فجيعة الفقد


أوجع ما يمكن للفقد أن يورّثه للمرء هو الشّوق اليتيم، هذه كانت أولى الكلمات التي تبادرت إلى خاطري حينما رأيت مشهداً قصيراً لا يتجاوز الستين ثانية لأبٍ يدفن ابنته ذات الأشهر، كانت ملاكًا صغيرًا بابتسامةٍ بريئةٍ يعلوها شيءٌ من الشحوب الذي بات يرافق وجهها الطفولي الصغير نتيجة للمرض الذي صارعته وحاولت جاهدةً الفرار منه دون جدوى إلى أن لقيت حتفها فيه.

 وضعها والدها في الحفرة التي سترقد فيها من الآن فصاعداّ بدلاً من سريرها الصغير، وغطّاها بذرّات التراب التي عانقتها بشدةٍ وابتلعتها في أعماق الأرض، آخذةً معها ما تبقّى من روح الطفولة فيها واختفت إلى الأبد.

 لطالما أرعبتني نظرية الفقد، وأنّه في لحظةٍ غير مبرّرةٍ يمكن للمرء أن يفقد روحاً أحبّ إليه من أي شيءٍ، ولربما كانت أقرب إليه من نفسه أيضاً، وبعد ذلك كله يفرض عليه أن يتأقلم ويعود لسابق عهده متناسياً من ألِفته روحه، متخلّياً عن مشاعره تجاه الذكريات والأماكن والصور والرائحة التي تعبق في كل مكانٍ زاراه معا، كما لو أنّه مجرّد ممثل في مسرحيةٍ قصيرةٍ انتهى دوره فيها بانتهاء النص المخصّص له.

 سألني أحدهم ذات مرّةٍ ما هي أكبر مخاوفك؟ فوجئت كثيراً حينما تهافت إلى مسمعي صوتي الذي لم أنتبه لخروجه وأنا أقول (الفقد)، لبرهةٍ قصيرةٍ عادت إليّ كل الذكريات المرتبطة بحوادث الفراق في ذاكرتي، وعادت معها كلّ المشاعر والأحاسيس التي حاولت جاهدةً ألّا تظهر أيٌّ منها، وتفضح ما أصبحت عليه من تيه.

لم يقتضِ الأمر فقط على بعض الذكريات التي بدأت تجول في خاطري وحسب، فلقد اعترتني حالةٌ من الصمت غير المبرر، كيف لكلمةٍ واحدةٍ أن تغيّرني من شخصٍ مليءٍ بالطاقة والحماسة إلى آخرَ لا يكاد يفقه ما يدور حوله، وكيف للمرء أن يكون أكبر مخاوفه هو ما عاشه سابقاً!

في الحقيقة، ما أصبحت متيّقنةً منه في الآونة الاخيرة هو أن ما يمكن إخفاؤه بشتّى الطرق يمكن نبشه بأسرعها، وليست كل الجروح قادرةً على الاندمال، بعضها سيبقى مفتوحاً إلى الأبد، لا أنكر أنّه سيؤلمك، لكنّك ستعتاد على كونه غير قابلٍ للتعافي.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب