تبدو المسافة بين فهم الذكاء الاصطناعي لمحاور الحياة وعاداتها، وبين فهم الإنسان، كالمسافة بين الصمت والصوت. إن عقل الذكاء الاصطناعي المنشطر في الأساس من خلق الإنسان له لغويًا وفكريًا بحالٍ ثابتٍ أو متحركٍ قد يتسع لتناول كثير من المُعضِلات العلمية والتماهي مع التداخلات بين العلوم والفلسفة والاجتماع والأدب التاريخي، ويمكنه أيضًا التنظير والتطبيق والتأليف في مدار لغوي وفكري جيد. ولكن..
الذكاء الاصطناعي عقلٌ أعمى لا يمكنه توجيه الخطاب الصحيح في الوقت الصحيح في حالات كثيرة جدًا. فحينما يُسأل في مسألة فكرية مُعقدة يبدو كفاقد الصوت في زحام الكَدِّ والجَهد، ثم يبدأ في هدر الكلام بعيدًا عن سياق السؤال ومضمونه؛ لأن القدرة الإبداعية في عقل الذكاء الاصطناعي المُوجه هي بالكاد قدرة محدودة للغاية وعارية من جلد التذكُّر وتخلو من الاتزان.
ولعل ما يُثار حول هلوسة الذكاء الاصطناعي في كثير من الأبحاث العلمية يؤكد على فكرة عدم الاتزان العقلي الجزئي في تعاطيه مع مستخدميه؛ لذلك فإن الذين يُراهِنون على سطوة الذكاء الاصطناعي المستقبلية وقدرته على الحلول محل البشر في معظم مناحي الأعمال أيضًا ينظرون بقلبٍ أعمى وعقلٍ مثقوبٍ أمام فراغ الذكاء الاصطناعي من القدرة الإبداعية والاتزان العقلي والإرادة المُسببة لإنجاز المهام وطرح الأسئلة العملاقة والبحث عن الجواب عليها، والقيام بالبحث الجديد والخلاق في تطوير واكتشاف وتجديد العلوم، وتأليف القصائد الشعرية الشفَّافة الآسرة لخيال وواقع الناس، وطرح النظريات والأفكار الفلسفية الوازنة والخالدة، وهذه كلها صفات لن يتصف بها الذكاء الاصطناعي يومًا ما؛ ويرجع هذا إلى النظر الصحيح في تأصيل الأفكار وزراعتها داخل آلة جامدة.
لذلك فكل ما يُثار حوله إعلامًا ودعائيًا يبدو كالدعاية السامة في جسد الهواء؛ لأنه لا يمتلك جسدًا لغويًا مرنًا يفكر بمرونة البشر المعقدة والمتشابكة واللامحدودة، وهو أيضًا لا يمتلك روحًا حساسةً يمكنها امتصاص وفهم المشاعر البشرية في أضيق نطاق، أي أنه قبل وبعد ما يُثار عنه هو مجرد آلة جديدة تتمتع بإمكانات أكثر من آلاتت أخرى، لكنها لن تكون آلةً للفكر، وربما لن تصمد في صراع البقاء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.