فرج سليمان.. مشروع فني لا يعبأ بنا على الإطلاق ولا يشغله غيرنا

طالما صدّقت -ككل المصريين- أن لهجتنا هي الأسهل والأفصح والأجمل على الإطلاق حتى استمعت إلى فرج سليمان! ومنذ أن تعثرت قدرًا في أغنية له حتى ارتكنت إلى مشروعه أستمع إليه منفقًا وقتًا كبيرًا يستحقه مثل هذا المشروع في زمن الشورتس والريلز والمعلومات والمتع والجماليات الخاطفة.

جعلني الفنان الفلسطيني المولود في العام 1984 أفهم اللهجة الفلسطينية (تحديدًا عامية الشمال الفلسطيني وحيفا) وكأنني من مواليد حيفا، فالكلمات لدى فرج ليست زينة للحن، بل هي العمود الفقري للفكرة الموسيقية.

لفرج سليمان طريقة خاصة في تناول الأشياء انحاز فيها إلى خيارات صعبة/ سهلة/ مرنة/ ممتعة في الوقت ذاته، فالغربة لدى فرج سليمان ليست الغربة التي تدعوك للبكاء، بل غربة ربما تصيب قلبك برعشة ناعمة غير مسببة للجروح الدائمة أو طويلة الأمد على عكس ما يحدث دومًا مع مثل تلك الأغاني، وكذلك أغنياته عن الحب والعبث والسخرية والقضايا العربية والإنسانية.

يملك فرج مشروعًا فنيًا خاصًا بكل ما تعنيه الخصوصية، وهذا المشروع الفني الهام والمحكم إنما أهم ما يميزه هو مسحة العبث والسخرية من كل شيء وأي شيء والتي تظهر في عديد من أغانيه، وهي بالضرورة نابعة من جرأته الفكرية والفنية، فالرجل لا يعبأ بنا على الإطلاق.. وفي الوقت ذاته لا يشغله غيرنا! لا يعبأ بنا كسوق وكجمهور مستهدف، يركل بقدمه كل الحسابات والأرقام كمكونات تجارية، يرفض كل (المفروض)، لكنه في الوقت ذاته لا يعنيه غيرنا، نحن الناس (ملوك خسارات الحب وشغيلة البلاط وأصحاب لحظة الجسارة التي تتحدى الضباط وأولاد الحارة الذين طالما حلموا يربوا كلب).

نعم، يا فرج، نحن الناس الذين (ولامرة سألنا مين بييجي الأول البرد ولا الزعل! ولا سألنا مين بيبني عشه أسرع الطير ولا الملل) ولا سألنا الشجر في العتمة (من أي خوف تخلق النكتة؟ من أي ضحكة معدن المسمار؟ من أي وجع تشرب الوردة؟ من أي عطش تنبع الأنهار؟) نحن يا فرج الناس الذين (ولا مرة لاقوا غناي بتشبههم ولا قرأوا عن حالهم رواي!).

ياه يا فرج.. الله يسامحك! ربما من سوء طالعك وحسنه في الوقت ذاته أنه ما من إنسان سيطل للمرة الأولى على مشروعك إلا وسيستدعي روح مشروع الراحل زياد، وهو درة عقد المشروع الرحباني، لكنك بذكاء نادر قطعت الطريق على من كل من يفكر في كونك امتدادًا له (وبالطبع أنت لست مقلدًا) بتنفيذ أغنية (إنتِ كيف) التي تعد تناصًا شعريًا مع الفيروزية الشهرية (كيفك إنت) مع معارضة للكلمات، إذ يرد على رواية زياد الرحباني برواية أخرى يدافع فيها عن حبيب فيروز في تلك اللحظة البعيدة وربما عن نفسه في اللحظة الآنية، وكذلك معارضة للحن ومعاكسة له.

