فرانسوا رابليه وأدب العمالقة: رحلة القصة الفرنسية من السخرية إلى العبثية

في مطلع القرن السادس عشر، بظهر كاتب فرنسي استثنائي استطاع أن يحول الضحك إلى سلاح فتاك ضد الجمود الفكري والاجتماعي؛ إنه فرانسوا رابليه (F. Rabelais)، الذي أرسى دعائم القصة الفرنسية القصيرة، ووضع لها تقاليد أدبية صارمة في جوهرها، ساخرة في مظهرها.

من خلال مزيج فريد بين اللاهوت والطب والإنسانيات، خلق رابليه عالماً خيالياً يتسع للعمالقة والرهبان والفلاسفة، ليترك بصمة لم تمحُها القرون، بل امتدت لتغذي قرائح كبار الأدباء من فولتير وبلزاك وصولاً إلى رواد السريالية والعبث في القرن العشرين.

أرسى فرانسوا رابليه في «جرجنتوا» و«بنتجرويل» تقاليد القصة الفرنسية الساخرة في القرن السادس عشر، مؤسسًا أدبًا نقديًّا أثّر لاحقًا في فولتير وأونوريه دي بلزاك وصولًا إلى كتاب القرن العشرين.

فرانسوا رابليه: الطبيب الثائر والراهب الجوال

فرانسوا رابليه «F. Rabelais» كاتب فرنسي عاش في القرن السادس عشر، وتميزت مؤلفاته بالفكاهة والسخرية والنقد اللاذع، وهو أول من أرسى دعائم القصة الفرنسية القصيرة، ووضع لها تقاليد راعاها كتاب هذا اللون الأدبي من بعده، بقدر قد يكثر أو يقل. ظلت حياة رابليه غامضة في كثير من نواحيها حتى يومنا هذا، بل إن تاريخ ميلاده لا يزال يدور حوله خلاف كبير.

فرانسوا رابليه «F. Rabelais» كاتب فرنسي عاش في القرن السادس عشر

يقول البعض إنه ولد عام 1483، في حين يقول آخرون إنه ولد عام 1502. والمعروف أنه درس اللاهوت وأصبح راهبًا، ودرس الإنسانيات كما درس الطب، بل ومارس تلك المهنة. وأبرز ما في حياته حبه للتجوال والسفر؛ ولقد أجرى عدة رحلات داخل فرنسا وخارجها، خاصة في إيطاليا.

نتجرويل: فلسفة المرح في مواجهة الاكتئاب

نشر رابليه أول كتابيه «بنتجرويل» (1532) لهدف واحد، ألا وهو الترفيه عن البشر المساكين والمرضى منهم بالذات، ولم يولِ أهمية كبرى لكتاب لا يعدو أن يكون وسيلة لقضاء لحظات مرحة تقضي على المزاج المكتئب.

بنى رابليه كتابه على غرار قصص الفروسية التي عاشت في نهاية القرن الخامس عشر؛ بدأ بالحديث عن طفولة «العملاق» بنتجرويل، ثم روى أعماله الخارقة للعادة، ثم جر القارئ إلى عالم خيالي بحت، لا شيء فيه يقبل التصديق، ومشبع بالروح الشعبية الخالصة.

ويشعر القارئ أن هذا الكتاب كُتب بسرعة، ومن ثم كان افتقاره إلى الوحدة والترابط. فنحن نرى رابليه ينقل، بلا مبرر، مركز الإثارة من البطل بنتجرويل إلى تابعه بانورج. كما أن الدراسة النفسية فيه سطحية، لا تنفذ إلى أعماق الشخصيات. ومع ذلك نجد في الكتاب رابليه كله، خاصة نقده الواقعي لعيوب عصره، ولقد جاءت فيه صفحة فريدة من نوعها، ذات أثر عميق، ألا وهي خطاب جرجنتوا إلى ابنه بنتجرويل، ونلمس في هذا الخطاب لهجة صادقة متحمسة يتكلم بها إنسان شاب انتشى حين اكتشف مصادر المعرفة.

