونموذج واضح تعطيه لنا الحياة المادية فجميعنا نحب أشاهي الطعام لكننا لو تركنا أنفسنا علي سجيتها لزاد حجم جسمنا عن الحد المناسب ولأصابتنا التخمة حتي نصبخ غير قادرين علي الحركة...ومن ثم نقع فريسة سهلة للأمراض ويفقد جسمنا السيطرة على مجريات الحياة الكيميائية الطبيعية...أيضاً الحياة المعنوية تسلك نفس السلوك وإذا لم نحافظ على الحجم المعنوي المعقول لذواتنا أصابتنا كثير من الأمراض النفسية..

ربما ينطبق هذا على الجانب المعنوي للإنسان...فأحيانا نطري ونمتدح بعض الناس على سبيل إعطائهم حقوقهم المعنوية أو على سبيل التشجيع أو على سبيل التملق والرياء..

الشخص الذي يستقبل المديح قد لا يفرق أحيانا  بين ما هو مصدره الحق المعنوي الأصلي أو ما هو تملق ورياء.. بناءاً على خبرته بالحياة والناس وعلى مستوى ثقافته... فعندما تتضاءل ثقافته وتتصاغر خبرته يسقط سريعاً ضحية النفاق فيظل كيانه المعنوي في حالة انتفاخ حتى يصل لنقطة الإنفجار والفرقعة..

الحد أحياناً قد يكون دقيقاً وصعب الكشف عليه لذا لايدركه كثير من الناس فيصلون لمرحلة الإنتفاخ والتضخم والتي تؤدي لا محالة للإنفجار والإنتهاء.... فكم شاهدنا من رجال عظماء إبتدأت حياتهم بالإنجاز في حدود الحق المعنوي الشرعي ثم تم تجاوز هذا الحد حتى الوصول للفناء...

أين يكمن الخطر ...هل فقط في شخصية الشخص الممتدح... أم في المناخ الإجتماعي الذي يسوده ظاهرة تضخيم الأشياء بحثاً عن البطل الغائب.. أم أنها شخصيات المنافقون الذين لا يهمهم شخصية الممتدح بقدر ما يهمهم تحقيق مصالح شخصية لهم مقابل المديح...حتى لو أدى هذا المديح إلي سقوط الشخص الممتدح.. فهذا لا يعنيهم البتة.. لأنهم بكل بساطة سيمارسون نفس لعبة المديح مع القادم الذي قد يجزل لهم عطاءاً أكثر..

ولكي نضع المديح أو التقييم في صورته الأصلية التي تعبر فقط عن إعجاب بشيء حقيقي لا يتجاوزه إلى أشياء غير حقيقية...أولاً يجب أن يتعلم النشء كيفية التعبير بصدق عما هو صالح أو طالح بلغة موضوعية لا تتوقف على إعجابنا بشخص الفاعل لكن تتوقف على قدر العمل الذي أنجزه....ويجب أن نتعلم أن هذا التقييم لحظي وليس أبدي.. فمن نستحسن فعله اليوم قد لا يكون بنفس القدر غداً.. المسلك الثاني هو تعزيز الوعي بسلوكيات المنافقين حتى لا يقع الكثيرين تحت تأثير ألاعيبهم الخبيثة... يجب حصار المنافقين وكشفهم من قبل المجتمع وأيضاً من قبل الشخص المعرض لألاعيبهم... المسلك الثالث هو أن ندرك أن لكل شيء حد.. فلا يجب تجاوزه... وهذا الحد يقيمه المجتمع ويقيمه الشخص الفاعل المعرض للمديح أو الرياء.. المجتمع يحتاج أناساً متوازنين يتحركون في إطار حجمهم الحقيقي الذي تحدده إنجازاتهم الحقيقية وليس النفاق والكذب... نعم جميعاً نحب أن يكون لفعلنا أثراً جميلاً على الآخرين ولكن يجب أن نحذر دائماً من الوقوع فريسة للمنافقين فنظن أنفسنا أكثر حجماً مما نحن في أرض الواقع فهذا نتيجته معروفة ومؤلمة...

 

بقلم/ أ.د. محمود سطوحي 

2 يناير 2021

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

أحيانا كثيرة ننتظر أن تفرقع البالونة حتي نعرف الحجم الأقصي الذي بجب ألا نتعداه

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب أن يتعلم النشء كيفية التعبير بصدق... بلغة موضوعية لا تتوقف على إعجابنا بشخص الفاعل لكن تتوقف على قدر العمل الذي أنجزه....ويجب أن نتعلم أن هذا التقييم لحظي وليس أبدي...
تحليل دقيق لمشكلة عميقة وقراءة مُستنيرةلتداركها ... مقال مُتميز كالعادة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
DrShaimaa Morsy - Jan 5, 2021 - أضف ردا

موضوع المقال من اصدق ماقرأت على الإطلاق وتعبير حضرتكم "أناساً متوازنين يتحركون في إطار حجمهم الحقيقي" بمثابة كبسولة علاجية شافية للتخلص من داء النفاق الذي يطمس كل ماهو حقيقي وأصيل.... شكرا لحضرتك وامنياتي بدوام التألق وموفور الصحة والعافية والسلامة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..