بكل تأكيد تستحق موسيقى فرج سليمان كتابة خاصة، وكذلك كلمات أغنياته والعناوين التي يختارها لأغنياته والتي أحيانًا ما تكون لا علاقة لها بكلمات الأغاني، فتكون في هذه الحالة قيمة فنية ودلالية مضافة إلى نصوص الأغنية، وأقصد هنا نص الكلمات ونص الموسيقى، فالموسيقى في مشروع فرج سليمان نص مستقل في ظني، لكني سأحاول هنا أن ألقي الضوء على بعض ملامح المشروع ومحطاته.

الحارة والبار وحبيبته هم المشروع القومي والرسالة الوطنية!

عادةً لا نتمكن من التقاط الخطوط الفاصلة بين الخاص والعام في أي مشروع فنان حقيقي، الفرق بين الفنان والحرفي ليس في الموهبة فحسب، بل في القدرة على أن يجعل الحياة الخاصة جسرًا نحو الكونية؛ فالمبدع الحقيقي لا ينقسم، لا يكتب/ يغني/ يصنع فيلمًا مرة عن حبه الشخصي وأخرى عن وطنه، بل يصوغ منتجه الإبداعي عن الحب كفعل مقاومة، وعن الوطن كتجربة معاش يومي، وهو ما حققه فرج سليمان ليس بالطبع على سبيل المصادفة الفنية، وإنما هي لعنة الفن وجنته اللتان تلازمان الموهوبين ومنهم بالطبع فرج سليمان وكتيبة شعرائه الذين يشاركونه هذا المنجز الفني الهام.

فمحمود درويش حين يكتب (وطني ليس حقيبة) في قصيدة "يوميات جرح فلسطيني" التي كتبها عن فدوى طوقان فإنه لا يكتب بيانًا سياسيًا، بل يكتب عن الحنين الذي يسكنه هو شخصيًا، والذي هو في الوقت نفسه حنين جماعي لملايين الفلسطينيين، وكذلك أمل دنقل حين يكتب "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، فإن التفاصيل الدقيقة للتعذيب لا تبقى حصرًا على دنقل، بل تصبح تاريخ جيل بأكمله، وكذلك فعلها الأبنودي بطريقته في عشرات القصائد التي تصهر الفردي والجماعي حتى يصيران واحدًا، وفي السينما، ستجد ذلك في أفلام داود عبد السيد ويوسف شاهين ومحمد خان وخيري بشارة وغيرهم ممن صدقوا أنفسهم فصدقناهم.

والآن، ومنذ سنوات بالطبع، يعمل فرج سليمان من خلال الآلية ذاتها، فحين يخاطب حبيبته القديمة في أغنية "في أسئلة براسي" والتي تركت الحارة، تركت حيفا، وصعدت اجتماعيًا واختارت حياة أخرى، هو يكتب عن فقدانه الشخصي، لكن هذا الفقدان ليس فقدانه وحده. هذا هو فقدان جيل بأكمله شاهد مدنه تتغير، شاهد أهله يرحلون أو يصعدون، شاهد الحارة تفقد طابعها الأصلي. الأغنية عن امرأة واحدة لكنها عن الهجرة الداخلية والصعود الطبقي والتراجع العاطفي. الشخصي والسياسي والاجتماعي متداخلان لا ينفصلان.

وحين يغني عن حيفا في الألبوم ذاته "أحلى من برلين"، فهو لا يكتب بيانًا وطنيًا وإنما يغني عن حبه الشخصي لمدينة فقيرة وقديمة ومأهولة بالذكريات، لكن هذا الحب الشخصي هو الموقف السياسي ذاته، وقوله المستتر إن (حيفا أحلى من برلين) وهو يعيش في حيفا تحت احتلال، ليس رومانسية، بل هو رفض صريح للهجرة التي تبدو خلاصًا، وهذا الموقف الشخصي (الحب الفردي) يعني شيئًا جماعيًا ضخمًا (الثبات على الأرض).

