فداء أخي

كانت أسرته تتكون من أبيه وأمه وأخيه الأكبر، وكان هو الابن الأصغر لهذه الأسرة
ظلت أسرته تنعم بالحب والحنان المتبادل بين أفرادها، وظل الإبنان يتقدمان في الدراسة والحياة، وينهلان من نهر حب والديهما، ويبادلانهم الاحترام والتقدير
وظلت هذه الأسرة تنعم بهذا الغطاء من الحب والحنان والاحترام. حتى جاء يوم لم يكن بالحسبان، فبعد إلتحاق الإبن الأكبر بالجامعة، جمعته أقداره بمجموعة من أصدقاء السوء الذين بدءوا يلقنونه أخلاقهم الفاسدة، ويعلمونه كيف يكون مثلهم. حتى، وصلوا به إلى طريق المخدرات والإدمان
وبالتدريج بدأ يتحول إلى شخص آخر، فتبدل النشاط والتفوق الدراسي إلى الكسل والفشل
وتبدل بر الوالدين إلى عقوق وعصيان
وتحولت حياة الأسرة إلى جحيم لا يطاق
وقد حاول الأب والأم والأخ الأصغر كثيرًا أن يصلحوا ما قد فسد في هذا الابن، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل
فأدخلوه المصحات، وكان يهرب منها، وحاولوا حبسه في البيت، ولكنه كان يحيله إلى جهنم حتى يهرب منه أو يضطروا إلى تركه يرحل
وبالطبع أثر ذلك على نفسية أخيه الأصغر الذي كان يحبه كثيرًا ويعتبره مثله الأعلى
وبعد أن بدل هذا الابن حياته وحياة أسرته، وبعد أن أضاع كل مدخرات الأسرة تارة على شراء السموم، وتارة على العلاج الذي فشل
وبعد أن دمر أعصاب والديه وأخيه. رحل عن الحياة تاركًا لهم الحسرة والألم
وبعد أن مضت هذه الهزة العنيفة التي زلزلت كيان هذه الأسرة. بدأت تفيق من صدمتها، وتلتفت لحياتها
وبدأ الابن الأصغر الذي صار الابن الأوحد. يستأنف حياته التي كانت قد توقفت بسبب إدمان أخيه ثم رحيله
فواصل رحلته الدراسية حتى وصل إلى المرحلة الجامعية، فالتحق بالجامعة، ثم تخرج منها بتفوق
ولكن كان قد تبقى في نفسه شيء من الماضي
كان قد كره كلمة مخدرات، وأصبح يقشعر بدنه لمجرد ذكرها أمامه، وتقفز إلى ذهنه صورة شقيقه الحبيب، فيتخيله آتيًا إليه طالبًا منه إنقاذه ممن يريدون تدميره والقضاء على حياته
وظلت في مخيلته صورة أخيه الراحل طالبًا منه النجدة، وصوته يرن أذنه باستمرار. حتى أصبح ناقمًا على كل تجار هذه السموم الذين تسببوا بموت أخيه الوحيد، وفقده الأنيس الذي كان له في الحياة
ودفعه ذلك إلى الرغبة المميتة في الانتقام، فبدأ يتردد على الأوكار التي كان يذهب إليها شقيقه، وكان هو مع أبيه يذهبان إليه فيها ليعيداه إلى البيت
وبدأ يتعرف على مجموعة ممن يجتمعون في هذه الأوكار، وجعلهم يتوهمون أنه ضائع مثلهم، وشيئًا فشيئًا استطاع أن يكسب ثقتهم إلى أن صار واحدًا منهم
فاطمنوا إليه وبدءوا يكشفون أمامه أوراقهم حتى عرف سرهم وهو الاتجار بالمخدرات
ومع الوقت، وبعد أن أصبح صديقًا عزيزًا عليهم، بدءوا يجرونه في طريقهم حتى عرّفوه بواحد من كبار تجار المخدرات، ووصل إلى أن التحق بالعمل معهم
وفي بداية عمله معهم. تعاقد التاجر الكبير على صفقة هيروين كبيرة جِدًّا
فتعاون معهم بجد وإخلاص. حتى دخلت الشحنة إلى البلاد، ووصلت إلى مخازن هذا التاجر الملحقة بفيلته الفاخرة
وذات ليلة، أقام التاجر مع أصدقائه وشركائه ومن يعملون معه مأدبة عشاء ضخمة. احتفالا بوصول هذه الشحنة ودخولها البلاد بسلام، وفي ذات الوقت ليستعدوا للبدء في توزيعها
وأثناء الاحتفال، وكعادته، تخيل الأخ الأصغر أخاه الحبيب مناديًا إياه للنجدة
وتفكر في لعبته هذه. إلى أين سوف تأخذه؟ وإلى أي مصير ستودي به؟
وفكر أيضًا في مصير من سيذهبون ضحايا لهذه الشحنة، ويأخذون معهم استقرار وسعادة وأمان أسرهم. تمامًا كما حدث مع أسرته التي كانت يومًا سعيدة مستقرة آمنة
وعلي وجه العجلة، خطرت بباله فكرة إشعال النيران في المكان بكل ما فيه، ومن فيه
وعلي الفور تسرب من بين الحضور، وأخذ عبوات الكيروسين، وذهب ليسكبها في كل جزء استطاع الوصول إليه
ثم أشعل عود ثقاب، وألقى به الكيروسين المسكوب، فاشتعلت النيران وأمسكت بكل شيء حولها، ولشدة توهجها وسرعة سريانها. ما لبث  المكان أن صار كتلة من الجحيم، ولم يستطع أحد النجاة بحياته
حتى الأخ الأصغر المسكين المكلوم ذهب أيضًا طعامًا للنيران
لكنه ذهب بفرح لأنه استطاع أن يأخذ معه وحش السموم البيضاء الذي كان بانتظار الخروج من محبسه، ليجول يفترس من يقابله من شباب بريء
ذهب بفرح لأنه فعل ما فعل وضحى بما ضحى فداء أخيه

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب