فتح الحجاز.. نهاية حكم الأشراف وبداية عهد آل سعود

في مطلع عشرينيات القرن الماضي، كانت شبه الجزيرة العربية على موعد مع تحول تاريخي حاسم، بلغ ذروته في الصراع بين القوتين الرئيستين آنذاك: سلطنة نجد وملحقاتها بقيادة السلطان عبد العزيز آل سعود، والمملكة الحجازية الهاشمية بقيادة الشريف حسين بن علي. لم يكن النزاع خلافًا على الحدود، بل كان صراعًا على هوية المنطقة ومستقبل الأماكن المقدسة.

يستعرض هذا المقال الفصول الأخيرة من هذا الصراع، بدءًا من منع أهل نجد من الحج، مرورًا بسقوط الطائف، وصولًا إلى دخول مكة سلمًا، وتنازل الشريف حسين عن الحكم، وهي الأحداث التي مهدت الطريق لتوحيد المملكة العربية السعودية.

الطريق إلى مكة: سقوط الطائف

استمر ملك الحجاز في منع أهالي نجد من الحج طيلة سبع سنوات، ما مثَّل ضغطًا دينيًا عليهم، جعلهم يطالبون أميرهم عبد العزيز بن سعود بإعداد العدّة والمضيّ قدمًا لفتح الحجاز، في الوقت الذي كان فيه الملك عبد العزيز يتريّث ويعد العدّة.

تحرك آل سعود إلى الطائف، فاستولوا عليها في 5/2/1343هـ الموافق 6/9/1924م، وأصبح الطريق إلى مكة مفتوحًا لهم، لكن عبد العزيز تريّث قليلًا ليدعو أهالي مكة إلى نبذ تبعيتهم لملكهم واتباع الدعوة السلفية الصحيحة التي يدعو إليها السعوديون، وقد مثل ذلك ضغطًا على الحسين وابنه، دعاهم إلى الفرار من مكة، فانطلق بعض الأهالي منها إلى الجيش السعودي يخبرونه بفرار الحسين وولده من مكة، فدخلها الجيش السعودي محرمًا دون إراقة للدماء في 17/3/1343هـ الموافق 16/10/1924م.

دخول آل سعود مكة

تنازل تحت الضغط.. الشريف حسين يسلم الحكم لابنه

تُعد واقعة الهدى قرب الطائف التي أكمل بها آل سعود انتصارهم على الأشراف في صفر سنة 1343هـ، الموافق سبتمبر 1924م، بداية النهاية لحكم الأشراف في الحجاز.

وبعد أسبوع واحد من هذه الواقعة، اجتمع أعيان جدة ومعهم من فرَّ من الطائف ومكة من تجار وعلماء، بل وأشراف أيضًا، باسم الأمة الحجازية، وأبرقوا إلى الحسين بقرارهم الذي اتخذوه في 4/3/1343هـ الموافق 13/10/1924م، ما مفاده: «طلب تنازل الشريف حسين وتنصيب ابنه الأمير علي ملكًا على الحجاز فقط، مقيّدًا بدستور وبمجلسين وطنيين».

تنازل الشريف حسين عن الحكم

وبعد أخذ ورد بين الحسين والأعيان، وافق على تنصيب ابنه مكانه في 5/3/1343هـ الموافق 14/10/1924م، وحضر فعلًا الشريف علي من جدة إلى مكة، في حين غادرها والده الشريف حسين المعزول إلى جدة، ومنها إلى العقبة.

وفي العقبة، حذر الإنجليز الشريف حسين من خطورة وجوده في العقبة، وعدم تمكنهم من حمايته، بحجة أن الوقت ضيّق لاستدعاء قوات للتمركز في العقبة، فرحل منها إلى قبرص.

دخول مكة سلمًا: بداية عهد جديد

بعد أن دخل الجيش السعودي مكة -دون قتال أو سفك دماء- قرر ابن سعود التوجه فورًا إلى مكة، التي خرج منها الشريف علي بعد والده بعدة أيام متجهًا إلى جدة ليتحصن بها.

ثم كتب ابن سعود، قبل أن يدخل مكة، إلى ملوك المسلمين وأمرائهم، يخبرهم بسفره إلى مكة، وأنه عازم على عقد مؤتمر هناك ليبحث فيه مسألة الأمن والسلام للحجاز.

وقبيل عشاء يوم الخميس الثامن من جمادى الأولى 1343هـ الموافق 4/12/1924م، بلغ ابن سعود وأتباعه مكان السد بين جبل حراء وجبل ثَبِير، ثم دخلوا محرمين وأدّوا مناسك العمرة، ثم التقى ابن سعود بالناس والعلماء ووجهاء أم القرى.

دخل ابن سعود مكة مع قوات الإخوان، دون إلحاق الأضرار بأحد أو مساس المدينة بأذى. إلا أن الثابت من معظم المصادر والمراجع أن الجيش السعودي دخل مكة بقيادة خالد بن لؤي، وكان السلطان عبد العزيز آنذاك مقيمًا في الرياض، ولم ينتقل منها إلى مكة إلا بعد ذلك بنحو شهرين.

عهد جديد في مكة

بذلك، مثّل دخول السلطان عبد العزيز آل سعود إلى مكة المكرمة نهاية حقبة وبداية عهد جديد لمنطقة الحجاز وشبه الجزيرة العربية كلها. لم يكن هذا الحدث مجرد انتصار عسكري، بل كان الخطوة الحاسمة التي وضعت الأماكن المقدسة تحت رعاية الدولة السعودية، ومهدت الطريق أمام توحيد البلاد وإعلان قيام المملكة العربية السعودية بعد سنوات قليلة. لقد كان فتح الحجاز تتويجًا لمسيرة طويلة من الكفاح السياسي والعسكري، ونقطة تحول أساسية في تاريخ المنطقة الحديث.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.