الفرق الجوهري بين الفن الحقيقي والفن الزائف هنا بالضبط، الفن الزائف يفصل بين الأمرين، فتظهر على السطح تصنيفات خفيفة ولزجة: أغنية رومانسية وأغنية وطنية وأخرى حماسية ورابعة حزينة، ويقول صاحب أي من هذه الألوان إنه اليوم انتهى من أغنية حب حلوة وأخرى عن الوطن حادة، أو يكتب فيلمًا عن البطل الملحمي الذي لا علاقة له بالناس العاديين، وغير ذلك مما يبعد بالفن عن الصدق بمسافة تقترب من المسافة بين حيفا وبرلين!

الفن شجاعة وهذا يتطلب شيئين معًا: دقة عالية جدًا في التفصيل الشخصي، وشجاعة فنية في عدم توضيح الدلالات الكبرى، فدرويش لم يقل أبدًا "هذه قصيدة عن الاحتلال"، بل قال كل ما قال من شعر وسكت. الرسائل مكتنزة في القصائد ذاتها، موجودة، وداود عبد السيد لم يضع شعارات على شاشته، بل عرض الواقع الحميمي (بكاء الأماكن، الفقر، الرغبة، الكرامة المفقودة) وترك الجمهور ليكتشف الدلالة السياسية، وفرج سليمان يفعل الشيء ذاته: يكتب عن حبيبة وعن حارة وعن القهوة التي فقدت قيمتها، ويترك الأغنية تنقل دلالاتها بتمهل وثقل وثقة، فلا يكون منتجه خفيفًا فاقدًا معناه مثل المناديل الورقية بعد استعمالها الأول.

ولا يكمن تحدي فرج الرئيس في ذلك، بل في محاولاته الهروب أيضًا من الصورة النمطية للفن الملتزم الرديء القصدي الصارخ والذي لا يشغله سوى توضيح الدلالة جدًا، ويريد أن تفهم أنه يتكلم عن الحروب أو أوضاع اللاجئين أو قضايا الأرض أو المناخ، فيصرخ ويهتف، ظنًا منه أنه بذلك سيقدم لك البيان السياسي والفكري ومتعة الفن معًا، والفن الحقيقي يسلك طريقًا آخر: يغوص في التفصيل الشخصي الدقيق بثقة مطلقة أن الدلالة العامة ستظهر من داخل الكلمة والنغمة والصورة السينمائية.

درويش وأمل والماغوط والأبنودي ودنقل وعبد السيد وشاهين وبشارة.. وأيضًا فرج سليمان، يشتركون في شيء واحد: أنهم لم يبتعدوا عن حياتهم الشخصية لكي ينطقوا بالحقائق الكبرى، بل دخلوا إلى تلك الحياة أعمق، وفي أعماقها وجدوا الكون.هذا هو الفن الحقيقي. لا انقسام!

كلمات أغاني فرج سليمان وتدوين الموقف الشخصي

لا يغني فرج سليمان عن أماكن غريبة أو مجردة أو صامتة أو مسطحة، بل يغني عن حارات يعرفها جيدًا، و(يعرفها) هنا تعني أنه يعرف عمقها التاريخي، ويعرف مكوناتها الإنسانية وأبعادها التي تؤثر فيها، فمثلًا "شارع الجبل": "عَ كل حفّة درج في حيفا؛ تكسّر كَعِب/ وبكل حارة ولد بحلم؛ بحلم يربّي كَلِب". هنا الكيال (شاعر الأغنية) لا يصف الشارع كموقع جغرافي، بل يصفه كمكان تنكسر فيه الأحلام مع الأرجل الحافية والأحذية الرخيصة. كل كلمة مختارة بحذر: "تكسّر" ليست عرضية، "كعِب" عن الحذاء ليست مصادفة، "بحلم يربّي كَلِب" فيها تهكّم يقترب من السوداوية المرة، الكيال يجد جمالًا في البؤس، لا بمعنى الرومانسية الرخيصة للفقر، بل بمعنى الصدق في تسمية الأشياء باسمها.

