في تجربة الممارسة الفنية بصفة عامة ارتقاء، ومحاولة لإيجاد عالم بديل أو لو شئنا قلنا: عالم يوازي سياق الواقع، بمفردات ذات حضور مختلف، يأتي هذا تحت مظلة هي أشبه بقانون: «الفن لا ينقل الواقع بطريقة حرفية ولكن بطريقة جمالية»، هذه الجمالية تحتاج إلى البحث في جذورها الفلسفية وقوفًا على محتواها الأيديولوجي، في محاولة لتفسير كنه العملية الفنية التي تقف عليها ذات توصف بأنها مبدعة على مستوى الصياغة الشكلية والدلالة.
من هو فتحي غانم؟ سيرة مبدع في محارب الصحافة والفن
وُلد فتحي غانم في 24 مارس 1924 بالقاهرة لأسرة متواضعة، ويُعد أحد أعلام السرد الروائي في عصرنا الحديث. والوقوف عند تجربة الكتابة عنده تأتي من هذه البوابة الحتمية، ألا وهي سيرته في عالم المرجع الواقعي التي تمارس سطوتها عليه وعلى غيره فيما يخرج من عوالم تنتمي إلى سياق الفن.
تخرج فتحي غانم في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) عام 1944، لكنه اختار الكتابة مهنةً له؛ حيث عمل بالصحافة في مؤسسة روز اليوسف، ثم انتقل إلى صحيفة الجمهورية أو مؤسسة دار التحرير رئيسًا لمجلس الإدارة والتحرير، ثم عاد مرة أخرى إلى روز اليوسف حتى وفاته عام 1999 عن خمسة وسبعين عامًا.
تقلَّد محمد فتحي غانم كثيرًا من الوظائف الصحفية المرموقة، منها:
- رئيس تحرير مجلة «صباح الخير» من عام 1959 إلى عام 1966.
- رئيس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1966.
وكانت روايته الشهيرة «الجبل» في بدايتها تحقيقًا صحفيًا، تحول إلى رواية حينما بدأ بالعمل في عدد من المجلات والصحف مثل روز اليوسف، وصباح الخير، والجمهورية، ثم تولى رئاسة تحرير هذه الإصدارات. ومكَّنه التقلب في هذه المواقع من الاقتراب من مراكز صنع القرار، ما منحه فهمًا أعمق لطبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وتروي زوجته أنه كان شخصية هادئة غير اجتماعية بالمرة، قليل الاختلاط بالآخرين، باستثناء عدد من الأصدقاء هم الصحفي الشهير محمود أمين العالم، والمؤرخ والضابط أحمد حمروش، والفنان آدم حنين، والصحفي صلاح حافظ، في حين كانت هوايته الأثيرة لعب الشطرنج. وتكريمًا لمسيرته العريضة، أُطلق اسم غانم المتوفى عام 1999 على الدورة العاشرة لملتقى الرواية العربية عام 2015.
تصنيف روايات فتحي غانم بين الرمزية والاشتباك مع الواقع
تتنوع كتب فتحي غانم لتمثل علامات فارقة في أدبنا العربي الحديث؛ وأهم رواياته على الإطلاق هي «الرجل الذي فقد ظله»، وهي رواية من أربعة أجزاء، قامت على طباعتها دار الهلال بالقاهرة. كل جزء ترويه إحدى شخصيات الرواية: مبروكة الخادمة، وسامية الفنانة الشابة، وناجي رئيس التحرير، ويوسف عبد الحميد السيوفي الصحفي الشاب الذي تدور أحداث الرواية عنه، وقد باع نفسه ليضل ويصل على حساب أصدقائه اليساريين القدامى.
وتُروى القصة من ثلاث وجهات نظر أخرى خلاف يوسف بطل الرواية، إنها الصورة التي قدمها فتحي غانم عن الشخصية الإقطاعية والوصولية التي سبقت الثورة، وقد تحولت إلى فيلم يحمل الاسم نفسه عام 1968 من بطولة كمال الشناوي، ويوسف شعبان، ووجيه شريف، وصلاح ذو الفقار، وماجدة الصباحي، ومحمود ياسين، ونيللي، ومحمد وفيق، ونظيم شعراوي، وسيناريو وحوار علي الزرقاني، وإخراج كمال الشيخ.

ولا شك في أن الرمز الذي يميز اللعبة الفنية برمتها القائمة على الخيال يمنح هذه اللعبة ومن يمارسونها إبداعًا وقدرةً على تكوين معجم خاص بمفردات ودلالات مغايرة لما هي عليه في الواقع. إن كثيرًا من كُتاب القصة والرواية مارسوا مهنة الصحافة القائمة على مسألة التفاعل النشيط مع الواقع وقضاياه؛ ومن ثم فإن معالجتهم له تنطلق من خطين متوازيين:
- الأول: تقديم أطروحات مباشرة بعيدًا عن لعبة القناع والمراوغة.