مغامرات الأب والابن: من يوتوبيا إلى عالم الساحرات

تصحب ميلاد بنتجرويل معجزات غريبة، والطفل من الكبر والثقل إلى حدٍّ أنه قضى على أمه بعد ولادته. يتمتع العملاق الشاب بقوة هائلة وشهية مفتوحة دائمًا، وعندما شب، وحان الوقت لتعليمه، دعاه أبوه إلى زيارة جامعات فرنسا، ثم استقر الرأي على إيفاده إلى باريس للدراسة. يطيع بنتجرويل أباه، ويدرس ويصبح عالمًا في القانون، قادرًا على الاشتراك في أعقد المناقشات، ويتلقى، في أثناء وجوده في باريس، الخطاب سالف الذكر الذي يتعدى أثره ومداه حدود القصص الضاحكة التي يتألف منها الكتاب.

وفي باريس يلتقي بنتجرويل ببانورج، الإنسان الضاحك المرح، وتربطه به صداقة متينة، ويعجب بخياله الخصب بصفة خاصة. وبانورج شخصية لطيفة ماكرة، فريدة من نوعها، تفتقر إلى التحفظ والمبادئ في آن واحد. ويعلم بنتجرويل باختفاء أبيه الذي نُقل إلى بلد الساحرات، ويغزو «الدبسود» بلده يوتوبيا. وهنا تبدأ قصة أعماله الخارقة للعادة؛ يهب بنتجرويل لنجدة مملكته، ويقضي على ستمائة وستين فارسًا مسلحًا بالطوب، وعلى قائدهم، ويغزو بدوره أرض الدبسود، وبناءً على نصيحة بانورج، يأسر ملك الغزاة ويزوجه من امرأة عجوز.

جرجنتوا: حين تتحول الفكاهة إلى مادة للتأمل

بعد عامين من ظهور الكتاب الأول، نشر رابليه «جرجنتوا» (1534)، وفيه روى مغامرات الأب بعد مغامرات الابن، مستخدمًا ذات الموضوع، موضوع العمالقة، لكن بمزيد من الفكاهة. ونواياه هنا أعمق من سابقتها بكثير، وإن ظل الإطار هو هو، واحتفظ السرد بشكله الشعبي الفكاهي: طفولة عملاق طيب وأعماله الخارقة للعادة. لكن الكتاب لم يعد مجرد عمل لطيف للتسلية والترفيه ونسيان الآلام، فهو يفتح الآفاق على بعض المشاكل الخطيرة التي كانت تشغل الأذهان آنذاك.

بعد عامين من ظهور الكتاب الأول، نشر رابليه «جرجنتوا» (1534)

وهكذا ازدادت أهميته واتسع مداه، وتحول من مادة فكاهية إلى مادة تدعو إلى التفكير والتأمل. ويبدأ الكتاب بمقدمة رائعة من ناحية الحركة، يدعو فيها المؤلف القارئ إلى البحث عن المعنى الحقيقي الخفي الدفين وراء الأحداث الخيالية، وفي الوقت نفسه يُحذِّر فيها القارئ الساذج من التفسيرات الخاطئة المبالغ فيها.

وميلاد جرجنتوا معجزة مثل ميلاد ابنه تمامًا؛ فلقد خرج من أذن أمه اليسرى، وفي أول صرخاته طلب الشراب، فما كان من أبيه إلا أن صاح: «يا له من حلق كبير!»، سُمِّي المولود جرجنتوا، أي ذو الحلق الكبير.

السوربون تحت مجهر السخرية: ثورة بونوكراتيس التربوية

وعندما بلغ سن الدراسة، عهد به أبوه إلى عجوزين جعلا منه إنسانًا مجنونًا، أبلهَ عالمًا كسولًا. لكن سرعان ما تولى أمر الفتى مربٍّ آخر يُدعى بونوكراتيس. بدأ هذا الأخير باصطحاب تلميذه إلى باريس، قاصدًا أن يُطبِّق عليه المنهج التربوي الذي كان متبعًا في الجامعات آنذاك. وفي الطريق مر الاثنان بمقاطعة «لابوس»، فداعب الذبابُ ذيلَ الفرس التي يركبها جرجنتوا، فطردته بضربة من ذيلها جردت، على أثرها، كل أشجار المنطقة من أوراقها.

