فدائية الحقيقة

ما أشبه اليوم بالبارحة، لا تموت الكلمة، ولا يهون الكفاح، ومن مات دون وطنه فهو شهيد، بهذه المقدمة البسيطة اعتادت أن تطلّ علينا شرين أبو عاقلة من قلب الأحداث من القدس والأراضي المحتلة فلسطين، كانت دومًا شاهدة على الأحداث لأكثر من عشرين عامًا، ولكنها في الساعات الأولى من صباح اليوم، ارتقت من شاهدة على الأحداث إلى شهيدة حدث منهم.

تمرّ الأيام ويعتاد البشر النسيان، لذلك وعبر كلماتي هذه أحاول جاهدة التعريف بجزء بسيط من سيرة البطلة الفقيدة، لعلّ اسمها يظلّ خالدًا دومًا، مهما توالت الأجيال، يموت الإنسان ولا تندثر الكلمة.

ولدت شيرين أبو عاقلة في 3 يناير 1971م في القدس، وتخرّجت من مدرسة راهبات الوردية في بيت حنينا في القدس، ويعود أصلها لمدينة بيت لحم. درست في البداية الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن، ثم انتقلت إلى تخصص الصحافة المكتوبة، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة اليرموك في الأردن.

عادت بعد التخرج إلى فلسطين وعملت في عدة مواقع مثل: وكالة الأونروا، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح وإذاعة مونت كارلو. ولاحقًا انتقلت للعمل في عام 1997م مع قناة الجزيرة الفضائية.

وتُعدّ شيرين أبو عاقلة من الرعيل الأول من المراسلين الميدانيين لقناة الجزيرة بالأراضي المحتلة، باتت شاهدة على جرائم أجيال وأجيال من الاحتلال الإسرائيلي، مرت بالعديد من اللحظات الصعبة، وكادت تلامس الموت مئات المرات، لكنها بشجاعتها الكبيرة وشوكتها التي لا تنكسر تغلبت على ذلك الخوف الذي كان يحيط بها من كل جانب، قهرت فزعها وقررت أن تختار سلاح الكلمة كي تكون قريبة من الإنسان تنقل معاناته وتحاكيها، فاختارت الصحافة والإذاعة. كانت تدرك صعوبة مهمتها، عرفت أنه من الصعب بل ربما من المستحيل تغيير الواقع، لكنها أرادت أن تكون هي صوت الحق، الذي يصل إلى العالم، فصارت شاهدة على لا منطقية الأمس وهمجية اليوم وخوف الغد، وعملت على نقل المشهد المفزع من التنكيل، التهجير، واغتصاب الحق قبل الأرض.

غطت شيرين أحداث الانتفاضة الفلسطينية عام 2000م، والاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين وطولكرم عام 2002م، والغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية المختلفة التي تعرض لها قطاع غزة. وكانت أول صحفية عربية يسمح لها بالدخول إلى سجن عسقلان في عام 2005م، حيث أجرت مقابلات مع الأسرى الفلسطينيين الذين صدرت بحقهم أحكام طويلة بالسجن. وطيلة ربع قرن كانت أبو عاقلة في قلب الخطر لتغطية حروب وهجمات واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

وفجأة في صباح اليوم، الحادي عشر من مايو لعام 2022م، استشهدت فدائية الحقيقة، شيرين أبو عاقلة، عن عمر يناهز 51 عامًا، أثناء تغطيتها اقتحام مدينة جنين بالضفة الغربية، طالتها رصاصة غادرة اخترقت رأسها، ففاضت روحتها إثر إطلاق النار من القوات الإسرائيلية، صارت هي الخبر، وصرنا نحن من ينقله!

الجدير بالذكر أن آخر رسالة لها اليوم، كانت تقول إنها في الطريق إلى قلب الحدث ولكن الصورة لم تتضح بعد، وبعد مرور ساعات اتضحت الصورة، وغابت التغطية يا شيرين، وداعًا شرين، سيظلّ صوتك حر وباقِ، كما ستبقى فلسطين موجودة، عربية، حرّة وباقية.

شيرين أبو عاقلة -القدس المحتلة- فلسطين، هي رحلة عشرين عامًا وأكثر، سيستدعيها عقلك مباشرة بمجرّد قراءة تلك الكلمات.

كاتبة و مؤلفة مصرية، تخرجت من كلية الألسن قسم اللغة الألمانية و عملت في المجال الصحفي، نشر لها العديد من المقالات في الصحف المصرية الورقية و العديد من المواقع الإلكترونية، مؤلفة رواية المحطة الأخيرة..هستيريا و التي صٌنفت في معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن أقوى مئة عمل مشارك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة و مؤلفة مصرية، تخرجت من كلية الألسن قسم اللغة الألمانية و عملت في المجال الصحفي، نشر لها العديد من المقالات في الصحف المصرية الورقية و العديد من المواقع الإلكترونية، مؤلفة رواية المحطة الأخيرة..هستيريا و التي صٌنفت في معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن أقوى مئة عمل مشارك.