في "في أسئلة براسي" نجد: "عن الحارة/ عن كيف مرق الوقت؟/ عن شو عملتي عـ السكت؟" هنا الكاتب يخاطب حبيبته السابقة بأسئلة لا جوابات واضحة عليها. "السكت" كلمة دقيقة جدًا: هل تعني الصمت أم الصبر؟ أم أنهما معًا؟ الكيال يترك المعنى معلقًا، وهذا هو الذكاء في الكتابة: أن تقول الشيء بطريقة لا تسد الباب أمام التفسيرات. وقوله "بعده ماكلنا الغضب؟" ليست جملة عابرة، بل هي بيان عن حياة تحت احتلال حيث الغضب صار حنطة يومية.

أما عامر حليحل في ألبوم "مريم" فاختار طريقة مختلفة قليلًا. هو يستخدم السرد السلس والقوافي التي تسير بسهولة على الأذن. "حُب معلّب"، "نُعِدّ عمرين"، "جبلي معك" - هذه العناوين بسيطة لكنها تحمل ثقلًا عاطفيًا. حليحل يكتب عن الحب في أوقات الحرب، عن الحياة التي تنقلب من الرومانسية إلى الفقد. النصف الأول من الألبوم كُتب قبل الحرب والنصف الثاني خلالها، وهذا الانقسام يظهر في الكلمات: من الحب الحي الذي يرجو إلى الحب المفقود الذي يبكي.

وربما الفارق بين حليحل والكيال أن الثاني يهتم بالتفاصيل الدقيقة والمفردات المختارة بعناية عالية جدًا، بينما حليحل يهتم بالسرد المتسلسل والقصة الكاملة؛ كلاهما يخدم مشروع فرج سليمان، كلٌّ بطريقته، لكنهما في النهاية يعبران عن فرج سليمان وعن ملايين يشبهونه عاشوا ويعيشون وسيعيشون في ظل احتلال، هو لا يختفي خلف الموسيقى بل يأتي صريحًا: الأغاني عن تفاصيل حياته، أحبائه، مدينته، مآسيه. في "في أسئلة براسي" يخاطب امرأة تركته، تركت الحارة، صعدت إلى حي الألمانية (الذي صار رمزًا للصعود الطبقي والثقافي في حيفا)، فهذا ليس اختراعًا أدبيًا، بل حقيقة من حقائق الحياة يرصدها الفنان فقط لا غير ويترك لك مهام البحث والمعرفة.

لذلك ستجد دومًا أن الموقف من الاحتلال والحياة تحته لا يحضر بشكل مباشر صارخ في الأغاني، بل بطريقة غامرة في التفاصيل اليومية، الاحتلال يظهر في الأسماء التي تغيّرت (شارع الجبل الذي صار له اسم آخر)، في الناس التي تُعتقل، في الحارات التي تنهار. يقول: "بعده كل ليلة البوليس بتمنيك عَـ ولاد العرب"، هنا الاحتلال ليس مقولة سياسية، بل هو الواقع اليومي الذي يسير على القدمين، وبالمناسبة هي جملة فادحة الدلالة على عدم انشغال فرج سوى بالتعبير عن نفسه بمنتهى الصدق، إذ إن العبارة تحمل دلالات غير أخلاقية في اللهجة المصرية مثلًا.

فرج سليمان ينكر أن يكون خائفًا من كلمة "ملتزمة" بخصوص أغنياته. لا، هو لا ينكرها بل يقبلها بثقة. لكن التزامه ليس ببيانات، بل بالصدق في التمثيل والدقة في الوصف. حين يغني عن مريم، الفتاة التي تحب وتحلم قبل الحرب ثم تخسر كل شيء خلالها، هو لا يقول "الحرب سيئة"، بل يرسم حياة قبل وبعد بألحان تتحول من الحيوية إلى الشزن.

موسيقى فرج سليمان وطريقة البناء اللحني

وهناك أسئلة لا نطرحها عادة في سياقنا العربي استنادًا إلى الحالة العامة المسيطرة من استصغار أنفسنا للأسف، لكنني سأطرح أحدها هنا: هل يصلح فرج سليمان أن يكون فنانًا عالميًا؟ والجواب في ظني يتلخص في: نعم، لأن موسيقى فرج سليمان تمزج بين الجاز الأوروبي، والروك، والكلاسيك، والموسيقى العربية، بشكل غير عشوائي؛ فالجاز يعطي الموسيقى مرونة وحرية في التفسير، والبيانو كآلة أساسية يعطيها بعدًا كلاسيكيًا يوازن الحداثة، والآلات العربية تجعلها ترتبط بالجذر.