وفي باريس ذُهل الشعب إذ رأى ضخامة العملاق جرجنتوا، وأحاط به، فما كان من العملاق إلا أن أغرق 260 ألفًا من الباريسيين في «بوله»، ونزع أجراس كاتدرائية نوتردام ليزين بها عنق فرسه، فأرسل الشعب إليه أكبر أساتذة اللاهوت في السوربون سنًّا وأكثرهم علمًا وغرورًا. وهكذا أتيحت لرابليه الفرصة للسخرية من السوربون وأساتذتها، التي كانت قد أدانت كتابه الأول بدعوى البذاءة والإخلال بالحياء.

كان لا بد من أن يصحح بونوكراتيس أولًا الأخطاء التي ارتكبها أسلافه من الناحية التربوية، ولكي يعرف مصدر الداء قرر أن يدع جرجنتوا ينصرف على سجيته بعض الوقت. وفي هذا السياق نجد نقدًا لاذعًا للتعليم الديني الذي كان يُعطى للتلاميذ آنذاك؛ تعليم آلي شكلي مجهد، يتنافى مع جميع المبادئ الصحية.

يحرص بونوكراتيس على ألا يضيع تلميذه ساعة واحدة من ساعات النهار، ويرى أن الاهتمام بالصحة وتنمية الجسد لا بد أن يسيرا جنبًا إلى جنب مع تربية العقل، على أن تستوحي هذه الأخيرة المناهج السليمة، وتتبع مبدأ أوليًا: عدم فعل أي شيء نتيجة للضغط، وفعل كل شيء بحرية تامة، وعدم الفصل بين التعليم والحياة. كما أنه لا ينسى التربية الدينية والأخلاقية في هذا البرنامج الحافل، بل يعطيها أهمية أولى.

وبينما يواصل جرجنتوا دراسته في باريس، تنشب «الحرب البكروكولية» على أرض أبيه، والمسرح الذي تدور عليه أحداث تلك الحرب ليس خياليًّا قط؛ لأنه ذلك المسرح، أو ذلك الإطار، الذي قضى فيه رابليه طفولته. لقد عاشت، في الآفاق التي ألفها المؤلف، كائنات حقيقية، كما عاش فلاحون فرنسيون على شاكلة الرعاة الذين تخيلهم رابليه في قصته.

يستولي كلٌّ من جنون الغزو والميل إلى الخصام والشجار على بكروكول، ويجعلانه يأتي أفعالًا خرقاء؛ ذلك أن الحرب الوحيدة المشروعة، في نظر رابليه، هي الحرب الدفاعية، ولا ينبغي أن يلجأ إليها الحاكم إلا بعد أن يستنفد كلَّ محاولات السلم. قدَّم والد جرجنتوا بعض التعويضات، لكن ما من شيء يوقف بكروكول في جنون المعركة، هذا بالإضافة إلى النصائح السيئة التي يسديها له حكامه.

دير تيليم: طوباوية الحرية المطلقة

يهب جرجنتوا لنجدة أبيه، ويصل إلى قصر هذا الأخير، ويهاجم الجميع المكان الذي يحتمي فيه بكروكول، وينتصرون عليه. وحين تحين ساعة المكافآت، يكافئ جرجنتوا وأبوه الأب جان، الذي قاوم الغزاة بشجاعة؛ يكافئونه بإنشاء دير له يطلق عليه دير تيليم، ويُستبعد منه رجال القانون، والمرابون، والغيورون، والمنافقون، ومن يدَّعون التدين، ولا يؤمه إلا القوم الأحرار والفرسان والنبلاء، إلخ...

ويتجلى مثل رابليه الأعلى بوضوح في القاعدة التي سنَّها للحياة في الدير؛ قاعدة لا تقوم إلا على ثقة لا حد لها في الطبيعة البشرية الطيبة، إذا ما سنحت لها فرصة التفتح. ويوصي المؤلف بالإيمان العميق، وتنمية الذات، والمثل العليا الإنسانية التي أكسبها الإيمان طابعًا روحانيًّا، وذلك بدلًا من الصرامة والقسوة وممارسة الدين ممارسة آلية تفقده معناه عندما تقتصر على ترديد بعض العبارات.

