فراق غير منتظر

فراق الأب لابنه عبد الرحمن يوم دخوله المدرسة لأول مرة
ذهب الأب ولن يعود إلا بعد سنة أو أكثر، وعاد عبد الرحمن في مساء ذلك اليوم إلى البيت وغمامة الحزن تغطي قلبه. أصدقاءه يمرحون فرحين بدخولهم المدرسة، وهو سارح مهموم، ماذا تحمله الأيام القادمة. . . وصل إلى البيت متعبا جسديا من المشي لمسافة طويلة، ومعنويا لفراق أبيه، أخذت الأم والإخوة ينظرون إليه على أنه الأب بدل أبيهم لأنه كبيرهم مما زاد في تألمه وحزنه، تغيرت ليالي عبد الرحمان، وأصبح نومه متقطعا وحاله غير هادي، إذا جاء الليل وعما الظلام، وعادت الطيور إلى أوكارها والناس إلى بيوتها، وأغلقت الأبواب واقتربت الذئاب والحيوانات المفترسة من كوخ عبد الرحمن وسمع لها عواء وحركات التصق الأولاد بأمهم حتى عبد الرحمن معهم على سرير من خشب، وسمع لقلوبهم دقات خفقان من شدة الخوف، وقد شدت أعينهم إلى باب الكوخ الذي لم يكن له قفل بل عمودا من خشب مدعم به، تنام العين تارة وأخرى مستيقظة مترقبة ما يحمله الليل
وظلامه حتى سماع صياح الديك، مؤذنا لفجر يوم جديد، فتنزل السكينة والاطمئنان على الأسرة، فتقوم اللام باكرا لتحضر قهوة الصباح، في علبة من اليمنيوم مربوطة بسلك قد كساها سواد من دخان نار الحطب. . . ، امتزجت الطفولة والبراءة وتحمل مسؤولية العائلة الصغيرة، فكان عبد الرحمن السند لامه في جميع شؤون الحياة، غاب أب الأسرة وترك أبا للأسرة رغم صغر سنه إلا أن روحه وتفكيره زاد عن كثير من أقرانه، يلاحق أمه إذا خرجت لجني الزيتون، أو اللوز، من مداشر قريبة من كوخهم، فيحمل عنها القفة على رأسه ويمشي متمايلا لان رجلاه لم تعتد حمل الأثقال، فهو يتألم في صمت متوجها إلى المدينة لبيع ذلك المحصول مما جادت به أشجارهم، مرت الأيام والسنين على هذا الوجه الكئيب من الحياة، . . . وكبر الإخوة وحان موعد دخولهم هم كذلك إلى المدرسة التي يدرس بها عبد الرحمن كان يأخذهم معه إلى المدرسة سالكا ا بهم طرق ضيقة بين أشجار الغابة الكثيفة وقاطعا وديانا وسهولا، . الطريق لا أمان فيه من ذئاب الغابة أو ذئاب البشر، لان برفقته أخواته صغارا، يجب أن يحميهم بدمه وروحه أن حدث مكروه.
كان عبد الرحمن عند انتهاء فترة الدراسة الصباحية وقت الفطور يلجئ وزملائه من الريف إلى جوار المدرسة، يتناولون فطورهم وهو عبارة عن حبات تين مجفف وقطعة خبز بارد
، كان عبد الرحمن وإخوته يحسون بغربة في المدينة، وحنين إلى الرجوع إلى بيتهم وأمهم. . . . ، فذات يوم من أيام الشتاء كان المطر ينزل بغزارة والأودية والسيول محدثة أصواتا مرعبة، وقد خيم الليل وهم في طريق عودتهم إلى الكوخ من المدرسة، فضلوا قطع المخاطر للالتحاق ببيتهم وأمهم المنتظرة لهم. . . على أن يبيت ليلتهم في المدينة عند أخوالهم. . . ، بينما هم على وشك الوصول. . فوجؤا بالوأد الذي يفصلهم عن كوخهم قد تمتلئي وارتفعت مياهه لكثرة أمطار تلك الليلة، محدثا صورة مرعبة وخوفا، امتزجت بخيوط المطر آلمتها طل بغزارة، ورياح لها صفير عازلة صراخ الأطفال وهم ينادون أمهم علها تسمعهم من الطرف الآخر للوأد. . .، بينما هم كذلك حتى سمعت الأم نباح الكلبة وردة وهي تركض إلى حافة الوأد وتعود إلى باب الكوخ تريد أن تقول للام إن الأولاد في خطر كبير، فأسرعت الأم في الظلام الدامس، لإنقاذ أبنائها فوجدت جار لهم قد سبقها إلى المكان بعد أن حملت إليه الرياح صراخ الأطفال ونباح الكلبة، فأنقذهم من الموت المحقق
، كانت لعبد الرحمن حكايات مع المكان والزمان، كبر عبد الرحمن وتعلم الكتابة والقراءة وأصبح هو من يقرا الرسائل الواردة من أبيه بالغربة على مسامع أمه وإخوته. . . . . .، هكذا بدأت تتحسن ظروف عبد الرحمن بعد أن رحلت الأسرة من الريف والتحقت بالمدينة للسكن مع أخواله، فتخلصوا من العيش القاسي في الريف وزالت كل المخاطر والمخاوف والهموم وبدأت حياة جديدة لعبد الرحمن. . . تأقلم مع أصحابه في المدينة، حيث الإنارة، والأنس والاطمئنان. . . . هكذا مرت فترة من الزمن على عبد الرحمن وهو طفل، تركت بصماتها فيه حتى أصبح رجلا راشدا. . .
ناصر الدين توتة. . من ولاية الشلف الجزائر

بقلم الكاتب


الاسم توتة رزوق نصرالدين المولود في 16/04/1962 تنس الشلف الجزائر .تلفون 213698140341


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الاسم توتة رزوق نصرالدين المولود في 16/04/1962 تنس الشلف الجزائر .تلفون 213698140341