وتأتي أغلب أغاني فرج في لحن بسيط جدًا وعصي على التقليد في الوقت ذاته، فالترتيب الموسيقي حوله معقد، حيث الآلات تتحاور مع الصوت، ويدخل الدرام، يدخل في لحظات مفصليةـ وتبقى آلات البيانو والترومبيت والساكسفون الحبل الناقل للمشاعر، ويمكنك ملاحظة ذلك في أغانيه الأيقونية مثل شارع يافا وقلبي في آخر الليل ولو بقدر وبخطر لي أشتقلك.

أغاني فرج سليمان والتعبير عن الجيل والمغتربين

وهنا سنأتي على البعد الكبير في المشروع، فرج سليمان لم يكتب عن نفسه فقط، بل كتب عن جيل بأكمله من الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل (الأراضي المحتلة) وعن الجيل العربي الذي يفكر في الهجرة أو يعيش الاغتراب حتى وهو في بلده.

وفي ذلك سنجد أن عنوان الألبوم "أحلى من برلين" ليس عنوانًا عشوائيًا، برلين ترمز للهجرة، للحلم الآخر، للمكان الذي يفكر فيه الشباب الفلسطيني والعربي حين يشعر بالاختناق. لكن فرج ومجد يقولان: حيفا أحلى، ربما ليس بالمنطق، بل بالحب الذي لا يحتاج إلى تبرير. هذا الموقف يعكس حالة جيل فلسطيني عالق بين البقاء والرحيل، بين الحب للمكان والرغبة في الخروج منه.

الأغاني تعبّر عن هذا الاغتراب بأشكال مختلفة. في "شارع يافا" أو في الأغاني الأخرى، هناك حنين للحبيبة التي رحلت أو للمدينة التي تتغير. الشاعر العراقي قد يكتب عن بغداد من باريس، لكن فرج يكتب عن حيفا من حيفا، لكن حيفا ليست كما كانت. هذا الاغتراب الوجودي -أن تكون غريبًا في موطنك- هو ما تعبّر عنه الموسيقى.

لاحظ كيف أن الألبوم التقط حساسية لبنانية أيضًا، وبالوقت صار ألبوم أحلى من برلين ملاذًا لكثيرين من العرب الذين عاشوا ثورة وانهيارًا وفقدانًا، وتعممت الحالة الفلسطينية والحالة اللبنانية لتشمل كثيرين من أبناء هذا الجيل العربي الذي يعيش تحت ضغط الاحتلال أو الفساد أو الفقر أو الحروب، أو كلهم مجتمعين فوجدوا أنفسهم في هذه الأغاني.

الرحلة الفنية والتطور

فرج سليمان بدأ بموسيقى آلاتية خالصة (من 2013 إلى 2017 تقريبًا)، ثم انتقل إلى الموسيقى الغنائية. هذا الانتقال لم يكن محاولة لملء فراغ تجاري، بل كان تطورًا طبيعيًا: الموسيقى الآلاتية البحتة لم تكن كافية لقول ما أراد قوله. الكلمة صارت ضرورية.

في عام 2019 شارك فرج سليمان الفنان العالمي بانكسي معرضه في بيت لحم، من خلال مقطوعات موسيقية أعدها فرج خصيصًا لمصاحبة عرض لوحات بانكسي من خلال بيانو إلكتروني طوال فترة المعرض، وفي العام ذاته صدر له الألبوم الأول "البيت الثاني" (2019) واحتوى على 10 أغنيات بالعاميّة الفلسطينية، لكنه كان أقل نضجًا من كل ما جاء بعده.