لغة رابليه: موسيقى الأرض الفرنسية وأساطيرها

تكونت مادة هذين الكتابين خلال حياة رابليه كلها، مما وضعته الصدفة في طريقه؛ فهي مزيج من الأساطير الشعبية، والذكريات الشخصية، والتلميحات المعاصرة، والدراسة الدينية والدنيوية، والقديمة والحديثة، من كل ما رآه وسمعه. خلق رابليه عالمًا جديدًا هو صورة طبق الأصل من العالم الذي نعيش فيه. لم يراع المؤلف الزمان والمكان، وكثيرًا ما يحدث هذا في القصص الخرافية، بل خلق زمانًا ومكانًا يناسبان شخصياته العملاقة.

صحيح أن هذه الشخصيات تتحول إلى كائنات بشرية، لكن هذا لا يؤثر على قدرتنا على تصديق ما يرويه لنا المؤلف؛ لأن العالم الذي يخلقه لنا هو ذلك العالم الذي نجده في الأساطير الشعبية. لقد تعمقت دراسة رابليه وتشعبت، لكنها لم تقتل فيه الكاتب «البدائي»، وهذا شيء نادر.

وتتلخص عبقرية رابليه في عبارتين: الكلمة والرواية؛ فهو يرى أولًا وقبل كل شيء، وذاكرته ذاكرة ترى، وكذلك خياله. والصورة هي الشكل الذي تتخذه عنده الفكرة، والصورة تنادي الكلمة. ورابليه صاحب أكبر قدر من الكلمات استخدمها كاتب فرنسي. كما أن لغته تعكس عالم عصر النهضة وحضارته؛ بها سجل المؤلف كل شيء: الدراسة، والتجربة، والفن، والحياة الاجتماعية والشعبية، والعادات، والمعتقدات، والأمثلة السائرة، والأساطير.

إنها لغة نابعة من الأرض الفرنسية الأصيلة بكافة لهجاتها، وأسلوب الكتابين موسيقي، شعبي في أغلب الأحيان، ساخر متهكم دائمًا. ويمكن أن نقول إن كل ما كتبه رابليه محاكاة تهكمية لقصص الفروسية، و«الإلياذة»، و«الأوديسة»، والضحكة عند كاتبنا ضحكة صريحة لا تخفي وراءها شيئًا، وقد لا ترضي أصحاب الذوق الرفيع في كثير من الأحيان.

نتوقف بعد ذلك عند بعض الأعمال المهمة والكتاب الذين تأثروا برابليه، مباشرة، أو كتبوا القصة القصيرة وفقًا للروح والقواعد التي وضعها لها. واخترنا بالذات المؤلفين الذين كتبوا قصصًا خيالية قصيرة يبرز فيها دور اللغة أو الضحك أو السخرية أو الخيال؛ فتلك، كما رأينا، الأسس الرئيسية التي يقوم عليها كل ما كتب رابليه.

فولتير وكانديد: هل يغلب الشر في أفضل العوالم الممكنة؟

لنقف أولًا عند القصة الفلسفية القصيرة التي كتبها فولتير عام 1759 وأطلق عليها «كانديد أو التفاؤل». تربى شاب يُدعى كانديد، أي الساذج، في منزل أحد البارونات، وقضى أحلى أيام حياته برفقة معلمه بنجلوس، الذي علمه أن العالم حسن؛ لأن كل سبب يفضي إلى أفضل النتائج بطريقة حتمية.

تأثر فولتير برابليه في قصته التفاؤل التي كتبها عام 1759

تسير الأمور على هذا النحو حتى يأتي يوم يحل فيه الاضطراب محل الطمأنينة التي كان يعيش فيها كانديد؛ اليوم الذي يفاجئه البارون فيه بين أحضان ابنته كونيجوند، فيركل البارون كانديد في مؤخرته، ويطرده من القصر، ويظل الشاب متنقلًا بين البلدان، ويتبين أن هذا العالم لا يتفق إلا قليلًا مع العالم الذي صوره له بنجلوس.

وسواء حط رحاله في إيطاليا، أو إنجلترا، أو فرنسا، وجد نفسه مضطرًّا لأن يقر بأن الشر يغلب على الخير بطريقة وحشية، وكلما تقدمت به السن ضاعت آماله وأوهامه. يصبح كانديد لعبة في يد القدر، ويذوق الذل والهوان، كل هذا وبنجلوس، الذي يظل أصمَّ أمام الواقع، إلى جواره. ويكسب كانديد أصدقاء جددًا: ماتان، الذي يناقض مذهبه مذهب بنجلوس على طول الخط، وكاكامبو المخلص.

