فانتازيا عمى عين العقل

"أغمضوا أعينكم جميعًا، وتخيلوا شيئًا جميلًا".

قالت أستاذة فاطمة بحماس بينما جلس الجميع مغمضين أعيُنهم في جلسة منتصبة، يُهمهمون بصوت خافت أصواتًا تدل على استمتاعهم وبهجتهم لِما رسمت لهم مخيلاتهم.

 أنا أكره الفنون

بعكس كل الأطفال في سني وبعكس كل زملائي وزميلاتي في الصف، أنا لا أحب مادة الفنون أبدًا، جلستُ في الصف الثالث في منتصف الفصل، وأطرقتُ رأسي بحزن وضيق دون أن أغمض عيني..

تحاشيتُ نظرات المعلمة وحاولتُ الاختباء وراء صديقتي سارة التي كانت تجلس أمامي.

 

تقدمت المعلمة بخطوات واثقة نحوي، لم أرفع رأسي فبادرت بمناداتي:

- "صفاء.. لماذا لم تغمضي عينيكِ؟ سيتوجب علينا المباشرة في التمرين".

-"أنا...؟"

-"لا تقلقي يا عزيزتي.. فقط أغمضي عينيكِ، وفكري في شيء تحبينه كثيرًا، شيء يجلب لكِ السعادة والحبور، ثقي بي سيكون الأمر مسليًا جدًا". 

ابتسمتْ المعلمة بدفء ومودة لتطمئنني

أغمضتُ عينيّ وسمعتُ خطواتها، وهي تبتعد لتعود إلى مقدمة الفصل.

 حاولتُ التفكير في الأشياء التي أحبها، الحديقة العامة والزهور التي تحيط بها، الحيوانات التي أشاهدها على التلفاز مثل الأرنب أو السنجاب الظريف، ولكن كما توقعتُ، كانت أفكاري مجرد كلمات أهمس بها لعقلي دون أن يستجيب..

راح السواد في ذهني يزداد عتمة، لم أرَ شيئًا مما فكرت فيه، لا أستطيع رسم الخيال!

 

"تخيلوا بعمق وشاهدوا التفاصيل في الأشياء التي تحبونها، إن فَكَّرتم في قوس قزح حاولوا تقريب الصورة بذهنكم، احفظوا تدّرُّج الألوان ومحيط الصورة لأننا سنقوم برسم أشيائنا المفضلة لتصبح حقيقة."

قالت المعلمة بحماس وردّ عليها الجميع بتحية تشير إلى أن الفكرة قد أعجبتهم كثيرًا

 غرقتُ أنا داخل دوامتي العاتمة في منتصف الفصل، احتضني السواد ولم أعد أسمع صوت أفكاري، لم أعد أستطيع التفكير في أي شيء جميل لأنني لا أستطيع رؤيته أو رسمه لنفسي بخيالي، عاجزة عن مجاراة من يجلسون حولي، أظن أنهم جميعًا يُحلقون بصور ذهنية خلابة بينما أنا مجرد عصفور بجناح مكسور

 

أصابني العمى! الإصابة ليست في عيناي التي ترونها، ولكنها في عين عقلي الداخلية، طُمِست من قاموس أعضائي وحواسي، جُردت من جميع المرئيات الذهنية، وأصبحتُ وحيدة في عالمي المظلم هذا، يهرب الجميع مع عالمهم بالخيال بينما قُيدت أنا وأصبحت مجبرة على البقاء يقظة ها هنا..

راحت الدموع تهبط بصمت وأنا مغمضة العينين لا أرى شيئًا، ولكن صوت فِكري يسوّد مع السواد الذي حل عليّ، شعرتُ بخدي المبلل وبجسدي الضئيل ينكمش في الكرسي الذي أجلس عليه، أخذت أشربك أصابعي وانكمش على نفسي أكثر فأكثر لكي أحاول -محاولة فاشلة- أن أهدأ.

 

"صفاء..لماذا تبكين؟ افتحي عينيكِ.. أنتِ تهذين". 

صرخت المعلمة بذعر وفتحت عيني لأرى جميع طلاب صفي يُحدقون نحوي باستغراب ودهشة..

لا أدري ما الذي جرى ولكنني كنت أبكي؟ كنت مذعورة أيضًا ولم يكن لي أن أفعل أي شيء غير أن أجهش في البكاء بصوت مسموع بعد تجمهر الجميع حولي

 

"أوه يا عزيزتي الغالية صفاء.. لا تبكي.. سيكون كل شيء على ما يرام.. أنا أعدكِ". 

قالت المعلمة ولكنني لا أثق بها، لن يكون (كل شيء على ما يرام)، هي لا تعلم ما تتحدث عنه، وعدتني مسبقًا ولكن انظروا ما وصلت إليه الآن..

"لن.. أكون.. بخير...ابدًا" قلتُ لها بين الدموع والشهقات المتتالية "أنتِ... تكذبين" تابعتُ حديثي وسمعت الجميع يشهق بدهشة، ولكن المعلمة أسرعت لتهمهم بكلمات لم أسمعها ثم أمرتني بالذهاب لمدير المدرسة.

 -استدعاء ولي أمر

تَحدُث المدير مع أبي لن يُجدي..

من يستطيع أن يهديني مخيلته؟

من يستطيع مداواة هذا العمى؟ 

 

طالبة هندسة العمارة كاتبة نصوص روائية و أدبية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

طالبة هندسة العمارة كاتبة نصوص روائية و أدبية