وفي عام 2020 حدث الانفجار الحقيقي الذي يليق بحجم موهبته في ألبوم "أحلى من برلين" (2020)؛ فجاءت الموسيقى أنضج، والكلمات أكثر حدة في التعبير عن شخصيات الشعراء وشخصية فرج كذلك، وربما كانت الكيمياء الذي ظهرت في التعاون مع الشاعر مجد كيال الذي كتب كل أغاني الألبوم سببًا في أن يظهر الألبوم كوحدة فنية وفكرية واحدة، فاحتوى الألبوم 11 أغنية، كل واحدة منها كاملة بذاتها لكنها جزء من نسيج واحد.

وفي العام الماضي صدر ألبوم "مريم" (2025) والذي مثل نقلة أخرى، فهنا الموسيقى أكثر تعقيدًا، التوزيعات أكثر غنى، والكلمات تتعامل مع موضوع أصعب: الحرب والفقد. وتعاون فرج هنا مع شاعر مختلف وهو عامر حليحل، وهذا الاختيار ليس عشوائيًا، فحليحل يكتب سردًا قصصيًا أكثر من كتابة الكيال، وربما كانت هذه هي رؤية الألبوم وهدفه الفني الأساسي: أن نحكي.

يجب أن نقول بوضوح: موسيقى فرج سليمان سياسية. لكنها ليست سياسية بالطريقة التقليدية. لا يوجد شعارات، لا استدعاء للجماهير بشكل مباشر، لا دعوة مباشرة للعمل. بدلًا من ذلك، هي سياسية بالمعنى الأوسع: هي تُصرّ على أن الحياة اليومية للفلسطينيين تستحق أن تُصاغ على نحو فني جدي. رفض أن تكون تلك الحياة خلفية مساعدة للروايات الكبرى، وإصرار على أن الحب الشخصي والفقد الشخصي والاشتياق الشخصي للمدينة، كل هذا له قيمة سياسية حقيقية.

الموقف الفني والإنساني في أغاني فرج سليمان

لا يمكنك تحديد معنى واحد ونهائي وبات لكل جملة في أغاني فرج سليمان، وخاصة حين يقرر السخرية من كل شيء كقوله (من إجا من تل أبيب.. قصدي من إجا من بولندا) فهو يرفض ما يسمى "الجمال العالي" لصالح الجمال الوجودي، فالحفاة في شارع الجبل، والنساء اللاتي يبكين، والرجال الذين يُعتقلون، هؤلاء جزء من الموضوع الموسيقي لا الخلفية الإنسانية.

وفي الأخير سيتفق أغلبنا على أن مشروع فرج سليمان الموسيقي هو مشروع فنان لا يخاف من البساطة في الصياغة والعمق في المعنى.. فنان يعبّر عن نفسه بصراحة، ليس بالاعترافات الشخصية الدرامية، بل بالاختيار الدقيق للكلمات التي يحولها إلى نغمات.

تعبيره عن جيله من المغتربين (الذين قد يكونون في الداخل أو الخارج) يأتي من فهم عميق أن الاغتراب ليس جغرافيًا أساسًا، بل وجوديًا، لتكون رحلته الفنية حتى الآن مظهرًا لحضور موسيقي أصيل يتطور ويتعمق، لا يكرر نفسه، والشراكة بينه وبين شعرائه تظهر موقفًا يقول: الفن الحقيقي ثمرة حوار حقيقي بين أشخاص يحترمون الفروق بينهم ويستفيدون منها.

وفي كل أغانيه لا يدعوك فرج سليمان لتهرب من الواقع، بل لينظر كل منا إليه بطريقة جديدة، بطريقة تراه أجمل من برلين، حتى وهو معقد ومؤلم ومشروخ.

وربما تدفعنا المشروعات التي تشبه مشروع فرج سليمان إلى التفكير في كل ما حولنا.. في تراثنا وقيمته، وفي حاضرنا وما نملكه، دون احتقار لأنفسنا ودون دروشة كذلك، وفي مستقبلنا وما ينتظرنا على كل المستويات!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.