وينتهي المطاف بالأربعة إلى القسطنطينية. ووسط هذه المحن لا يجد كانديد حتى لمسة العزاء التي كان يمكن أن يقدمها له الحب؛ تلحق به كونيجوند، لكنه لا يجد ما يقوله لها حقًّا، خاصة أنها أصبحت عجوزًا مملة. يفكر بطلنا في الانتحار، لكنه يقابل تركيًّا حكيمًا يعلمه كيفية احتمال الحياة: أن ينسى المرء العالم ما أمكن ذلك، و«يزرع حديقته». ويحاول كانديد، من الآن فصاعدًا، اتباع هذه النصيحة.

لا ينبغي أن نخدع بكل هذا؛ لأن «كانديد»، في الواقع، كتاب جدلي يرفض فيه فولتير نظرية التفاؤل التي نادى بها الفيلسوف ليبنيز، وتتلخص في العبارة الآتية: «ليس في الإمكان أحسن مما كان». يعارض فولتير هذا المبدأ؛ فإذا كان الله قد خلق العالم في أفضل صورة، فهذا لا يعني أن هذا العالم خالٍ من العيوب.

مثل هذه النظرية تميل حتمًا إلى تخدير العقول، سواء رضينا أم لم نرض. ومجرد ملاحظة الوقائع تبيِّن لنا أن كل شيء يتنافى مع التفاؤل سالف الذكر. يندد فولتير بنفاق البشر، وميلهم إلى الشر وحماقتهم، ويندد في الوقت نفسه بفوضى الأحداث، والنظم السياسية والدينية والاجتماعية اللامعقولة، وفي الطريق يواجه بعض أخطاء الفكر الإنساني التي طالما ناصبها العداء: حب الحرب، والنزعة العقائدية، وعدم التسامح بين الأديان، إلخ.

«كانديد» إذن ملخص للكون، يسخر فيه الكاتب من نظرية ليبنيز الفلسفية كما قلنا، ويجعلنا نشعر أننا زائلون، خاصة أنَّ فولتير يظل بعيدًا عن شخصياته. لكن الصحيح أنه يشير إلى ملاذ لنا من هذا التشاؤم، ترمز إليه الحديقة التي يمكن أن تُقارَن بالتعريفات القديمة. وتظل قضية الشر قائمة، ولا يشتمل الكتاب على أي دراسة نفسية؛ لأن أحداثه لا تهدف إلا إلى إبراز الرسالة التي يدافع عنها المؤلف. ويتميز بأسلوب خالٍ من البيان، يحاكي الطبيعة، ويتسم بالوضوح والدقة والتوازن.

بلزاك والملهاة الإنسانية: إحياء روح توران الساخرة

وفي القرن التاسع عشر كتب بلزاك «الملهاة الإنسانية»، وكتب أيضًا مجموعة قصصية أقل شهرة من هذا العمل الكبير، نشرها فيما بين 1832 و1837، واستعاد فيها طريقة الرواة الفرنسيين القدامى، واستخدم لغتهم. وتشتمل المجموعة على قصص حقيقية جمعها المؤلف تحت عنوان «قصص فكاهية». يدين بلزاك حقًّا بهذه المجموعة لرابليه؛ فلقد قلد مكره الخالص، وأسلوبه الساذج ظاهريًّا، وحيويته الخالية من الأفكار المسبقة، ووضع المرادفات جنبًا إلى جنب كما كان يحلو لرابليه أن يفعل.

ويفخر بلزاك بأنه من مقاطعة «توران»، مسقط رأس رابليه؛ بل إن رابليه نفسه بطل إحدى هذه القصص. في مجموعته يعالج بلزاك الموضوعات التي عالجها الرواة التقليديون الذين يُدْعَوْن عادة أصحاب مدرسة بوكاتشيو: الزوج الخائن أو الزوجة الخائنة، والآثام التي يرتكبها الرهبان والقساوسة، إلخ... وتسبق كل قصة مقدمة فكاهية لطيفة، وبطلة أول وآخر قصة هي أميرة يا الجميلة، المحظية الشهيرة التي عاشت في عصر النهضة، لكن بلزاك ينقلها إلى العقد الأول من القرن الخامس عشر.

