فرانسيسكو جويا الفنان الإسباني الذي يُنظر إليه على أنه واحد من أهم الفنانين في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وأحد روَّاد الفن الحديث، حياة فرانسيسكو جويا كانت رحلة درامية من النور إلى الظلام؛ فبعد أن كان رسام البلاط الملكي المفضل، حولته أهوال الحرب ومآسيه الشخصية إلى فنان يغوص في أعماق العتمة النفسية، ليقدم للعالم مجموعة من أصدق وأقسى الأعمال الفنية في تاريخ الفن الإسباني.
من فرانسيسكو جويا؟
جويا هو رسام ونقاش إسباني وُلد في مارس 1746، في عائلة متوسطة الحال، وتلقى تعليمًا جيدًا جدًا حسب لعصره، ويُنظر إليه على أنه واحد من أهم الفنانين في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وأحد روَّاد مرحلة تسمى (المراحلة السوداء).

كانت هذه المرحلة موجودة في أوروبا كلها وليس في إسبانيا فقط، فكان رسم جويا يعبر عن الاضطرابات الطبقية والسياسية آنذاك، ورسم جويا أيضًا عن اضطراباته وعن حالته النفسية السيئة التي لازمته إلى وفاته.
المرحلة الأولى: فنان البلاط الملكي (ما قبل 1808)
قبل احتلال إسبانيا في عام 1808 على يد نابليون بونابرت، كان فن جويا يعتمد على الواقعية والرمزية.
لوحة عائلة كارلوس الرابع ولوحة العملاق
كان يرسم لكثير من طبقات المجتمع. ولكن أشهر لوحات جويا كانت لطبقة النبلاء وهي لوحة (عائلة كارلوس الرابع)، رسم فيها عن العائلة الملكية الإسبانية، وكان يتسم بالهدوء والواقعية، وكثير من لوحات جويا كانت بهذا الفكر، كان هذا فكرًا واحدًا. ومن الأفكار الأخرى لجويا في هذا الوقت هو الرمزيات، مثل لوحة (العملاق) وهي لوحة تُظهر عملاقًا يهيمن على مشهد من الخوف والهروب، وتعبر عن الفوضى والاضطراب السياسي. كانت هذه الأفكار قبل عام 1808، لكن بعد هذا التاريخ فسوف يأخذ جويا مسارًا جديدًا تمامًا.
المرحلة الثانية: أهوال الحرب (1808-1814)
في عام 1808 غزا نابليون بونابرت إسبانيا. وأجبر الملك كارلوس الرابع ونجله على التنازل عن العرش. وبهذا تبدأ مرحلة جديدة في فن جويا، حيث بدأ فنه يتأثر بحالاته النفسية السيئة.
لوحة الثالث من مايو 1808
فرسم لوحة (الثالث من مايو) عام 1808، صور فيها مجموعة من المدنيين العزَّل الذين يستسلمون أمام قوات فرنسا المسلحة، وعلى ما يبدو أن المشهد انتهى بالإعدام. وهكذا كثير من اللوحات التي تعبر عن مشاهد الحزن الذي شعر به جويا.

سلسلة كوارث الحرب
إلى جانب لوحاته الزيتية، وثَّق جويا وحشية الحرب في سلسلة من 82 نقشًا طبعيًا بعنوان (كوارث الحرب). تعد هذه السلسلة من أقوى الأعمال الفنية المناهضة للحرب في التاريخ، فقد صور فيها بصدق قاسٍ مشاهد التعذيب والإعدام والمجاعة التي شهدها الشعب الإسباني، بعيدًا عن أي بطولة زائفة.

المرحلة الثالثة: لوحات جويا السوداء (1819-1823)
تُعد اللوحات السوداء ذروة هذا التحول النفسي، وهي 14 لوحة رُسمت فيما بين 1819 و1823:
تأثير الصمم على فن جويا
عندما أُصيب جويا بالصمم في عام 1793 أثَّر ذلك في فنه، فأصبح أكثر عزلة وصمتًا، وتأثر أسلوبه بالبعد النفسي والتوتر. فقد تحولت رسومه إلى صور تظهر الرعب، وأصبحت الألوان أكثر قتامة. واشتد الأمر سوءًا بفقدان زوجته، ومن هنا انعزل جويا تمامًا.
ولادة اللوحات السوداء
هي 14 لوحة رُسمت فيما بين 1819 و1823 على جدران منزله (الذي عُرف بمنزل الرجل الأصم). كانت لوحات بالألوان الداكنة وموضوعاتها تتميز بالرعب والثقل؛ ما يظهر حال جويا في أواخر حياته. وتعد هذه السلسلة من أهم نماذج فن الرعب في تاريخ الفن. ومن هذه اللوحات:
تحليل لوحة (زحل يلتهم ابنه)
وأشهر لوحة هي لوحة (زحل يلتهم ابنه). هذه اللوحة تتكلم عن أسطورة رومانية قديمة تقول إن زحل (ساتورن) إله الزمن كان يبتلع أبناءه خوفًا من أن يطيح به واحد منهم. لكن تحليل لوحة زحل يلتهم ابنه يكشف عن رؤية جويا النفسية؛ فاللوحة ليست مجرد تصوير للأسطورة، بل هي تجسيد وحشي للخوف من فقدان السلطة، والزمن الذي يلتهم كل شيء، والظلام الكامن في النفس البشرية.

سبت السحرة
هي لوحة أخرى شهيرة من اللوحات السوداء، تصور الشيطان في هيئة تيس أسود يلقي عظة على جمع من الساحرات المشوهات. اللوحة هي نقد لاذع للخرافات والجهل والتطرف الذي رآه جويا في مجتمعه.

ومن الجدير بالذكر أن جويا لم يكن يرسم هذه اللوحات لغرض البيع أو التفاخر أو بأمر من الحاكم، ولكنه رسمها على جدران منزله له وحده.
إرث جويا.. أول فنان حديث
على الرغم من أن فان جوخ ينظر إليه دائمًا على أنه حالة واضحة لمرض الاكتئاب، فإن جويا يوضح لنا أكثر عن المرض والاضطراب النفسي. فخلال أواخر سني حياته، فقد الوطن والزوجة والسمع، فغيَّر كل هذا من شخصيته، وبالتأكيد غيَّر من فنه. لهذا السبب، يعد كثير من مؤرخي الفن أن فرانسيسكو جويا هو أول فنان حديث؛ لأنه لم يعد يرسم العالم الخارجي كما هو، بل بدأ يرسم عالمه الداخلي بكل ما فيه من ظلام وصراع، ممهدًا الطريق لحركات فنية لاحقة مثل التعبيرية والسريالية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.