- الثاني: تقديم معالجات فنية ترتقي فوق هذه الدلالات المباشرة وتسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقعي برؤى ذات طابع عمومي، معتمدة في ذلك على لعبة الرمز والقناع، وتوظيف ما هو كائن في عالم المرجع من شخصيات وأفكار وإعادة إنتاجها من جديد.
في عملية يمكن تلخيصها في هذا القول: الفن رحلة انتقال/ عروج مما هو خاص محدد في عالم الواقع الذي خرجت منه تجربة المبدع إلى ما هو عام غير محدد يصلح للاستمرار في أفضية زمانية ومكانية وثقافية مغايرة على مستوى الفن؛ فلو افترضنا أن الفكرة الموجودة في عالم الواقع وتتم صياغتها فنًا كلمة معرفة بـ «أل»، فإننا في الفن نجردها من «أل» العهدية التي تلتصق بها في واقعها، ونجعلها نكرة تتسم بسمة العموم والانتشار/ الشمول. وفي هذا السياق تتضح روايات فتحي غانم بوصفها أعمال واقعية رمزية تشرح التحولات النفسية والسياسية في المجتمع.
كتب فتحي غانم: غوص في أعماق النفس والمجتمع
وإلى جوار روايته «الرجل الذي فقد ظله» التي تجعل الحدث والفكرة الكائنة وراءه في مرمى رؤى متعددة يتقدم منها عبر شخصيات العمل التي تتولى مهمة الحكي، تأتي روايته «تلك الأيام»؛ فقد نُشرت الرواية على حلقات في مجلة «روز اليوسف» عام 1963، ثم في سلسلة «الكتاب الذهبي» التي كانت تصدر عن المؤسسة، وسافر فتحي غانم إلى الخارج تاركًا الرواية لتُطبع ليُفاجأ بعد عودته أن مدير تحرير «الكتاب الذهبي» اختصر نصف الرواية تقريبًا قبل نشرها ودون الرجوع إليه. بعدها بفترة نشر فتحي غانم الرواية كاملة في سلسلة «كتاب الجمهورية» في طبعة محدودة.
موضوع الرواية يناقش العلاقة الغريبة التي ربطت بين كاتب يعمل في خدمة السلطة وأحد الإرهابيين المعتزلين؛ تروي أزمة كاتب ومؤرخ وأستاذ جامعي مرموق يشعر أنه فقد شجاعته وقدرته على قول الحق ويشعر بالخزي في عيون زوجته الشابة زينب التي كانت طالبة لديه، ويظهر هذا القلق «الوجودي» الذي يعاني منه الدكتور سالم عبيد حالة كثير من المثقفين في تلك المرحلة التي أعقبت فشل مشروع الوحدة وصعود الديكتاتورية وإرهاصات الهزيمة القادمة، وهي المدة نفسها تقريبًا التي كتب خلالها نجيب محفوظ روايات «اللص والكلاب» (1961) و«السمان والخريف» (1962) و«الشحاذ» (1964)، ثم إن فتحي غانم كان قد سبق «تلك الأيام» بـ «الرجل الذي فقد ظله» عام 1961.
في «تلك الأيام» تتردد أيضًا شخصية المثقف الذي فقد ظله، ولكنه هنا أكثر وعيًا بأزمته ورغبة في الخلاص، وفي سعيه إلى هذا الخلاص يلجأ إلى «إرهابي» معتزل... مع ضرورة الانتباه إلى أن كلمة «إرهابي» في ذلك الوقت كانت تعني شيئًا مختلفًا تمامًا عما تعنيه اليوم، وبالتحديد كان يُوصف بها الشباب المنتمون إلى الحركات اليسارية والفوضوية وكذلك الإخوان المسلمين وغيرهم من الذين يئسوا من إمكانية الحصول على الاستقلال بالمفاوضات واعتمدوا العنف والاغتيالات وسيلة في نضالهم ضد الإنجليز والملكية.
يلجأ سالم عبيد إلى الإرهابي اليساري عمر النجار ليساعده في تأليف كتاب عن هذه الحركات الثورية التي انتشرت خلال الأربعينيات حتى قيام ثورة يوليو... هؤلاء «الإرهابيون» الذين قام رجال الثورة باستبعادهم من الحياة السياسية وفرض الاعتزال المبكر عليهم أو وضعهم في السجون، هؤلاء الذين قال عنهم الرئيس جمال عبد الناصر في «الميثاق الوطني» عام 1962 زمن الرواية المرجعي: «لم تكن هذه هي الثورة وإنما كان ذلك التمهيد لها. كانت تلك هي مرحلة الغضب التي تمهد لاحتمالات الثورة لأن الغضب مرحلة سلبية، والثورة عمل إيجابي».
هذا هو أيضًا رأي الدكتور سالم عبيد المؤرخ في الحركات «الإرهابية» كما يرد بالنص في الرواية منقولًا عن «الميثاق»، والقراءة المنطقية للرواية تدين هذا الرأي لأن سالم عبيد يشعر أنه منافق.
ومن الطريف أن فتحي غانم يشير إلى أن رجال الثورة عرضوا عليه إدارة «دار التحرير» الصحفية عام 1966 «لتكوين منبر حر يؤدي إلى إعادة كتابة الميثاق على وجه ديمقراطي»، ومن الواضح إذًا أن النقد المبطن الذي تحمله الرواية قد وصل إلى السلطة وأنهم -بشكل جاد أو ساخر- طلبوا منه أن يشارك معهم في تعديل هذا الميثاق!
سالم عبيد يلجأ إلى «الإرهابي» عمر النجار لسبب آخر شيطاني، وهو أنه يعلم أن زوجته النقية سوف تقع في حب هذا الشاب النقي، وهو يمهد لهذه العلاقة بينهما لسبب عجيب هو أنه يرغب في الموت ولا يجرؤ عليه، ولذلك يرى أن عمر النجار سينفذ له هذه الرغبة ويقتله للحصول على زوجته... ولكن ما لا يعلمه سالم عبيد هو أن عمر النجار أصبح عاجزًا عن الجنس وعن القتل، وعندما يتواجه الاثنان في النهاية يعجز كل منهما عن قتل الآخر وعن أخذ زينب لنفسه، وهو ما يشير إلى المصير الذي آلت إليه كل القوى السياسية في مصر.
وتشريح هذا العجز سيكون أيضًا موضوع رواية «زينب والعرش» التي كتبها عام 1972م؛ ومن ثم فإن أفكارًا مثل: الوصولية، الإحساس بالعجز، المنحنى النزولي للشخصية الذي يجعلها تتحرك في عملية نزيف قيمي من مرتبة مثالية عالية إلى مراتب دونية... وغيرها من الأفكار التي تطرحها رواية مثل «تلك الأيام» -ذلك البناء اللغوي الناقص الذي يبحث عن إكمال، هل هو قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾- تمثل مفردات مميزة للواقع الإنساني عمومًا، وتوظيف ما هو راهن محدد على مستوى اللحظة والمكان يأتي من بوابة الانطلاق بحثًا عن العمومية التي ينشدها كل خطاب يرجو لنفسه حضورًا متواصلًا، ومساحة من الانتشار الأفقي يحطم بها عتبة المحلية الضيقة.
ما هي جميع مؤلفات فتحي غانم؟
قدَّم غانم مكتبة ثرية فيها دراسات عميقة للمجتمع المصري. وتتنوع آثاره الأدبية لتشمل روايات وقصصًا قصيرة تحولت في أغلبها إلى أيقونات في السينما والتلفزيون. ومن أبرز مؤلفاته:
- الجبل (أولى رواياته).
- الرجل الذي فقد ظله.
- تلك الأيام.
- زينب والعرش.
- الأفيال.
- قليل من الحب كثير من العنف.
- بنت من شبرا.
- أحمد وداوود.
بالإضافة إلى عدة مجموعات قصصية ومقالات صحفية وسياسية حافلة.
فتحي غانم الأعمال الكاملة خلود الأثر وتجاوز الزمان
إن المعالجات الواقعية التي تتوسل بخطاب المباشرة تبقى دومًا أسيرة الراهن الزماني والمكاني في إنجازها؛ لذا فإن قراءتها والحكم عليها يقتضي دومًا الربط السياقي بينها وبين ملابسات اللحظة الواقعية التي خرجت فيها.
أما المعالجات التي تتوسل بالفن فإنها ترنو دومًا إلى الانعتاق والتحرر من براثن ما هو واقعي على مستوى اللغة والرؤية، بحثًا عن مساحات أوسع وآفاق أبعد للحركة تتيح لها الالتحام بفضاءات للتداول بمعزل عن الذات المؤلفة وخصوصية تجربتها، بحكم ما تحمله من رموز تتجاوز أبعاد الزمان والمكان المحدودين إلى أطر تواصلية ترى فيما تحمله من رموز قابلة للقراءة وللتأويل.
إن دراسة الأعمال الكاملة لفتحي غانم تتيح للأجيال الجديدة إعادة اكتشاف هذا المبدع واستجلاء أبعاد أسلوبه الفني الذي تجاوز حدوده الزمانية ليبقى حيًا في ذاكرة الأدب العربي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.