وتتناول قصة أخرى الحب المتبادل بين صاحبة القصر والغلام الذي يعمل في خدمتها، وتدخل بعض القصص الأخرى عنصرًا خارقًا للعادة بطريقة جميلة محببة؛ مثال ذلك قصة بعنوان «وريث الشيطان»، أو تفسح المجال للكتابة المجنونة المرحة، مثلما في «أقوال راهبات بواسي».

يستخلص المؤلف من كل قصة تعليمًا أو عبرة، كما كان يفعل المؤلفون القدامى غالبًا، وكثيرًا ما يسخر فيها من الدين والأخلاقيات التقليدية بلهجة شك محببة سيلجأ إليها أناتول فرانس فيما بعد. وبالرغم من قدم لغتها، فإن هذه المجموعة تنتمي إلى المزاج الذي ساد القرن التاسع عشر بصفة عامة، ولقد سايرت هذا التيار الروائي الماكر الذي لا يحترم شيئًا، وينتقد بتلميحات موجهة إلى التقاليد الفكاهية الساخرة التي أرساها رابليه وبعض من سبقوه في هذا السبيل.

مارسيل إيميه وريمون كينو: رابليه في مختبر القرن العشرين

ثم نقفز إلى القرن العشرين لنلتقي باثنين من أكبر كتاب القصة القصيرة في فرنسا: مارسيل إيْميه، وريمون كينو. لُقِّب الأول «رابليه القرن العشرين»، وتميز الثاني باستخدام اللغة الشعبية الدارجة كما فعل رابليه من قبل.

بدأت شهرة مارسيل إيْميه بين الحربين الأولى والثانية، ودلت مؤلفاته على أنه قاص يستخدم لغة حلوة المذاق، ساخرة كل السخرية، قريبة كل القرب من لغة رابليه. ومع الحرب ارتفع إلى مستوى آخر من الهجاء، وتأكدت لديه نزعته هذه التي تنطوي على القسوة، وإن شابها المرح في مظهرها. كان لا بد من شيء أقوى من الشجاعة؛ كان لا بد من نزعة استقلالية ثائرة، وأسلوب ميال إلى التهكم، لكي يهاجم الكاتب أساطير حركة التحرير بسخرية قاسية لاذعة، ولكي يهاجم بصفة خاصة ذلك النفاق البغيض الواعي الذي لا يمكن أن يُطلَق عليه كلمة امتثال.

وإذا قُدِّر لمؤلفات م. إيْميه أن تعيش، فلسوف تعيش قصصه القصيرة أولًا وقبل كل شيء؛ إن سخريتها وخفتها تفرد لها مكانًا خاصًا في عالم الأدب، مكانًا لا يمكن أن ينتزعه منها أحد. وسواء تخيل موظفًا قادرًا على عبور الجدران، أو تخيَّل حب كائن خرافي نصفه رجل ونصفه حصان لفتاة يتيمة، أو قانونًا يضاعف من زمن الحياة الإنسانية، تراه لا يخلق المواقف المضحكة فحسب، بل يخفي درسًا أخلاقيًا وراء السرد الضاحك. حتى لو لم يكتب إيْميه سوى «قصة القط المعلق»، فمن المؤكد أن فنه باقٍ بقاءَ فن رابليه.

سار ريمون كينوه في الطريق الذي سلكه رابليه؛ إذ حرر اللغة، وأضفى عليها طابعًا فكاهيًا شعبيًا، وتكاد تكون كافة مؤلفاته لعبًا بالألفاظ. وموقفه من اللغة موقف استخفاف أساسًا؛ فهو ليس من أولئك الذين يقبلون الكلام كما هو، بل يعيدون النظر فيه كل لحظة؛ فالكلام لا يُعطى للمرة الأولى والأخيرة، بل يظل تحت تصرف كل واحد منا.

يخلط كينوه الكلمات العادية بالكلمات العلمية، ويكتب كما يتكلم الناس عندما يتكلمون خطأ، دون مراعاة للقواعد والنحو. وكثيرًا ما تشبه صفحاته نقلًا فوتوغرافيًا لأسلوب الكلام، لكنه أحيانًا يستخدم، ساخرًا، أكثر الأساليب اصطناعًا وجلالًا؛ تارة يحاكي الحياة، وتارة يحاكي الأدب. الحوار في «صديقي بيرو» مثلًا مأخوذ عن الأسلوب الكلامي، لكن الشكل يسخر من البيان الكلاسيكي؛ ويستخدم الكاتب في المشاجرة التي تبدأ بها القصة أسلوب «الإلياذة». وإذ يبرز كينوه دور الكلام، يثبت أنه أكثر من وسيلة للتعبير؛ فهو حقيقة العمل الأدبي الأساسية.

رواية «صديقي بيرو»

يمكن أن نقول عن مؤلفات كينوه إنها ملهاة الكلام من أولها إلى آخرها. تبدو رواية «صديقي بيرو» وكأنها رواية بوليسية، لكننا لا نعرف حتى ما إذا وقعت جريمة، أو أن شيئًا حدث بالفعل؛ فالكتاب مجرد قصيدة، وتدريب على الكلام، ولعب بالألفاظ. يريد كينوه أن يقول لنا بكل بساطة إن الكلام مادة خلق دائم، وإن الكاتب لا ينتهي من أمره أبدًا. لا يقبل كينوه الكلام كما هو، كما أنه لا يهدمه؛ كل ما في الأمر أنه يحاول شق السبيل إلى تجديده.

 وكينوه كاتب ساخر، مثل رابليه، لكن «سخريته السوداء» تعبِِّر عن رؤية ميؤوسٍ منها للعالم؛ إلا أنه يطلق الضحك أحيانًا، ويكتفي أحيانًا أخرى بالابتسام. أحيانًا ينظر إلى العالم بعين لاهية، وأحيانًا ينظر إليه بعين قاسية. ويكشف لنا عالمُ كينوه عن فراغ الوجود، لكنه يفتح أمامنا فضاء الحلم. والسخرية هي، في آنٍ واحد، الصدى الوحيد الذي يردُّ على صوت العدم، وردُّ الفعل السليم الصريح الذي يبعدنا عنه. ويقول لنا كينوه إن الحياة عبث دائم، هذا إذا نظرنا إليها بشيء من عدم المبالاة، وتنطلق من الكشف عن تلك الحقيقة المضحكة ضحكةٌ لا تخدع، تصل بين الإنسان والحياة، والإنسان وسائر البشر.

خلود رابليه: من صفحات الكتب إلى خشبة المسرح والسينما

 ختامًا، يمكن أن نقول إن «جرجنتوا» و«بنتجرويل» بلغا شهرة عالمية حقة؛ يقرأ هذين الكتابين الصغار والكبار والبسطاء، وأصحاب الذوق الرفيع المرهف. وأطفال العالم أجمع يقرأون اليوم رابليه في اقتباسات مصورة، ولا يفرقون بين العمالقة التي تخيلها رابليه، والشخصيات التاريخية الشهيرة، و«سوبرمان» الحديث، وأبطال القصص التي تجمع بين العلم والخيال. كما يفرح البالغون، سُذَّجًا كانوا أم علماء، بفكر رابليه الجريء.

وجدير بالذكر أن كتابي رابليه قد تخطيا حدود الأدب المقروء؛ فالمخرج الفرنسي المجدد جان لوي باروه استخلص منهما نصًا أضفى عليه صبغة حديثة، وأخرجه على المسرح في إطار لافتٍ للنظر بنزعته المبدعة، إذ استخدم الرقص والباليه، والإضاءة الرفيعة الدوارة، وأوقف الممثلين على منصات تحاكي تلك التي كانت تقام في الأسواق، وتُقدَّم عليها العروض المسرحية فيما مضى. وجاء العرض أقرب إلى العرض السينمائي منه إلى العرض المسرحي، ولاقى نجاحًا منقطع النظير. هكذا أثبت رابليه أنه فنان أصيل ما زالت أفكاره تجد أذنًا صاغية بين الفرنسيين وغير الفرنسيين من أبناء القرن العشرين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة