فتنة العقل

نعمة العقل التى تميزنا، وحرية الإرادة واستقلالية الاختيارات بداخل الكثير من القيود، كلّها نعم وظيفية مؤقته لزاما للمرور خلال اختبار الحياة، ومن ثم إلى ثواب أو عقاب. والمرور هنا كان حتماً ولابد وفقط لإقامة الحُجّة على الكِبْر الفارغ القائم باختياره كمُمْتَحَن! ( فتنة العقل )؛ ولولا هذا الكبر- افتراض للتفكّر-، كان المثوب منّا أو المعاقَب الآن خالدين. ومن لوازم الكبْر، التشدّق بحرّيات مطلقة تتعدّى حدود لجنة الإمتحان، ولا تتناسب كمخرجات- إطلاقا- مع المعطيات المتاحة لنا نحن المفتونون، مستعدّون تماما لإهدار الغالى والنفيس فى سبيل التخلص من أى قيد أو شرط يعيق أى رغبة أو رضا لأهوائنا صاحبات السّمو، خدم ذلك نجاحنا فى الاختبار أم العكس، سيان!، معتبرون بقناعة راسخة بأننا أصحاب العقول نرى أن الحرية كل لا يتجزّأ؛ كل الحرية أو الموت. وفى ظلال هذه الشعارات، نجد- إذ فجأةً- أنفسنا ترضخ لسنن الكون ولقوانين الطبيعة العاتية، بل وتتأقلم معها وتتبنّى نقلها لمن يجهلها وتحافظ علي ذكراها إن غاب أثرها. وكلّما ضاقت الدنيا بما رحبت، بمسلسلات من الإختبارات المُقْعِدة، استغنينا عن أجزاء من حرياتنا وتَكيّفنا، وأبهرنا أنفسنا بقدراتنا اللا متناهية على الاستيعاب والاستمرار فى تنفس هواء العبودية الكريه، المنئى عنه. وعلى الرّغم من أنف " فتنة العقل".

العقل الواعي، هو محل السؤال والهموم، وصاحب القرار الأخير بجواز الإختيار، منبع الإرادة ووجهة الرّشد، أصل الوعى بالذات والاستقلالية، بيت المنطق والتفكير الرشيد، مأوى الحقائق المادية ومكان الجمادات الصوالب المجردة، منتهى العزوف والتّسامى والتّوحّد، وأعظم النعم المهداه.

ويوم يتخلى القوم عن تقدير أعظم ما يمتلكون (أي العقل)، يتخلفون، ويتخلفون، حتى يتقاتلون.

قدسية العقل من قدسية الخالق، لا مساس، من لا يتفق مع هذا المبدأ لن يتفق أبدا. ومن يستحضر أن كثيراً من العقول أصابها الخلل بالأهواء وكثيراً ما تحيد عن الحق، أقول لهم: "العقول المختلّة لن تُحاسب؛ وأن العقول المريضة لن تحاسب حساب العقول العفيّة، فكلٌ يحاسب على قدر عقلة، وهذا شأن الله، وأن كل بن آدم خطّاء، وأن خير الخطّائين التوابون، وأن هذا هو أصل الحكمة من الخلق. 

وقد سمعت كثيرا من النّاس من حفظة العلم، والّذين يحرصون على نقل ما تم حفظه بالتواتر من قديم الزمن، وهم للأسف، كأصحاب فضل يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لا يعترفون بالعقل أمام النقل، وإذا تعذّر على عقولهم استيعاب أمر ما من الأثر، تجاهلوه أو أرغموا عقولهم على تقبّله كما هو، بـحجّة أن العقل لا يقاس عليه، وإنّه ليست أداه للنجاة. ومن يعترض على هذه الطريقة يوصم بتهمة " فتنة العقل "، وهذا مصير كل من يحترم عقله كأعظم نعم الله على الإنسان، وأصبحت هذه التّهمة آفة المجتمعات المتديّنة أو التي تحكم باسم الدين.

لن يقبل العقل بالقيود، ولن يخاف أن يُفْتن بنفسه، ففي النهاية، عندما يُسْأل، سيجيب بما يُصَدّق، وسيُخْرج ما يحتوي.  

فلا نشغلن العقول بدور عشماوى منفذ الأحكام والسجّان العنتيل حامى الحمى، هذا تحديدا ما لم نخلق له، أن نقيّد ونسفّه خير ما فينا ( أي العقل )، مستخدمين ذريعة ضعفه الأصيل، وأنه لا يصلح بعد الآن كموجّه وقائد خلال الرحلة، ونترك المقْوَد لجثث وهياكل ومومياوات.

ثم نجد من يجادل فى الثّوابت بحكم دين الآباء،

ثم نجدهم- هؤلاء- قتلى بأيدى ذويهم، 

والسؤال هنا، متى سنكتفى، متى يعود العقل ينبض من الضجر، المشاهد الغير مرضية التى لا تليق بآدميتنا تتكرر، وأصبحنا نتمنى أن يكون هذا التكرار مع سبق الإصرار، ويتوسل العقل أن نترك له القيادة- لفترة- على سبيل التغيير أو حتى كدعوة للراحة.

بالعقل سنقف، سنقف مرة أخرى بالعقل، وبالعقل سنطفئ كل المستقبلات، إلّا العقل، سنتركه يستعيد الوعى رويدا رويدا.

وبالعقل نقول بسم الخالق البارئ المصوّر.

بقلم الكاتب


ياسر صبحي محمد حسين، مصري مواليد الاسماعيلية 1979م، تخرّج من جامعة قناة السويس كلية الطبالبيطري 2000م، مدرّب مهني معتمد، دبلوم أكاديمي في التعليم كلية التربية جامعة عين شمس، شهادة معالج برمجة لغوية عصبية، شهادة معالج سلوكي معرفي، certified Life Coach ، فنان تشكيلي وكاتب هاو.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

ياسر صبحي محمد حسين، مصري مواليد الاسماعيلية 1979م، تخرّج من جامعة قناة السويس كلية الطبالبيطري 2000م، مدرّب مهني معتمد، دبلوم أكاديمي في التعليم كلية التربية جامعة عين شمس، شهادة معالج برمجة لغوية عصبية، شهادة معالج سلوكي معرفي، certified Life Coach ، فنان تشكيلي وكاتب هاو.